بين مرسي وترامب

خالد الدخيل

خالد الدخيل

الحياة اللندنية

19/2/2017

ما هي أوجه الشبه والاختلاف بين ما حصل للرئيس المصري السابق محمد مرسي وما انتهى إليه، وما يحصل للرئيس الأميركي الجديد دونالد ترامب، وما يمكن أن ينتهي إليه؟ قد يفاجَأ البعض متسائلاً: ما مناسبة هذا الحديث عن رجلين لا علاقة بينهما، أحدهما في الشرق والآخر في الغرب؟ لكن هناك مناسبة تفرض نفسها، وهي أن حديثنا عن الدولة في المنطقة بمعناها السوسيولوجي الشامل هو في الأغلب حديث نسوقه بشكل نظري، يطغى عليه التجريد نظراً لعدم وجود نماذج محلية يمكن الإحالة إليها. وتأتي الانتخابات الرئاسية الأميركية الأخيرة لتقدم نموذجاً يمكن مقارنته بنموذج الانتخابات الرئاسية المصرية عام 2012 عقب ثورة 25 يناير 2011. المقارنة بينهما تساعد في التعرف إلى مدى وحجم حضور الدولة ودورها في النموذج الأميركي، وتراجع هذا الحضور أو غيابه في النموذج المصري.
سيقال بأن الفرق الحضاري الشاسع بين الحالتين، بخاصة الفرق السياسي، لا يبرر المقارنة بينهما. لكن صحة هذه الملاحظة لا يجعل منها اعتراضاً علمياً بقدر ما أنه اعتراض تبريري لتأخر حالة عن الأخرى. الأفضلية لا تمنع المقارنة، بل تفرضها خصوصاً عندما تكون بين حالتين أو نموذجين ينتميان للفترة الزمنية ذاتها، وللظرف التاريخي نفسه، وكل منهما يدعي أنه ينتمي لمفهوم الدولة ومرجعياتها، وتحديداً الدولة الديموقراطية. إلى جانب ذلك هناك أوجه تشابه بين الحالة التي وجد كل من ترامب ومرسي نفسه فيها عندما دخل كل منهما لعبة الانتخابات. فمرسي، كما ترامب جاء من خارج مؤسسة الحكم، ولا ينتمي إلى إرثها وتقاليدها. كما أن كل منهما يمثل تياراً سياسياً وأيديولوجيا لا يتوافق مع التيار السائد للطبقة الحاكمة التي جعلته التجربة في مواجهتها. ومع ذلك فرض كل منهما نفسه على المشهد رغماً عن مؤسسة الحكم. في حالة مرسي فرضت ظروف ثورة 25 يناير قبول ترشحه للرئاسة باسم جماعة الإخوان المسلمين على رغم العداء المستحكم بين هذه الجماعة ومؤسسة الجيش التي تمسك بالحكم. أما في حالة ترامب فإن الذي فرض قبول ترشحه، وإن على مضض، هو التاريخ والموروث السياسي الطويل الذي كرس هيبة مؤسسات الدولة وتقاليدها السياسية، وأهمها حرمة انتهاك الدستور ومقتضياته، بخاصة في ما يتعلق بانتخاب رئيس السلطة التنفيذية. وكما هو متوقع في مثل هذه الحالة، واجه كل من مرسي وترامب معارضة شديدة من أغلب القوى السياسية الفاعلة.
كان من الواضح أن ترشح مرسي لم يكن مقبولاً من الجيش، وقوات الأمن المركزي، ومن القضاء والإعلام، ومن المجتمع المدني. من جانبه واجه ترامب معارضة عنيفة من أغلب المؤسسات الإعلامية، ومراكز الأبحاث ولا يزال حتى بعد فوزه في الانتخابات. كما أنه واجه ولا يزال معارضة الحزب الديموقراطي، وانقسام الحزب الجمهوري (الذي ترشح باسمه) حيال شخصيته وسلوكه وخياراته السياسية، خصوصاً ما يتعلق منها بالسياسة الخارجية، وتحديداً موقفه من روسيا الذي يبدو مضطرباً ولا يتسق مع سياسة ترسخت منذ الحرب العالمية الثانية. وقد تبين بعد فوزه أنه يواجه أيضاً معارضة من القضاء على خلفية أوامره الرئاسية بمنع هجرة رعايا سبع دول إسلامية. إلى جانب ذلك اصطدم مع مؤسسة الإستخبارات. لكن اللافت هو إلتزام المؤسسة العسكرية جانب الحياد التام في موضوع الانتخابات ونتائجها، وعدم التطرق إلى موقفها من قبل أي طرف ذو علاقة بما يحدث في المشهد السياسي الذي أعقب فوز ترامب.
المهم في هذه المقارنة أننا نعرف المصير الذي انتهى إليه ترشح مرسي بعد سنة من فوزه بالرئاسة، ولا نعرف شيئاً عما يمكن أن ينتهي إليه مصير ترامب. لم يمض على فوز الأخير وتسلمه الحكم إلا شهر واحد، ولا يزال السؤال مطروحاً عما يمكن أن تنتهي إليه رئاسته. ومع أن بروز مثل هذا السؤال يعد سابقة في التاريخ السياسي الأميركي، وبالتالي مصدر للقلق، إلا أن التعامل معه، ومن الجميع تقريباً، لا يتم وفقاً للسابقة وما تتسبب به من قلق، وإنما ضمن حدود التقاليد السياسية والدستورية المتوارثة. هنا يبدو الفارق الأهم بين الحالتين. انتهى الأمر بمرسي إلى أخذه من قصر الرئاسة إلى السجن مباشرة، حيث لا يزال. لم تحصل بين الرئاسة والسجن محاكمة قانونية بناء على تهمة أو تهم معينة. على العكس، بدأت المحاكمة بعد السجن، ولم تنته حتى الآن. ليس مهماً هنا تبرئة مرسي والجماعة التي ينتمي إليها، أو اتهام الجيش. الأهم تسجيل بعض ملاحظات عن تصرفات القوى الفاعلة في عملية سياسية استثنائية فرضتها حالة ثورية غير مسبوقة، ومدى انسجام هذه التصرفات مع معنى الدولة، بما في ذلك مقتضيات الدستور والالتزام بها.
فجماعة الإخوان أعطت حينها مؤشرات عدة بأنها تطمح إلى استغلال الحالة الثورية المضطربة للاستيلاء الكامل على الدولة، وهو ما أربك الزخم الشعبي الذي أوصلها للحكم، وأضعف موقفها السياسي. والغريب في تصرف الجماعة كان استعجالها في تحقيق هذا الهدف على رغم أن توازنات القوة في النظام السياسي الذي كانت تهدف إلى تغييره لم تكن في مصلحتها، وهو ما ينم عن افتقار للنضج والحكمة السياسيتين.
من جانبها، أعطت مؤسسة الجيش مؤشرات كثيرة على أنها لن ترضى بأن يخرج الحكم من قبضتها، بخاصة لألد وأقوى خصومها. وبالتالي كان من الواضح أن كلا الطرفين لم يتصرف وفقاً لمعنى الدولة ومصالحها، بل وفقاً لمصالحه هو. كان من الممكن، مثلاً، تحت رقابة القضاء ومن خلفه المؤسستان العسكرية والأمنية، وفي ظل وجود معارضة قوية من القوى المدنية، ترك أخطاء الإخوان تتراكم بما يسمح بإسقاطهم سياسياً ودستورياً من دون تدخل الجيش. كان هذا كفيلاً بإعادة تأسيس الدولة على أسس مختلفة تنسجم مع أهداف الثورة. لكن الجيش لم يسمح بذلك. وظف الأخطاء القاتلة للإخوان لإجهاض بوادر عملية سياسية جديدة، وبدا له أنها قد تنتهي إلى إخراجه من الحكم نهائياً.
الآن قارن ذلك مع ما يحدث لترامب أثناء وبعد فوزه. العالم يشاهد صراعاً مريراً بين إدارة ترامب ومعارضيه في الكونغرس، والإعلام والقضاء. وهو صراع لا يقل ضراوة عما كان يحصل في مصر قبل ثلاث سنوات. لكنه صراع يختلف في سحنته ومنطلقاته وأهدافه. فعلى رغم شذوذ السلوك السياسي للرئيس الجديد عن كل التقاليد، وعلى رغم شخصيته الانفعالية، وأن خطابه مستفز للجميع، إلا أنه يحاذر الخروج على مقتضيات القانون والدستور. والأهم من ذلك أن معارضيه المتضررين من فوزه داخل مؤسسات الحكم وخارجها ملتزمون أيضاً بالمقتضيات ذاتها. وهو ما سمح بأن تسير العملية السياسية على رغم كل ما حصل ويحصل، قبل وبعد الانتخابات، وفقاً للقانون، وضمن الأطر الدستورية والسياسية لمؤسسات الدولة.
ما صنع الفرق بين الحالتين أن مرسي جاء من خارج مؤسسة حكم أعاد تأسيسها وسيطر عليها الجيش طوال أكثر من ستة عقود. لكن انتماءه لجماعة الإخوان بتاريخها وموروثها، وبتصرفاتها تكامل في العمق، وفي نهاية المطاف، مع طبيعة هذه المؤسسة. أما ترامب فقد جاء من خارج مؤسسة حكم ترسخت عبر عملية ديموقراطية تطورت وتراكمت دستورياً ومؤسساتياً عبر أكثر من 225 سنة. يمثل ترامب تياراً يمينياً انعزالياً، متهماً بتوجهات عنصرية، وهذا ما جعله في حالة صدام مع مؤسسة الحكم ليس من الناحية السياسية وحسب، بل حتى من الناحيتين الثقافية والقانونية. صدام مرسي وجماعته مع الجيش يتركز في مبتدئه على الأقل على كونه صداماً سياسياً، أي من يستولي على الحكم، مع بقاء النتيجة ذاتها في تغلب أي منهما على الآخر. أما صدام ترامب فهو أضخم من ذلك، لأنه يتعلق بمستقبل دولة عظمى نضجت وترسخت عبر أكثر من قرنين من الزمن. ونتيجة الصدام في هذه الحالة لن تكون هي ذاتها. نجاح ترامب سيمثل انتكاسة كبرى، وفشله تأكيد لرسوخ الدولة ومتانة مناعتها.
ما حصل لكل من مرسي وترامب يقدم نموذجاً عملياً لما يحصل في حالة ضعف الدولة، وهشاشة سلطة مؤسساتها ومرجعياتها القانونية، كما حصل للأول. حيث تراجعت السلطتان القضائية والتشريعية، واختفت الأحزاب، ومعها الإعلام، وتسيدت السلطة التنفيذية على المشهد لتحسم الصراع لمصلحتها، ولتبقي على اختزال كل سلطات الدولة في ذاتها. على الجانب الآخر فرضت الدولة حضورها بسلطاتها الثلاث، بما في ذلك سلطة الإعلام الرابعة. القضاء يوقف أوامر الرئيس، والإعلام يتتبع كل صغيرة وكبيرة يقولها أو يفعلها الرئيس. الكونغرس يستمر في جلسات الاستماع لمرشحي الرئيس، وتدور بين أعضائه أحاديث عن إمكانية إطلاق تحقيق في علاقات مساعدي الرئيس الخارجية قبل وبعد الانتخابات. لا يملك الرئيس إزاء ذلك شيئاً أكثر من الاحتجاج، لكنه لا يمنعه من أن يقول أو يفعل ما يرى أنه حق له أو واجب عليه. وأمام كل ذلك لا تشعر بوجود للمؤسسة العسكرية في المشهد، على رغم أنها أقوى مؤسسة في التاريخ. يقدم لنا هذا الفرق بين الحالتين المعنى الإجرائي لمفهوم الدولة، وما ينبغي أن يكون عليه دورها في المجتمع. وهذا غائب هنا وحاضر هناك.

* كاتب وأكاديمي سعودي.