أفكار عمر عبد الرحمن لم ترحل معه

محمد أبو الغيط

محمد أبو الغيط

العربي الجديد

22/2/2017

ربما كان علينا أن نشكر أيمن الظواهري، زعيم تنظيم القاعدة، كونه أعاد إلى دائرة النقاش ما يجب أن يُطرح بشأن الراحل الشيخ عمر عبدالرحمن. لست ضد التعاطف الإنساني المجرّد نحو مسنٍّ أعمى سجينٍ، أو ضد حقوقه القانونية، ولست ضد الجدل حول تأييده مراجعات الجماعة الإسلامية، لكن كان من المستفز ظهور موجةٍ لتحويله ملاكاً أو مجرد ضحية. بل إن جماعة الإخوان المسلمين، التي كانت تاريخياً معادية للجماعة الإسلامية إلى حد الاشتباكات العنيفة في الجامعات، وصفته في بيان نعيه "فقيد العمل الإسلامي".
أكد الظواهري، في تسجيله الجديد أن تأييد عمر عبد الرحمن المراجعات، في بيانه "وقفوا لله وأوقفوا لله"، كان حين فهم بالخطأ أنها هدنة مؤقتة، لكنه بعدها تراجع ببيانٍ أعلنته محاميته، ونُشر في صحيفة الشرق الأوسط في 15 يونيو/ حزيران 2000، قال فيه ضمن أسبابه إنه "لم يحدث أي تقدم، فآلاف المعتقلين لا يزالون معتقلين، والمحاكمات العسكرية مستمرة". وأضاف الظواهري إن القيادي الراحل، رفاعي طه، أخبره أن عمر عبدالرحمن أرسل، قبل هذا البيان العلني، خطاباً شديد اللهجة إلى القيادات التي أيدت المراجعات، لكنهم أخفوه إلى اليوم. في المقابل، يتمسّك القيادي ناجح إبراهيم بأن الشيخ عمر أرسل لهم تأييده.
هذا الجدل مهم، لأنه ليس مجرد نقاش نظري نخبوي، بل هو واقع مادي ملموس، بسببه مازالت تسيل دماء المسلمين قبل غيرهم.
لعل البلورة الأهم لأفكار عبد الرحمن التي يشيد بها الظواهري تتمثل في "ميثاق العمل الإسلامي". نقرأ تحت بند "هدفنا" أن غرض التنظيم هو "تعبيد الناس لربهم وإقامة خلافة على منهاج النبوة"، وطرق هذه الخلافة ثلاثة، إما الاستيلاء أو ما تسمى "إمارة التغلب"، أو الاستخلاف كأن يستخلف الخليفة رجلاً، أو بيعة أهل الحل والعقد، ويؤكد أن كل أنظمة الحكم غير تطبيق الشريعة بهذا النظام كفر بيّن.
من اللافت أنه، بأصوليته البالغة، نص على أن من صفات الخليفة أن يكون نسبه عائداً لقريش، بسبب الحديث المعروف، وهو ما فعله تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) الذي شدّد على أن الخليفة أبوبكر البغدادي قُرشي الأصل، للسبب نفسه. كيف ستصل الجماعة إلى هذا الهدف؟ البداية بالدعوة، ثم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهنا تفصيل طويل، ليصل إلى أن دور "المُحتسب" يجب أن يقوم به أي مسلم مُكلف قادر، بكل الوسائل، منها "الزجر بالخشن من القول"، و"الضرب باليد والرجل ونحو ذلك".
ثم نصل إلى مرحلة الجهاد، وهنا نجد إعلان حربٍ صريح ضد الحُكام الذين لا يطبقون الشريعة، وضد كل غير المسلمين. "إننا كمسلمين مأمورون ألا ندع أي طائفةٍ على وجه الأرض تحكم الناس بغير شرع الله، فمن أبى ذلك، ورفض الإذعان قاتلناه.."، "البيان والحسنى للقلوب والعقول؛ فإن آمنت فبها ونعمت، وإن أبت فالجزية والصغار، وعلو أحكام الإسلام على الديار..".
كرّر الشيخ أفكاره بتوسّع في أقواله أمام المحكمة، وأيضاً في بحثه "حكم قتال الطائفة الممتنعة" عن قتل رجال الجيش والشرطة، حتى من خرج منهم "مُستكرهاً"، كالتجنيد الإجباري، يُقتل ويبعثه الله "على نيته".
بهذه الفتاوى الدموية، عاشت مصر حقبة سوداء، قُتل أقباط ونُهبت متاجرهم، وقُتل مئات من المصريين من كل الفئات، واندلعت وقائع لا تُحصى من الاعتداءات بسبب ممارسة "الحسبة"، في الجامعات خصوصاً. وبفتاواه أيضاً توسّعت الدكتاتورية التي تُجيد حكم الناس بالخوف. ولهذا، تم اغتيال الدكتور علاء محيي الدين متحدث الجماعة الذي كان يسعى إلى إقناع جماعته بالمشاركة السياسية.
ولا يمكن تبرئة الشيخ عمر من مسؤوليته السياسية أيضاً، بحكم توليه منصب أمير الجماعة، والذي تمسّك به مُصدراً فتوى "عدم جواز ولاية الأسير"، ليرد على فتوى عبود الزمر "عدم جواز ولاية الضرير"، ولن يغيّر من ذلك تأكيد علمه بكل عملية على حِدة أو نفيه.
سواء كان الشيخ تراجع فعلاً عن أفكاره أم لا، فالمؤكّد أنها مازالت معيناً لأفراد وجماعات إرهابية، وتفكيكها نظرياً واجب على كل من يعمل في مجال الدين، وإلغاء أثرها عملياً بتوفير البديل واجبٌ على كل من يناضل لأجل ديموقراطية حقيقية، لا تظلم أحداً حتى من يرفضها.