سيد قطب يكتب: علاقتى بالإخوان.. الــــــــــبداية في أمريكا والنهاية حبل المشنقة

سيد قطب

 

نشرت جريدة «المسلمون» الصادرة من لندن عام ١٩٨٢ مذكرات سيد قطب آخر ما كتبه بخط يده ونشرتها بعنوان «رسالة سيد قطب إلى جمال عبد الناصر».
تنشر «فيتو» مقتطفات من هذه المذكرات التي نشرت على مدى ثمانى حلقات ففى فصل بعنوان «قصة التحاقى بالجماعة عام ١٩٥٣» يقول فيه:

لم أكن أعرف إلا القليل عن الإخوان المسلمين إلى أن سافرت إلى أمريكا ربيع ١٩٤٨ في بعثة لوزارة المعارف وقد قتل الشهيد حسن البنا وأنا هناك في عام ١٩٤٩ وقد لفت نظرى بشدة ما أبدته الصحف الأمريكية وكذلك الإنجليزية التي كانت تصل إلى أمريكا من اهتمام بالغ بالإخوان ومن شماتة وراحة واضحة فـى حل جماعتهم وقتل مرشدها، ومن حديث عن خطر هذه الجماعة على مصالح الغرب في المنطقة وعلى ثقافة الغرب وحضارته.. وصدرت كتب بهذا المعنى أذكر منها كتاب لجيمس هيوارث بعنوان «التيارات السياسية والدينية في مصر الحديثة».
كل هذا لفت نظرى إلى أهمية هذه الجماعة عند الصهيونية والاستعمار الغربى، وفى نفس الوقت صدر لى كتاب «العدالة الاجتماعية في الإسلام» مصدرًا بإهداء هذه الجملة «إلى الفتية الذين ألمحهم في خيالى قادمين يردون هذا الدين جديدًا كما بدأ، يجاهدون في سبيل الله، لا يخافون لومة لائم.. إلخ»
فهم الإخوان في مصر، إننى أعنيهم بهذا الإهداء.. ولم يكن الأمر كذلك، فتبنوا الكتاب واعتبروا صاحبه صديقًا وبدءوا يهتمون بأمره.
ولما عدت عام ١٩٥٠ بدأ بعض شبابهم يزورنى ويتحدث معى عن الكتاب ولم تكن لهم دار لأن الجماعة كانت مصادرة.
استغرقت عام ١٩٥١ في صراع شديد بالقلم والخطابة والاجتماعات ضد الأوضاع الملكية القائمة والإقطاع والرأسمالية فأصدرت كتابين إلى جانب مئات المقالات في صحف الحزب الوطنى الجديد ومجلة الدعوة التي أصدرها صالح عشماوى ومجلة الرسالة وكل مجلة قبلت أن تنشر لى بلا انضمام أو جماعة إلى أن قامت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢.

العمل مع رجال الثورة
استغرقت كذلك في العمل مع رجال ثورة يوليو حتى فبراير ١٩٥٣ عندما بدأ الخلاف حول هيئة التحرير ومنهج تكوينها، وفى الوقت نفسه كانت علاقاتى بجماعة الإخوان تتوثق باعتبارها فـى نظرى حقلًا صالحًا للعمل للإسلام في المنطقة، وفى رأيى ليس لهذا الحقل بديل للوقوف في وجه المخططات الصهيونية والصليبية التي كنت قد عرفت عنها الكثير أثناء وجودى في أمريكا.
ونتيجة لظروف مجتمعة انضممت بالفعل إلى جماعة الإخوان المسلمين ١٩٥٣، ورحب الجميع بالانضمام إلى جماعتهم إلا أن مجال العمل بالنسبة لى في نظرهم كان من الأمور الثقافية لقسم نشر الدعوة ودرس الثلاثاء والجريدة التي عملت رئيسًا لتحريرها، أما الأعمال الحركية فقد ظللت بعيدًا عنها.
وكانت حوادث ١٩٥٤ فاعتقلت مع من اعتقلوا في يناير وأفرج عنهم في مارس، ثم اعتقلت بعد حادث المنشية واتهمت بأنى في الجهاز السرى للجماعة ولم يكن شيء من هذا كله صحيحًا.. وهنا لا أقصد تبرئة نفسى من عمل سجنت من أجله عشر سنوات وانتهى أمره.
وهنا أشير إلى الحادث الوحيد ذى الأهمية البالغة وهو حادث المنشية وما يحيط به وأود أن أشرح هنا كل التفصيلات والمقدمات التي أحاطت به وسبقته.

الصحافة الأمريكية تهلل
ففى عام ١٩٥١ سافر د.أحمد حسن وزير الشئون الاجتماعية في وزارة الوفد إلى أمريكا وعاد منها مستقيلًا من الوزارة.. ثم أخذ بعدها في تكوين جمعية «الفلاح» التي من أهم أهدافها تحقيق العدالة الاجتماعية للفلاحين والعمال، وهللت الصحافة الأمريكية للجمعية بصورة كشفت عن العلاقة بين الجمعية والسياسة الأمريكية في المنطقة.
انضم إلى الجمعية رجال كثيرون منهم د.محمد صلاح الدين وزير خارجية حكومة الوفد ود.عبد الرازق السنهورى وزير المعارف في وزارة السعديين والشيخ أحمد حسن الباقورى.
كان الخلاف قد بدأ يدب بين الإخوان ورجال الثورة لأننى كنت أعمل أكثر من ١٢ ساعة بالقرب من رجال الثورة ومن يحيط بهم.. ولاحظت أن فؤاد جلال الذي كان وزيرًا في أول وزارة برئاسة محمد نجيب وكان من أعضاء جمعية الفلاح كثيرًا ما كان يغذى الخلاف بين رجال الثورة والإخوان ويضخم المخاوف منهم مستغلًا ثقة الرئيس جمال عبد الناصر به وحاولت الحد من سموم فؤاد وآرائه لكن تغلب الاتجاه الآخر في النهاية.
أما عن علاقة هذا الحديث بحادث المنشية الذي أشك في تدبيره وأنه ليس طبيعيًا وكان يلح على تفكيرى أنه مدبر لتكملة الخطة التي تنتهى بالتصادم الضخم بين الثورة والإخوان تحقيقًا لأهداف أجنبية وذلك عن استقراء الأحوال ومن خطة فؤاد جلال جمعية الفلاح كمنظمة أمريكية.
عندما كان صلاح دسوقى يستجوبنى في السجن الحربى صارحته برأيى في تدبير الحادث وقد انتفض بشدة وهو يقول لى «هل أنت كذلك بكل ثقافتك تعتقد أنه تمثيلية؟».
قلت له لا أقول إنه تمثيلية لكن أقول إنه مدبر لهدف معين وإن أصابع أجنبية لها دخل فيه.
رد على صلاح دسوقى: جائز!.. لكن واحدا من الإخوان هو الذي فعله.
امتلأت نفسى شوقًا لمعرفة الحقيقة ولكنى لم أجد أحدًا ممن التقيت بهم في سجن طرة عام ١٩٥٩ يدلنى على هذه الحقيقة.
بل قالوا لى إن المسألة غامضة وفيها سر لا يمكن الآن معرفته.
وامتلأت نفسى شعورًا بالظلم الذي أصاب آلاف الأفراد والأسر والبيوت بناء على حادث واضح جدًا تدبيره حتى ولو لم يعلم بالضبط في ذلك الوقت من الذي دبره وتضخم الشعور وأنا أرى النتائج الواقعية في حياة المجتمع من انتشار هائل للأفكار الإلحادية والانحلال الأخلاقى نتيجة تدمير حركة الإخوان المسلمين.

ووجدت أن المسألة تتعلق بالمخططات الصهيونية في تدمير المقومات الأساسية للعناصر البشرية في المنطقة بحيث تصبح الملايين حطامًا منهارًا لا تملك المقاومة.
وفى فصل آخر يقول سيد قطب في مذكراته: «سمعت شائعة أن زكريا محيى الدين تكلم مع بعض الإخوان بعد انضمامى إليهم في دخول الإخوان الاتحاد الاشتراكى للوقوف في وجه التيار الشيوعى وبلغنى أن زكريا زار المرشد حسن الهضيبى للتحدث معه في هذا الشأن».
واستبعدت الشائعة لأن كل ما أعرفه أن زكريا زار معسكر قادة الشباب في حلوان إثر حادث تذمر بين الشباب بسبب المحاضرات الشيوعية التي كانت تلقى عليهم تحت ستار الاشتراكية وبما يمس العقيدة الإسلامية.

وقال زكريا محيى الدين للشباب إن الدولة ليست شيوعية وإنه تحدث مع «د.كمال أبو المجد» وهو من بين الحاضرين ليمثل الفكر الإسلامى داخل الاتحاد الاشتراكى ودعمت المحاضرات الشيوعية مجلات الكاتب والطليعة وروزاليوسف.

تعرفت على زينب الغزالى أثناء زيارتى للحاج حسين صدقى لأشكره على اهتمامه وكان حسين صدقى يتحسر على شباب البلد وانصرافه عن دينه وانحلاله الخلقى وطمأنته على الشباب وقلت له إن هناك بقية صالحة من الشباب تبشر بالخير وكنت أقصد المجموعة التي اشتغل معها دون إعلان أو تصريح.
سألنى هل ما زلت على اتصال بهذه البقية الصالحة؟ فقلت له نعم، فقال الله يبشرك بالخير.
انشغلت بعدها بالتنظيم الذي كان قد وجد فعلًا وكنت غير راغب في ضم أحد إليه ولا حتى من شباب الإخوان حتى يتم تأسيسه فعلًا.. وكنت أرى أن التنظيم يجب أن يبدأ بآحاد وأفراد.. لأن حالتى الصحية كانت تجعل جهدى محدودًا ولا أحب أن أبعثره مع ناس جدد.
كنت أحب الاحتفاظ بأفراد أو مجموعات متناثرة لأضمها للتنظيم لكنى أحتفظ بهم كمجرد ملاحظة لهم ولمدى استعدادهم لأن يكونوا في الصف في المستقبل وذلك استنتاجًا من أحاديثهم وأسئلتهم.

وأقول إن العنف الذي عومل به الإخوان بناء على حادث المنشية المدبر لهم وليس مدبرا منهم واتهامهم بمؤامرات لقلب نظام الحكم.. هذا العنف هو الذي أنشأ فكرة الرد على الاعتداء إذا تكرر بالقوة.. ولو كنا نعلم أن الاعتقال مجرد اعتقال ينتهى بمحاكمة عادلة وعقوبات قانونية حتى على أساس القوانين الوضعية المعمول بها لما فكر أحد في رد الاعتداء بالقوة.. وهذه حقيقة يجب أن أسجلها للتاريخ.
ولقد سمعت عدة مرات من يقول «وهل أنتم وحدكم مسلمون؟» أولا يكفيكم المؤتمر الإسلامى وبرنامج نور على نور والمساجد تقام فيها الصلاة والناس تسافر للحج؟
وأقرر أن الإسلام شيء أكبر من ذلك كله.. إنه نظام حياة كاملة وليس مجرد أفكار تنشر أو تذاع دون الأخذ في تطبيقها عمليًا في الحياة وفى التربية.. و»الإخوان المسلمين» كانت أنجح تجربة للتربية والإعداد وأى خطأ منها في الطريق لا يبرر تدميرها.

لقد أردت عام ١٩٥٢ القيام بتجربة مثلها في هيئة شباب التحرير وكان الاتجاه معى أول الأمر، لكن في النهاية تغلب توجيه جمعية الفلاح الأمريكية وأشتات المنتفعين الذين أرادوا هيئة التحرير بالصورة المهلهلة التي وجدت بها والتي تخالف ما كنا اتفقنا عليه.
كنا قد اتفقنا على استبعاد استخدام القوة كوسيلة لتغيير نظام الحكم أو إقامة النظام الإسلامى بل وأخذنا بمبدأ من اعتدى عليكم فاعتدى عليه بمثل ما اعتدى عليكم. أما السلاح فكان موضوعه له جانبان الأول أنهم أخبرونى أنه يصعب الحصول على ما يلزم منه حتى للتدريب وأنهم أخذوا في محاولات لصنع بعض المتفجرات محليًا ونجحت التجارب وتم التصنيع بالفعل والثانى أن على عشماوى أخبرنى أنه طلب من أخ في دولة عربية قطعًا من الأسلحة حددها له في كشف ثم ترك الموضوع.. وبعد شهرين جاء الرد أن الأسلحة سترسل وذلك قبل الاعتقال الأخير وكان الشيخ عبد الفتاح إسماعيل غير موافق على التسليح وقررنا تأجيل الموضوع حتى نبحث الموضوع وضمانات عدم كشفها.

وفى أواخر ١٩٦٠ وكنت في ليمان طرة وقد ساءت حالتى الصحية ولم يعد العلاج في مستشفى الليمان نافعًا وساعدنى أهل بيت حسين صدقى في الانتقال إلى مستشفى المنيل الجامعى، وشخصت الحالة بذبحة صدرية وقضيت بالمستشفى ستة أشهر ثم عدت إلى السجن وبعدها إلى المستشفى ولما ساءت حالتى في المرة الثالثة صدر عفو صحى وخرجت من السجن.
بعد ثمانية أشهر اعتقلت مرة ثانية لتتم محاكمتى ويصدر حكم الإعدام.