قراءة في كتاب "الصراع على السلفية: قراءة في الأيديولوجيات والخلافات وخارطة الانتشار"

محمد أبو رمان

كتاب جديد يسبر "التضاريس السلفية" في دول المشرق العربي

       "الصراع على السلفية: قراءة في الأيديولوجيات والخلافات وخارطة الانتشار"

 

     عمّان-

     يوضّح الزميل د. محمد أبو رمان، الباحث في مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، أنّ أحد دوافع تأليف كتابه الجديد "الصراع على السلفية: قراءة في الأيديولوجيا والخلافات وخارطة الانتشار" (الصادر عن الشبكة العربية للإبحاث والنشر بالتعاون مركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية) يتمثّل في التسطيح والاختزال الذي يحكم رؤية طيف واسع من وسائل الإعلام والمثقفين والكتّاب والرأي العام للحالة السلفية.

      وتبدو المفارقة - التي يلتقطها مؤلف- في البداية أنّ تعامل تيار عربي عريض مع الحالة السلفية ما يزال يقوم على استغرابها وكأنّها جديدة أو محدودة أو عابرة، لكنّها في الواقع أصبحت متجذّرة ممتدة، وتهيمن في بعض المجتمعات العربية على المناخ الثقافي والديني والفكري، فيما تتوسع في المجتمعات الأخرى ويزداد انتشارها وحضورها على أكثر من صعيد.

     يخصص أبو رمان كتابه الجديد، في مجال خبرته العلمية، لمهمّة رئيسة تتمثّل في تقديم قراءة تحليلية للاتجاهات السلفية في دول المشرق العربي، وأبرز القضايا المتعلقة برؤية السلفيين الأيديولوجية وتطورها وتأثيرها في المجتمعات العربية، مثل قضايا الديمقراطية والهوية والربيع العربي، ويتناول في بحثه السلفية في دول المشرق كافّة.

     يبدأ الباحث الفصل التمهيدي بالعودة، أولاً، إلى جذور الاتجاه السلفي الفكرية والعقائدية والتاريخية، ومعالم تطوره والمراحل التي انتقل عبرها حتى وصل إلى الحالة الحديثة، ثم المعاصرة، فالراهنة. ويشير في هذا السياق إلى تشكّل الأفكار السلفية منذ أحمد بن حنبل وابن تيمية، وصولاً إلى محمد بن عبد الوهاب، فالنسخة السلفية الإصلاحية في نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، التي لم تستمر، لتطغى النسخة السلفية التقليدية الإحيائية، قبل أن تبدأ اتجاهات سلفية أخرى بالظهور، انطلاقاً من المشهد السعودي، بداية بالسلفية الحركية، وصولاً إلى الجهادية، وإن كان الكتاب يتجاوز الجهاديين، ليركّز على التيارات السلفية السلمية المتعددة.

    ثم يشير المؤلف إلى الاتجاهات السلفية الأربعة الرئيسة في أغلب الدول العربية، معيّناً شيوخ وأفكار ومناطق انتشار كل اتجاه منها، وهي السلفية التقليدية، التي تستنكف عن العمل السياسي والحزبي وتركز على العمل الدعوي والتربوي، والسلفية الجامية التي تتجاوز التقليدية إلى محاربة العمل السياسي والحزبي والخصومة مع التيارات الإسلامية الأخرى، ثم السلفية الحركية المتأثرة بمفكري الإخوان، وهي بدورها تنقسم إلى أكثر من اتجاه، ثم السلفية الجهادية المعروفة.

    في الفصل الأول من الكتاب "معقل السلفية" في الجزيرة العربية يتحدث المؤلف عن دول الخليج العربي واليمن، التي تمثّل معقل السلفية الحديثة والمعاصرة، بخاصة المملكة العربية السعودية، التي تتبنى فيها المؤسسات الدينية الرسمية، عملياً، الدعوة السلفية، منذ تأسيس الدولة التي قامت على التزاوج بين حكم آل سعود والوهابيين، وتقاسم الأدوار السياسية والدينية.

    يغوض الباحث إلى المراحل التي تطورت فيها علاقة الدولة بالسلفية في السعودية، والتحول في أدوار المؤسسات الدينية ورجال الدين، بداية من "الإخوان"، ثم محمد بن إبراهيم أحد أبرز أعمدة المؤسسة الدينية الرسمية، إلى أن برز دور كلّ من ابن باز وابن عثيمين منذ السبعينيات إلى التسعينيات، وتطور المؤسسة الدينية التقليدية، وتأثير حركة جهيمان 1979 كنقطة تحول في مسارها.

   ويتناول الفصل بروز السلفية الحركية في السعودية وتأثرها بقيادات الإخوان المصريين والسوريين هناك، وما يسمى بحركة الصحوة التي ظهرت في الثمانينيات وصعد نجمها في بداية التسعينيات.

    يتناول الكتاب، أيضاً، الحالة السلفية في كل من الإمارات والبحرين وعمان وقطر والكويت، كل على حدا، ثم اليمن والاتجاهات السلفية هناك، الممتدة بين التقليدية والحركية، قبل أحداث الربيع العربي وصولاً إلى الوضع الحالي في الصراع مع الحوثيين.

    في الفصل الثاني من الكتاب يضع الباحث معالم قراءة لتطور الحالة السلفية في كل من العراق وسورية ولبنان والأردن وفلسطين، يبدأ المؤلف بالسلفية في سورية، التي ظهرت بقوة في النصف الأول من القرن العشرين، وبرز عدد من العلماء والمفكرين، ودخلت في رحم الحياة العامة عبر خطاب أقرب إلى الجانب الإصلاحي والوطني، مثل محمد جمال الدين القاسمي ومحب الدين الخطيب ومحمد رشيد رضا، قبل أن تبدأ بالتراجع والانحسار لصالح صعود السلفية الإحيائية، عبر محمد ناصر الدين الألباني، ثم تراجع دور الأخيرة مع الأحداث التي شهدتها سورية في السبعينيات والثمانينيات.

    يشير الباحث إلى ظاهرة أو مفارقة طريفة تتمثل في أنّه في الوقت الذي كانت السلفية محاصرة في سورية ومغيّبة عن المشهد العام، كان شيوخ سلفيون سوريون يدشنون الاتجاهات الأيديولوجية الكبرى في السلفية في العالم العربي، مثلما هي حال الألباني، الذي أصبح أحد أبرز شيوخ السلفية التقليدية في العالم، ومحمد بن سرور أحد أبرز رموز السلفية الحركية عالمياً، وأبو بصير وأبو مصعب السوري يمثلون أبرز دعاة السلفية الجهادية عالمياً.

   مع الثورة السورية تغيرت الأحوال وظهرت السلفية بوصفها السمة الرئيسة لأغلب الفصائل المسلحة، حركياً وجهادياً وتقليدياً، إذ يقدم الباحث خارطة بأسماء وتوجهات هذه الفصائل السلفية، ثم يختم الفصل بطرح التساؤل فيما إذا كانت هذه الصيغ السلفية الإحيائية ستسود أم أنّ هنالك فرصة لاستعادة السلفية الشامية الإصلاحية؟

    فيما يتعلق بالعراق يتتبع الباحث تطور السلفية العراقية وأبرز علمائها واتجاهاتها، والمنعرجات التاريخية التي مرّت بها، والانقسامات التي حدثت بعد تعرّض شيوخ الدعوة إلى السجن في العام 1981، ثم الازدهار في الحركة السلفية والانتشار في حقبة الثمانينات والتسعينيات، وتأثر السلفية العراقية بالسلفية الأردنية في منتصف التسعينيات.

    يستعرض الباحث انقسام السلفية العراقية بعد الاحتلال الأميركي إلى اتجاهات عدة: الأول رافض لمقاومة الاحتلال من حيث المبدأ، والثاني رافض لعدم تكافؤ الفرص، والثالث يرى أولوية قتال القوى الشيعية، والأخير يقول بمقاومة الاحتلال الأميركي، وفي كل اتجاه أفكار متشعبة وأسماء لدعاة سلفيين عراقيين.

    يعرّج الباحث، بعد ذلك، على الحالة اللبنانية، إذ يتناول التطور التاريخي والخارطة الأيديولوجية للتيارات السلفية في لبنان، والحالة الداخلية لها التي تتسم بالتشرذم والانقسام والمشيخية (أي اتباع الشيوخ)، وظاهرة السيولة والانسياب بين أتباع الاتجاهات السلفية، فهي ليست منظمة بصورة كبيرة، بالرغم من وجود عشرات الجمعيات التي تدار عبر السلفيين هناك.

     أما في الأردن فيتتبع المؤلف تأسيس السلفية في الأردن في العقد الثامن من القرن العشرين، على يد الألباني، وبروز السلفية التقليدية، ثم السلفية الحركية في بداية عقد التسعينيات التي تأثرت بشيوخ الصحوة في السعودية، ثم ظهور السلفية الجهادية وتشكّلها أيديولوجيا وحركياً عبر كل من أبي محمد المقدسي وأبي مصعب الزرقاوي.

    يتناول في الكتاب أبرز الاتجاهات السلفية الأردنية، والخلافات بينهم، ثم تأثير موجة الربيع العربي وردود فعل الاتجاهات السلفية عليها.

    في فلسطين يتتبع الكاتب أبرز شيوخ السلفية الفلسطينية وتأثرها الملموس بالسلفية الأردنية، وهيمنة الاتجاه التقليدي- المحافظ عليها، وابرز الجمعيات العاملة في هذا المجال.

    في الفصل الثالث يتناول أبو رمان السلفية المصرية، بصورة مفصّلة وتأثير الثورة المصرية على التحولات والتطورات التي تعرضت لها هذه التيارات لاحقاً، إذ يشير إلى أبرز الاتجاهات قبل الثورة، مثل الدعوة السلفية في الاسكندرية، وسلفية القاهرة الحركية، والجمعيات السلفية التاريخية، والدعاة السلفيين المعروفين، والسلفية الجامية، ثم ردود فعل السلفيين وتفاعلهم مع الثورة المصرية، ولاحقاً التحول في مواقف التيارات السلفية بعد الثورة، التي شهدت تأسيس أحزاب سلفية للمرة الأولى في العالم العربي، وانتقالهم إلى المشهد السياسي، ومشاركتهم في الانتخابات البرلمانية والنقاشات والسجالات الداخلية التي صاحبت ذلك.

   يطرح المؤلف في معرض تناوله للسلفية المصرية قضية مهمة تتمثل في التحول الذي حدث حينها من انتقال مركز التأثير والقوة في العالم العربي من الاتجاه السلفي السعودي إلى المصري، بعد الثورة المصرية، وتأثير التحولات التي شهدتها السلفية المصرية على السلفيات العربية، وما أثارته من سجالات حول تأسيس الأحزاب والمشاركة في العمل السياسي واللعبة الديمقراطية، وهي الأفكار التي كانت ترفضها سابقاً التيارات السلفية المصرية.

   في الفصل الرابع ينتقل المؤلف من التضاريس الجغرافية والتاريخية والأيديولوجية إلى قضايا مهمة وأساسية فيما يتعلق بالسلفيين، وأبرزها قضايا الديمقراطية والعلمنة، إذ يناقش رؤية السلفيين للديمقراطية بوصفها مرحلة انتقالية أو بفصل المضمون العملي عن الفلسفي، أو القول بالديمقراطية المقيدة بالضوابط الشرعية، ثم ما يمكن أن ينتج عن المزاوجة بين الدين والديمقراطية من أشكال لنظام الحكم، ويطرح نموذج الديمقراطية الدينية، كما هي الحال الإيرانية، والعلمانية المحافظة كما هي الحال التركية.

   ثم يفكك الباحث، لاحقاً، المقولات السلفية فيما يخص الديمقراطية ويقترح نموذجاً مختلفاً لمقاربة الدين والديمقراطية، يقوم على الفصل بين الدعوي والمدني من جهة والسياسي من جهة ثانية، كي يخرج السلفيون من إشكاليات ومعضلات معقدة في ترسيم رؤيتهم السياسية وموقفهم من الديمقراطية ومحددات مشاركتهم السياسية.

    في الفصل الخامس يطرح الكاتب موضوع الهويات السلفية، فيبدأ بمقاربات سيسيولوجيا الهوية، وما يمكن أن تقدمه من نتائج حول سمات الهوية السلفية مجتمعياً، ثم يعبر إلى سؤال فيما إذا كنا أمام هوية سلفية موحدة أم هويات سلفية متباينة بالخصائص والسمات تبعاً للاختلافات الأيديولوجية، ويصل إلى ترسيم معالم "أزمة الهوية السلفية" في الموقف من الذات والآخر ورؤية المجتمع والكون وخطوط التواصل والانقطاع، وصولاً في الجزء الأخير إلى طرح القضية الأساسية فيما إذا كانت الهوية السلفية مشدودة إلى الماضي أم الحاضر أو المستقبل!