السلفيون والربيع العربي: سؤال الدين والديمقراطية في السياسة العربية

28 أغسطس 2016

المهمة الرئيسة لهذا الكتاب تتمثل بشقين اثنين؛ الأول: دراسة تأثير الثورات الديمقراطية العربية على الحركات السلفية، أيديولوجياً وسياسياً، والثاني: تأثير الدور السياسي المتوقع للحركات السلفية على اللعبة السياسية، بعدما أظهرت الانتخابات البرلمانية في مصر حجم القوة السياسية لهذه التيارات، ومدى تغلغلها في الشارع.

     القيام بهذه "المهمة المعرفية" يتطلب بدوره ترسيم طريق منهجية؛ تبدأ بوضع خارطة للاتجاهات الأيديولوجية للحركات والجماعات السلفية، وتعريف "من هم السلفيون؟"، وما هي القواسم المشتركة بينهم وأوجه الاختلاف، والمعالم الرئيسة للأيديولوجيات السلفية، دينياً وسياسياً..

     مما يملي علينا البدء بذلك الفصل التمهيدي؛ الذي يعرّف بالسلفيين عموماً بوصفهم ليسوا تنظيمات هيراركية أو أحزاباً سياسية، أو مؤسسات مدنية فقط، فنحن أمام حالة متشعبة ما بين مؤسسات وشيوخ وتلاميذ وأحزاب حديثة التشكل، وجماعات متباينة، وفي بعض الأحيان متضاربة في مواقفها السياسية وعلاقاتها بالحكومات والحكام، مما يجعل من محاولة تحديد الاتجاهات الفكرية والسياسية العامة للسلفيين، ابتداءً، أمراً مهماً لتحديد طبيعة الاختلافات والتفاعلات الداخلية أولاً ومع التطورات السياسية ثانياً.

     ننتقل بعد ذلك من العام إلى الخاص- أي تناول الحالة المصرية، لتأطير المشهد السلفي، قبل الثورة، والسلوك السلفي خلال الثورة، ومن ثم التحول المهم بعد الثورة نحو تأسيس أحزاب سياسية (حزب النور، الأصالة، البناء والتنمية،..)، والمشاركة في الانتخابات البرلمانية.

    ثمة أسئلة رئيسة نحاول الإجابة عليها في هذه الفصول؛ فيما إذا كان التحول السلفي- نحو العمل الحزبي والمشاركة السياسية يعكس تطوراً استراتيجياً أم تكتيكياً في الخطاب السلفي؟ وما هو المدى الذي يمكن أن يصل إليه هذا التحول مستقبلاً؟ وما هي الآثار المتوقعة لذلك على النظام السياسي المصري الجديد؟

      وسنحاول الاقتراب أكثر والإنصات إلى طبيعة المناظرات والجدالات داخل الجماعات السلفية نفسها حول التحول تجاه العمل السياسي والحزبي، وما هي الحجج المتبادلة لمن دخلوا التجربة الحزبية وخصومهم السياسيين، وكيف تؤثر هذه المناظرات على تطور الخطاب السلفي، ودرجته وسرعته، ومعرفة فيما إذا كانت تعيق ذلك أم لا؟

     بعد رصد المشهد السلفي غداة الثورة المصرية، سنعود مرّة أخرى من الخاص إلى العام، أي لدراسة مدى تأثير الثورات الديمقراطية العربية على الحركات السلفية عموماً (أولاً)، والتداعيات التي تلقيها التجربة السلفية المصرية على السلفيين خارج مصر (ثانياً)، من خلال ثلاثة زوايا:

   الزاوية الأولى؛ "ردود الفعل الفكرية" السلفية، عموماً، على الثورات الديمقراطية العربية، وطبيعة تجاوب الاتجاهات الأيديولوجية- السلفية عموماً معها.

   الزاوية الثانية؛ حالة اليمن، وقد حدثت فيها ثورة وأنجزت رحيل الرئيس السابق، لمقارنة اتجاهات السلفيين هناك مقارنة بمصر، ومدى تأثير التجربة المصرية على السلفيين اليمنيين.

    الزاوية الثالثة؛ المثال الأردني، إذ لم يشهد ثورة شبيهة بمصر واليمن وتونس، وفيه نظام ملكي مختلف في علاقته التاريخية مع الإسلاميين عن الأنظمة الجمهورية عموماً، في محاولة لرصد فيما إذا كان هنالك تفاعل سلفي مع الثورات الديمقراطية، أو تأثر بما حدث في مصر من دخول في التجربة الحزبية.

    بعد ذلك سنعمل على معاينة المؤشرات الحالية للتطورات السلفية، والاحتمالات المستقبلية، سواء إمكانيات التطور الأيديولوجي السلفي (الفرص والعوائق) أو تأثير السلفيين على العملية السياسية في العالم العربي.

    لتحقيق ذلك سنطرح سؤالاً أساسياً؛ فيما إذا كان السلفيون يسيرون على خطى جماعة الإخوان المسلمين، فينتقلون من التحفظ والتشكيك بالديمقراطية والقول بالديمقراطية المقيدة والانتقالية إلى القبول النهائي بالديمقراطية بوصفها نظاماً للحكم، ما يعني عملياً تغيراً بنيوياً على مفهوم الدولة أم أنّ التجربة السياسية السلفية ستكون مختلفة، وتطورهم الأيديولوجي سيأخذ مساراً آخر؟

     في الفصل الأخير من الدراسة سنعبر إلى "السؤال النظري"؛ لمناقشة إشكالية العلاقة بين الدين والديمقراطية، والصيغ والسيناريوهات الممكنة لها، في ضوء التجارب الغربية والعربية، وإسقاط ذلك على ما يطرحه السلفيون من خطاب أيديولوجي حالياً، أو ما يمكن أن يصل إليه خطابهم في المراحل القادمة من تطور، لقياس "المسافة المفترضة" بين النموذج المعياري لنجاح علاقة التزاوج بين الديمقراطية بالدين، والنموذج الذي يتبناه السلفيون حالياً.

    يعتمد الكتاب بدرجة رئيسة على تحليل الخطاب السلفي نفسه، من خلال تفكيك اتجاهاته وحججه ومرجعياته تجاه العمل السياسي والديمقراطية، مع عدم الاقتصار على الجانب الفكري، بل إضافة الجانبين المؤسسي (الجماعات، الأحزاب، الشيوخ، الجمعيات ومؤسسات المجتمع المدني) والحركي- الانتشار والنشاط الواقعي للسلفيين.

    بالإضافة إلى الأدبيات والكتب السلفية نفسها؛ فإنّ الكتاب يعود إلى مئات التسجيلات السمعية والمصورة على شبكة الانترنت لشيوخ ودعاة من السلفيين، سواء ما كان دروساً أو محاضرات أو حتى مهرجانات وحوارات وتصريحات، لما يوفره هذا الفضاء من مصدر حيوي ومهم في دراسة التيارات السلفية، التي تعتمد بدرجة رئيسة على المحاضرات والخطب والدروس بوصفها أداة تثقيف وتعبئة ودعاية لخطابها الديني والسياسي.