عن كتاب "الإسلام والعلمانية والديمقراطية الليبرالية: نحو نظرية ديمقراطية للمجتمعات المسلمة"

محمد أبو رمان

محمد أبو رمان

عندما قرأت كتاب "الإسلام، العلمانية والديمقراطية الليبرالية"، لمؤلفه نادر هاشمي، للمرّة الأولى (قبل أربعة أعوام 2012)، كنتُ في الولايات المتحدة الأميركية (خلال منحة مع معهد دراسات الشرق الأوسط في جامعة جورج واشنطن)، من أجل إنجاز كتابي "السلفيون والربيع العربي: سؤال الدين والديمقراطية في العالم العربي"، ساعدني في بناء أرضية منهجية صلبة لمناقشة السؤال المهم عن الديمقراطية والدين في مناقشتي لرؤية السلفيين السياسية للديمقراطية، بوصفها مرحلة انتقالية أو التمييز بين الفلسفة والأدوات ونقدها.
شعرتُ بمدى الحاجة إليه في العالم العربي والإسلامي اليوم، ونحن نتخبط في جدالات غير علمية وأحكام مسبقة فيما يتعلق بمشاركة الإسلاميين في السلطة ومدى إيمانهم وقبولهم بالديمقراطية، وفيما إذا كان دورهم سيساهم في تطوير الحياة الديمقراطية أم أنّه سيعيدنا – كما يتخوف البعض- إلى الوراء قروناً بعيدة!
ثم اقترحتُ على الصديق نوّاف القديمي (مدير الشبكة العربية للأبحاث والنشر) ترجمته، من خلال مشروع الترجمة الذي تقوم به الشبكة العربية للأبحاث والنشر، وهو الاقتراح الذي وجد أذناَ صاغية وحماساً من قبل نوّاف، وأوكل المهمة لأسامة غاوجي، الذي أنجز لنا هذه الترجمة المتميزة، الخالية من الأخطاء وعثراث المترجمين المتطفلين. وهكذا نحن الآن أمام النسخة العربية من هذا الكتاب المفيد والنافع، الذي سيثري المكتبة العربية في أحد الموضوعات الكبرى المهمة، الذي لا يقف عند حدود المعرفة والثقافة، بل يطاول السياسات والحياة الاجتماعية وثقافتنا ورؤيتنا لأنفسهنا والآخر.
القيمة المضافة التي يقدّمها الكتاب، معرفياً وفكرياً وسياسياً، تكمن في تجاوز الخلافات الأيديولوجية والأفكار المعلّبة المسبقة في سجالات الإسلاميين والعلمانيين القائمة، والمخاوف المتبادلة بين الطرفين، في العالم العربي والإسلامي، ليلج المؤلف إلى العمق ويفتش عن القضايا الجوهرية في النقاش ويضعها على طاولة التشريح، فيخرج لكلٍّ من العلمانيين والإسلامين بتصوّر مدروس للهواجس والمشكلات التي تقف وراءها، وفرضيات حول العلاقة المقترحة بين الدين والديمقراطية والعلمانية.
الرافد الآخر لأهمية الكتاب يكمن في اللحظة الراهنة تحديداً بأنّه يبعث الأمل من جديد في إمكانية الخروج من أنفاق الصراعات الأهلية الطاحنة وحالة الإحباط وخيبة الأمل التي تسود لدى شريحة اجتماعية واسعة تحت وطأة تلك الصراعات وماكينة "الثورة المضادة"، التي عملت خلال الفترة الماضية على "شيطنة" الحق الإنساني والشرعي للشعوب والمجتمعات بالتحرر والحرية والديمقراطية. فهذا الكتاب يؤكّد عبر المراجعة التاريخية والفكرية على أنّ هذه الأحداث طبيعية في تحول المجتمعات وانتقالها عبر المراحل المختلفة، بخاصة في الانتقال من عصر الاستبداد الديني أو السياسي أو الحروب الأهلية والطائفية- الدينية إلى عتبة الديمقراطية والحرية.
بالضرورة – وهذه مداخلتي بالطبع- لا يعني "شيكّاً مفتوحاً" لنا لنغرق في أتون هذه اللحظة البائسة، من دون جهد جبّار للخروج منها منتظرين صيرورات أو حتميات تاريخية، فرّب خطأ وانزلاق في هذه المرحلة يؤدي إلى عقودٍ من التيه، لكنّ المطلوب هو أن تنهض القوى والنخب الإصلاحية، مفكرين وسياسيين ومثقفين وناشطين، لمواجهة فكرة الاستسلام لمقولة أنّ العالم العربي والإسلامي بعيد عن عصر الديمقراطية، وأنّ مجتمعاتنا غير مؤهلة لذلك بعد!
هذه الدعوى – تحديداً- أي "الاستثناء الإسلامي" في الديمقراطية، وهي دعوى استشراقية ممتدة، كما يتتبعها هاشمي، هي التي يناقشها ويدحضها ويعمل على تفكيك مقولاتها والردّ عليها في الكتاب، عبر استدعاء المقارنة التاريخية بين العالم العربي والإسلامي اليوم وشروط وحيثيات التغيير الديمقراطي التي حدثت في أوروبا مع العبور إلى العصور الحديثة.
يقع هذا الكتاب، إذاً، في قلب النقاش والسجال الفكري والسياسي في العالم العربي والإسلامي اليوم، بخاصة بعد العام 2011، الذي وُصف بأنّه عام الثورات الشعبية العربية، ثم "الثورة المضادة" ضد "الربيع الديمقراطي" العربي، بذريعة الخوف من أجندة الإسلاميين السياسية، وعدم جديتهم في القبول بالديمقراطية على المدى البعيد.
يلج المؤلف إلى قضية مركزية في العالم العربي، تحظى باهتمام ونقاش كبير، ليجيب عليها بمنهجية علمية رصينة عن العلاقة بين الديمقراطية والدين، وفيما إذا كان بالإمكان بالفعل تسوية الخلافات وإيجاد صيغة مقبولة من الطرفين في توزيع الأدوار وبناء علاقة سليمة، هذا من زاوية.
لكن الكتاب لا يكتفي بمناقشة الآراء المتبادلة المختلفة وترجيح أحدها على الآخر، بل يغوص إلى العمق في "التاريخ الأوروبي" ليدرس طبيعة العلاقة بين الأطراف الثلاثة التي تشكل العنوان الرئيس للكتاب؛ الدين والعلمانية والديمقراطية الليبرالية، ليستفيد من قراءة التاريخ والتجارب الأوروبية في الإجابة على السؤال الخاص بالإسلام في الأزمنة العربية الحديثة والمعاصرة.
الفكرة الجوهرية من الكتاب تتمثل في التأكيد على أنّ الوصول إلى الديمقراطية الليبرالية في العالم العربي يمرّ عبر السياسات الدينية، وليس خارجها، سواء الصدام معها أو تجنّبها، فإذا كانت العلمانية شرط ضروري لإقامة النظام الديمقراطي، فإنّ تكريس العلمانية وتجذيرها في المجتمعات لن ينجح إذا اصطدمت بالقناعات الدينية للمجتمع، بل من الضروري أن يتم عبورها من خلال هذه القناعات، أيّ من القاع إلى القمة.
المشكلة تكمن، هنا - كما يجادل المؤلف- في "السمعة السيئة" التي اكتسبتها العلمانية من خلال محاولات فرضها من قمة السلطة على الشعب، أولاً، وثانياً من خلال تبنّيها من قبل الأنظمة التسلطية العربية، فأصبحت العلمانية في التصور الشعبي مرتبطة بالدكتاتورية لا بالديمقراطية، وثالثاً بسبب العلاقة الملتبسة بين العالم العربي والغرب العلماني الليبرالي الديمقراطي، الذي يدعم الأنظمة المستبدة، ويتورط عسكرياً وسياسياً فيما تعتبره الشعوب هيمنة وتسلطاً.
يسير نادر هاشمي في مناقشة الفرضيات وإثبات رؤيته في الكتاب من خلال خطّ منهجي واضح ومتّسق، في نقد الحجج المضادة وإثبات رؤيته. فهو يبدأ من قبوله بأنّ العلمانية شرط للديمقراطية، لكنّه يطرح في المقابل فرضيات أخرى؛ الأولى في كيفية الوصول إلى العلمانية، عبر استحضار التجربة الغربية الأوروبية، وثانياً في مفهوم العلمانية نفسها، وثالثاً في التعرّف على كيفية التعامل مع مجتمعات يشكّل الدين محدّداً مهماً في هويتها ورؤيتها للأمور، كما هي الحال في المجتمعات العربية والمسلمة اليوم.
في رحلته التاريخية والفلسفية والفكرية، يعطي المؤلف اهتماماً خاصاً للخبرة البريطانية – مستعيناً بم كتبه مفكرون غربيون بارزون- في القرن السابع عشر، وتحديداً ما كتبه كلّ من جان لوك في موضوعة العلاقة بين السلطة والكنيسة والتسامح الديني والسياسي، ثم أليكسيس توكفيل في القرن التاسع عشر عن الديمقراطية الأميركية. ويقارن هاشمي تلك التجربة بالتجربة العربية والإسلامية، بخاصة في إيران في عهد الرئيس خاتمي، ليسلط الضوء على التشابه الكبير في النقاشات والسجالات المطروحة - بالرغم من تباعد الحقبتين تاريخياً وجغرافياً- عن شرعية السلطة السياسية ودور الدين ورجاله، والديمقراطية والحريات العامة وغيرها من قضايا مهمة وإشكالية.
وبعدما نتفحّص الجدالات في أوروبا الشبيهة في العالم العربي اليوم عن الدين والسياسة وشرعية السلطة السياسية، لنصل إلى نتيجة مهمة أو مفارقة جوهرية بين الحالتين، تتمثل في أنّ العلمانية والديمقراطية أتيتا في أوروبا بعد الإصلاح الديني، وربما كنتيجة لهذه الحركة، وامتداداً لها. بينما في العالم العربي فإنّ العلمانية أتت قبل الإصلاح الديني، وعبر "قطيعة" مع التاريخ، فأصبح المشهد وكأنّ هنالك مذهباً معيّناً يراد فرضه على الشعوب، التي ما تزال ثقافتها دينية، كما كانت عليه الحال في كل من إيران وتركيا.
يضيف هاشمي إلى النقاشات العميقة السابقة أضواءً جديدة مرتبطة بطبيعة الاختلاف بين التجربة العلمانية الانجلو ساكسونية (بريطانيا والولايات المتحدة الأميركية)، ما اصطُلح على تسميته بالعلمانية الناعمة، والتجربة الفرنسية، ما اصطُلح على تسميته بالعلمانية الصلبة، ويدفع باتجاه تبنّي العلمانية الناعمة، لملاءمتها المجتمعات العربية اليوم أكثر من المجتمعات الغربية، ويدعو إلى الاستفادة من التجربة البريطانية على وجه الخصوص في هذا المجال، وصولاً إلى بناء النموذج العلماني الذي يتناسب مع المجتمعات العربية، لأنّ كل صيغة علمانية من الصيغ المعروفة مرتبطة بالتجارب التاريخية والقومية بدرجة كبيرة.
الإضاءة الأخرى التي يقدّمها لنا المؤلف تتمثّل في إعادة التفكير في طبيعة الحركات الإسلامية (الدينية) وأسباب صعودها وانتشارها في العالم العربي، بخاصة في الجانب السيسيولوجي المرتبط بالاستجابة لتحدي الحداثة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية التي تحدث، وهنا أيضاً يعيدنا هاشمي إلى عصور التحولات الاجتماعية في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية ليؤكّد بأنّ الحركات الدينية (بخاصة البيوريتانية) برزت في خضم تلك التحولات.
ومن الناحية الاجتماعية والاقتصادية، فإنّ التشابه يبدو جلياً أيضاً بين الحركات الدينية الأوروبية في العصور الحديثة والحركات الإسلامية المعاصرة، نتيجة الانفجار السكاني والانفجار التعليمي، مع تضاعف أعداد طلاب الجامعات والخريجين والنقص الكبير في فرص العمل والتوظيف، ما يخلق العديد من المشكلات ويحوّل نسبة كبيرة من الشباب الصاعد، بخاصة من الطبقة الوسطى الدنيا إلى محاولة التعبير عن غضبها في الصورة الهويّاتية الإسلامية ضد الطبقات الأخرى التي تملك فرص الحياة وفرص العمل.
النتيجة التي يمكن أن نخرج بها من ذلك هو خطأ التعامل مع الحركات الإسلامية بوصفها حركات بدائية، وتريد الانتفاضة على الحداثة، والعودة إلى العصور الوسطى، إنما هي حركات اجتماعية تمثل الطبقة الوسطى الدنيا بصورة أساسية، وتعكس مصالحها ومخاوفها، وإقصاء هذه الحركات بمثابة إقصاء وتهميش لتلك الطبقات، لا مجرّد إخراج لحركات دينية من حيّز العملية السياسية.
يقودنا المؤلف من إثبات فرضية أنّ العلمانية لها جذورها وشروطها التاريخية والمجتمعية، وأنّها لم تأتِ صدفة أو قسراً في الغرب، بل هي نتاج تحولات وصراعات، إلى القناعة بأنّ تجذير العلمانية يمر عبر الدين والسياسات الدينية، ثم يمر بضرورة إيجاد صيغة من العلمانية التي تتناسب مع المجتمعات العربية، ويصل إلى أهمية "التأويل" في إعادة تعريف الدين نفسه وعلاقته بالمجال السياسي واستدخال الديمقراطية وقضايا حقوق الإنسان وحق الإنسان في اختيار الحاكم وغيرها من قضايا مهمة وأساسية تساعد على تحريك عجلة العلمانية والديمقراطية عبر البوابة الدينية، بدلاً من أن يكون الدين حاجزاً ضد الديمقراطية والعلمانية.
ينتهي الكاتب في الفصل الأخير إلى "بناء" الصيغة المطلوبة من العلاقة بين الدين والعلمانية والديمقراطية عبر وضع شروط "الحدّ الأدنى" في التوافق بين أطراف اللعبة السياسية، الإسلاميين والعلمانيين على المبادئ التي يمكن الالتزام بها، أولاً من زاوية المعايير المؤسسية الثمانية التي وضعها روبرت داهل، كضمانات مؤسسية للديمقراطية، وثانياً في ترسيم العلاقة بين الديني والسياسي وحدودها، برفض إقحام المعتقدات الدينية في العملية السياسية، وفي الوقت نفسه منح المؤسسات والقوى الدينية حرية العمل في المجال المدني، ووجود ضمانات لاحترام حقوق الإنسان والحريات العامة وحقوق الأقليات.
بعد هذا الاستعراض المخلّ لأفكار الكتاب الرئيسة، دعونا نعود إلى نقطة البداية أيّ القيمة المضافة لهذا الكتاب؛ ودعونا نتجاوز ما تحدثنا عنه سابقاً من أهمية إدماج الإسلاميين في العملية الديمقراطية، وعدم جدوى محاولات اقصائهم من الحياة السياسية، إلى قضية مهمة وأساسية اليوم طرحها الكتاب في صلب العلاقة بين الدين والديمقراطية، وتأتي هذه المرّة على صعيد "إدراك الإسلاميين" للديمقراطية، إذ يطغى عليهم تصوّر أنّ الديمقراطية هي حكم الأغلبية ونتائج صندوق الاقتراع، وفي أحسن الأحوال التزامات بتداول السلطة والتعددية السياسية واحترام الحقوق السياسية والحريات العامة؛ وتلك بالتأكيد متطلبات جوهرية للديمقراطية، لكنّها ليست كل شيء! فما كشفت عنه "تجربة الربيع العربي"، بخاصة في الحالة المصرية، أنّ هنالك قصوراً لدى الإسلاميين في إدراك مفهوم الديمقراطية نفسه بعمق، إذ ما تزال معرفتهم به سطحية وشكلية، بل من الواضح أنّهم يتجنبون الوصول إلى أسئلة أكثر عمقاً ودقّة مرتبطة بإعلانهم القبول بالديمقراطية بوصفها نظاماً نهائياً للحكم، وفي مقدمة هذه "الأسئلة المسكوت" عنها لدى الإسلاميين؛ سؤال الدولة الإسلامية، وتطبيق الشريعة، وحقوق الأقليات، والأفراد، وقضايا مثل: المرأة، وتقديم ضمانات فقهية وفكرية وسياسية صلبة للحريات الشخصية والمدنية والدينية.
في كتاب هاشمي إضاءات على طبيعة النقاشات اللاهوتية والدينية حول قضايا التسامح و"التسامح المزدوج" والشرعية السياسية وحقوق الإنسان. وهذه الموضوعات بالرغم من وجود إجابات لدى بعض قادة التيارات الإسلامية عليها (مثلما هي الحال في خطابات راشد الغنوشي (التي أشار إليها المؤلف في الطبعة الحالية) وكتابه المعروف "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، أو حتى المفكّر الإسلامي الأردني، د.رحيل غرايبة "الجنسية في الشريعة الإسلامية" ومساهمات الدكتور سعد الدين العثماني الفكرية والفقهية)؛ إلاّ أنّ الثقافة السائدة لدى أبناء الحركات الإسلامية وفي روافد الخطاب الديني العام ما تزال مرتبكة في التعامل مع هذه القضايا، وما تزال غير محسومة ثقافياً وفقهياً بصورة عميقة.
أحد الأسباب الجوهرية لـ"عدم الحسم" الكامل في موقف الإسلاميين يتمثّل في الالتباس بين المجالين المدني والسياسي، أو الدعوي والسياسي، فهنالك خلط بين شؤون الدعوة والدولة والحكم لديهم ناجم عن الشعارات المرفوعة من دون التدقيق في الفروق المهمة بين الظاهرة الدينية والظاهرة السياسية، ومن دون تدقيق كافٍ في مفاهيم الفكر السياسي الإسلامي، أو بين الوجداني والروحي من جهة والسياسي من جهةٍ أخرى!
فإذا استطاع الإسلاميون التمييز بين هذين الجانبين (الدعوي والسياسي) سيقطعون مسافة كبيرة نحو "تجذير" الديمقراطية في فكرهم السياسي، ما سينعكس على رؤيتهم للدين وتأويله.
جوهر فكرة المدني والسياسي، أن يلتزم الإسلاميون في اللعبة السياسية- الديمقراطية بعدم السعي إلى فرض "الأسلمة القسرية" على المجتمع، وإقحام الدين في الحكم، مع الاحتفاظ بحقهم في العمل داخل مؤسسات المجتمع المدني، وإقامة مؤسساتهم التعليمية والخدماتية والدعوية، وممارسة أنشطتهم الاختيارية والتطوعية ضمن هذا "الحيز العام"، من دون إجبارهم الآخرين، علمانيين ومسيحيين وغيرهم، على الالتزام بما يؤمن به الإسلاميون، أي أن تصبح قضايا الدعوة الإسلامية ضمن مهمات المجتمع المدني ومؤسساته بدلاً من السلطة السياسية التي من المفترض أن تقترب قدر الإمكان إلى خط "الحياد الديني" في العملية الديمقراطية، مع وجود تفاهمات مجتمعية وسياسية على قواعد عامة في احترام الدين وقيمه، بخاصة التي تحظى بإيمان اجتماعي واسع.
مثل هذا التطوّر والتمييز مهم في (أولاً) تبديد مخاوف الآخرين من هاجس "الأسلمة"، وفقدانهم لحرياتهم الدينية والشخصية، في حال سيطر الإسلاميون على الحكم، و(ثانياً) وهو الأهم في نمو
نموذج جديد في بناء "الديمقراطية الإسلامية" عبر علاقة معرّفة بين الدين والديمقراطية والعلمانية، وإعادة ترسيم دور الدين في المجال العام، ونزع استخدام "الفزّاعة الإسلامية" للتخويف من "الدولة الدينية" في حال وصل الإسلاميون إلى الحكم عبر صناديق الاقتراع.
على العموم، أنصح القرّاء العرب والمسلمين، مثقفين ومفكرين وناشطين، بالإطلاع على ما يقدّمه هذا الكتاب من تفكير وقضايا ونقاش يمسّ مباشرة القضية المشكلة السياسية العظمية (على حد تعبير توكفيل) وهي العلاقة بين الدين والديمقراطية.