أنا سلفي

16 أغسطس 2016

   1-  العلم في الحالة السلفية يُترجم إلى "سلطة المعرفة"، ويكون محلّاً للتنافس في التيار بين الأقران والتلاميذ، من يحصّل قدراً أكبر من المعرفة العلمية الدينية، هو من يرتقي في سلّم التيار. والعلم الشرعي، كذلك، "سلطة موازية" للسلطة السياسية والاجتماعية والمالية. فكما أنّ المسؤول لديه سلطة سياسية والغني له سلطة مالية، وشيخ العشيرة له سلطة اجتماعية؛ فإنّ السلفي يمتلك سلطة علمية بديلة، وربما يفسّر ذلك أنّ أغلب السلفيين في البداية هم من ذوي أصول فلسطينية، من الطبقة محدودة الدخل، في المناطق الشعبية، فبعض أبناء هذه الشريحة سيجدون في "سلطة العلم" تعويضاً عن شعورهم بالحرمان من السلطات الأخرى غير المتاحة، ولا القريبة من التحقق!

  

***

   2- التجربة الفكرية والروحية في أروقة السلفية- التقليدية تمتاز كذلك بالبساطة والوضوح، وربما بعبارات أخرى بـ "الضحالة"! ففي النماذج التي التقينا بها، لم تكن لديها خلفيات فكرية وسياسية وثقافية سابقة متينة، فأغلبها إما تعرّف على السلفية مبكّراً، أو بعد تجربة محدودة مع تيارات إسلامية، لكنّنا لم نقرأ عن تجربة يساري أو ليبرالي أو مناضل أو مثقف تحول نحو السلفية التقليدية، فلم تكن هنالك تضاريس متعددة في التجارب السابقة، بل على النقيض من ذلك نجد أنّنا أمام هويات محسومة، واضحة، غير متوترة بين تجارب مختلفة ومتباينة، ولا نجد هنالك طموحات سياسية أو شخصية استثنائية، فأغلب هذه التجارب تذهب في سقف طموحها نحو الارتقاء داخل التيار إلى مرتبة العلماء أو التطوّر الذاتي، علمياً وروحياً.

    غلبة الاعتبارات الظاهرية أو الصورية، على حد تعبير أهل المنطق، تتبدّى كذلك في السلوك السلفي، والممارسة اليومية، فالاهتمام الأكبر هو بالالتزام بالمظهر، في اللباس والهيئة (إطلاق اللحية، لبس الثوب، التحدث باللغة العربية (حتى بدون إتقان في كثير من الحالات)، التقليد والمحاكاة من قبل التلاميذ للشيوخ، سواء في حركات الأجساد أو العبارات والعادات). بيد أنّ هذا الاهتمام الكبير بالصورة والظاهر لا يوازيه في الخطاب السلفي اهتمام مماثل بالمعنى والباطن، والدلالات الحقيقية للتجربة الدينية والروحية!

   ***

  3- التفسير الإسلامي للمحنة المعاصرة خاطب الوجدان الديني للمجتمعات؛ فالسبب هو "البعد عن الله"، وكانت السلفية هي أحد الروافد الرئيسة للجواب الديني، ولأنّ السلفية ليست لوناً واحداً، فاقتسمت التيارات السلفية "الكعكة المجتمعية"؛ فأخذت السلفية التقليدية الشريحة الاجتماعية المسالمة، أو تلك التي تهرب من إكراهات الواقع السياسي والاجتماعي، وأخذت السلفية الجهادية الشباب الثوري الراديكالي الأكثر تأثّراً بهذه الضغوط، فيما حاولت السلفية الحركية البحث عن الطريق الثالث بين هذين الخيارين!

     لكنّ السؤال المطروح على صعيد الجواب السلفي نفسه؛ لماذا تراجعت وتلاشت الرؤية السلفية الإصلاحية المنفتحة، التي برزت مع بدايات القرن العشرين، وهي الأكثر تفاعلاً وانفتاحاً مع أسئلة الحداثة والمشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية المعاصرة، كما تبدّى مع رشيد رضا، والسلفية المغاربية الوطنية والسلفية الشامية في مقابل الصيغة الراهنة من السلفية المعاصرة، التي تقدّم رؤية أقل انفتاحاً وتفاعلاً مع المشكلات الواقعية الحالية؟

    ***

 4-   تمثّل السلفية جواباً لسؤال البحث عن الهوية والذات للأجيال العربية في ظل ظروف طارئة، لكن هذه الحالة ليست آنية أو مؤقتة، فهي ما تزال فاعلة ومؤثّرة، بل ربما تمتد ظلالها عبر عقود من الزمن، وتأخذ مدى واسعاً، وهو ما لاحظناه بوضوح في أحد النماذج وُلد وعيه السياسي على النكسة واللجوء والهزيمة، أو نموذج آخر وُلد وعيه السياسي على حرب الخليج 1991، والشعور بالخديعة من قبل خطاب الإخوان المسلمين، الذي أوهمه بالنصر، فأخذ يبحث في داخل هذا الخطاب نفسه عن الطريق الصحيح، وعن مصدر تلك الخديعة والخلل الكامن في الخطاب نفسه!

      السلفية بمثابة ردّ فعل على "مرحلة صعبة" تمر بها مجتمعات أو أفراد معينون، وتمثّل في المحصلة "تصدّعاً في التوازن بين مكونات متباينة"، أيّاً كانت هذه الظروف؛ سواء كانت سياسية أم اقتصادية أم نفسية أم مجتمعية أم عسكرية..

      لا يعني ذلك، بالضرورة، الحكم على السلفية – إجمالاً- بأنّها ردّ فعل سلبي أو تفاعل خاطئ مع الظروف والتحديات والمخاطر التي تواجه المجتمعات والأفراد في العالم العربي؛ إذ نحن نتحدث عن أجوبة سلفية متعددة، وصيغ مختلفة من التفاعل، ودرجات متفاوتة، وعملية تحول في داخل التيارات نفسها، فليست الجماعات والمجموعات والأفراد كتلاً صمّاء جامدة متشابهة تماماً في حالتها وسماتها، إنّما ما نريد التوصّل إليه، من خلال هذا المنظور السيسيولوجي، بألا نفصل بين السلفية والشروط الواقعية المحيطة بها، صعوداً وهبوطاً، ولا بينها وبين الأزمة التاريخية الراهنة التي نمت بها!

***

5- ردّ فعل السلفي في تعريفه للهوية الدينية لا يقوم على محاولة تطوير هذه الهوية لتكون قادرة ومؤهلة لمواجهة "الواقع"، بل هو في صميمه "إدانة الواقع"؛ وهنا تبدو معضلة الهوية السلفية، عموماً، إذ هي تفترض – ابتداءً- الصراع والتضارب، مع إدراكها على أنّ تغيير الواقع والخروج من استحقاقات العصر بمثابة مهمة في غاية الصعوبة، وتتطلب أن نعيد صوغ وإنتاج كل ما حولنا، لا العكس. وطالما أنّ هذه المهمة ليست في متناول اليدّ، وبعيدة التحقّق، فإنّ خيار السلفي إمّا أن يكون الوصول إلى أكبر قدر من التكيّف والانفتاح، ضمن هذه الحدود الهويّاتية، وإمّا الانغلاق على الذات والجماعة التي ينتمي إليها، أو القيام بمغامرة جارفة بمحاولة تغيير هذا الواقع المحيط بالقوة!

      في نهاية اليوم يقع السلفي في حالة من التشتت والانفصام بين "الهوية المتخيلة"، التي ينتمي إليها فكرياً، ويحاول عبرها التحايل على "غربته الاجتماعية" عبر العلاقة مع جماعته أو المجموعة التي ينتمي إليها، ويحدّد سلوكه ومواقفه على أساس هذا التصوّر، كما يمكن أن نفسّر ذلك عبر المقاربة التفاعلية الاجتماعية، وبين الهوية الواقعية التي تضع الرؤية السلفية في مواجهة مع المجتمع والواقع واستحقاقات العصر!