الصراع على السلفية

16 أغسطس 2016

    ربما يذكّرنا هذا "المدّ السلفي" بعبارة طريفة لأحد شيوخ السلفية في مصر، وهو أبو إسحاق الحويني، عندما استهجن استغراب الإعلاميين والنخب المثقفة في مصر من هذا الحضور السلفي، بعد ثورة 25 يناير 2011، إذ قال "يسألوننا أين كنتم من قبل؟! جوابنا لهم أنكم كنتم في زحل، ولم تكونوا ترون الناس في الأسفل"!

      ليس الأمر بحاجة إلى كبير عناء لإثباته! فلم يكن قد مضى على تأسيس حزب النور السلفي سوى بضعة أشهر، حتى خاض السلفيون معركة الانتخابات التشريعية المصرية، وكسروا حزباً عريقاً، مثل حزب الوفد، كان أحد أكبر الأحزاب المصرية وأقدمها، أو عندما ننظر إلى المشهد العربي اليوم لنرى السلفيين هم الأكثر فعالية في الثورة السورية أو حتى في دول عربية أخرى. فالسلفية ثقافة قوية في العالم العربي تمتد إلى الاتجاهات الأخرى، حتى أنّ باحثاً متخصصاً في الحركات الإسلامية في مصر، وهو حسام تمّام ألّف كتاباً عن "تسلّف الإخوان"، أي انتشار الأفكار السلفية في داخل جماعة إسلامية عريقة ممتدة، مثل جماعة الإخوان المسلمين. وما علينا ملاحظته هنا أنّ الانتشار ليس للسلفيين بوصفهم جماعات أو مجموعات أو اتجاهات تتخذ العباءة السلفية عنواناً لها، بل الأهم من ذلك هو انتشار الأفكار والتصورات والثقافة السلفية في المجتمعات العربية والمسلمة اليوم!

     السلفية ليست أمراً مستحدثاً، ولا غزواً دينياً لمجتمعاتنا وثقافتنا العربية، فهي تيار عريض له تراثه الفقهي والفكري والدعوي، ومعه ترسانة من الكتب والفتاوى والتنظير الديني غير المنقطع، عبر القرون والعصور الإسلامية. وهي ليست فقط اتجاهاً فكرياً- فقهياً، وقبل ذلك عقائدياً، حقّق انتصاراً كبيراً على الاتجاهات الإسلامية الأخرى، وانتشر في أرجاء العالم العربي؛ فزيادة على ذلك السلفية تمثِّل حالة معاصرة لها حضورها الملحوظ في مختلف مناحي الحياة العربية!

   لكن، وبالرغم من هذا الانتشار الواسع للاتجاهات والتيارات السلفية، فما تزال هنالك أزمة أو مشكلة حقيقية في مدى إدراك النخب السياسية والمثقفة العربية لكنه الحالة السلفية وتشعبّاتها واتجاهاتها المختلفة. فنجد أنّنا أمام رؤية فيها قدر كبير من الاختزال والتسطيح والتعميم، ما يستدعي مناقشة عملية أكثر موضوعية ومنهجية لهذه الاتجاهات وخارطة اختلافاتها الأيديولوجية والحركية وانتشارها الجغرافي.

   مهمّة هذا الكتاب لا تقتصر على تقديم "مدخل" إلى الاتجاهات السلفية المعاصرة، على الصعيد الأيديولوجي والحركي والجغرافي فقط، وإنّما تقديم إطار عام لرؤية هذه الاتجاهات والخلافات والاختلافات فيما بينها حول عدد بارز من القضايا الأساسية، بخاصة ذات الطابع السياسي، مثل الموقف من العمل السياسي والديمقراطية والحكومات العربية المعاصرة والعمل المسلّح ومن قضايا اجتماعية مختلفة.

    ثمّ يعطي الكتاب أهمية خاصة لسؤال الهوية لدى السلفيين، فالسلفية في جذرها التاريخي تعود إلى من أُطلق عليهم "أهل الحديث"، الذين اعتبروا أنفسهم سدنة الهوية السنيّة الإسلامية الصافية، الذين يدافعون عنها وينقحونها من الأمور الدخيلة، وهي "المهمة" السلفية التي استمرت مع مختلف الاتجاهات السلفية المتضاربة إلى اليوم، فتجد قضية الهوية تأخذ أبعاداً مهمة لدى السلفيين، أو حرّاس الهوية السنية الإسلامية، كما يرون أنفسهم.

   إلاّ أنّ أغلب فصول هذا الكتاب كُتبت، كأبحاث ودراسات متنوعة، جاءت في المرحلة الأولى للربيع العربي، عندما برزت التحولات السلمية على المشهد السياسي، وطغت على أفكار وتصورات مختلف الحركات السياسية، والإسلامية منها، وقد أدّت إلى "صدمة" عنيفة في أوساط التيار السلفي العربي، بصورة خاصة، وخضّت الفرضيات التي حكمت هذا التيار في الموقف من الديمقراطية والتعددية السياسية والتغيير السلمي، ودفعت بشيوخ التيارات السلفية إلى عقد مؤتمر غير مسبوق، في اسطنبول بتركيا في نهاية العام 2011، تدارسوا فيه التأثيرات والتغييرات الجارية، وموقف السلفيين منها، وتحديداً الموقف من خوض غمار التجربة الديمقراطية والحزبية، وكانت سابقاً هذه المساحة من القضايا المستبعدة، من التجربة السلفية، بالرغم من انخراط سلفيّ الكويت والبحرين والسودان في تجارب برلمانية، إلاّ أنّ التجربة الحزبية تحديداً لم تكن من الأمور "المستساغة" لدى شيوخ التيار السلفي عموماً.

     بيد أنّ الفرحة لم تدم طويلاً، وانعكست نتائج "لحظة الربيع العربي" بصورة سلبية تماماً، لأسباب متعددة ليست مدار البحث هنا، منها استعصاء الحالة السورية وانكسار الموجة الأولى، وعسكرة الثورات الشعبية، في كل من سورية واليمن وليبا، وكذلك الأمر بروز أجندة المعسكر العربي المحافظ في احتواء الربيع العربي، ودعم الثورة المضادة، خشية من نتائج التغيير، ما خلق صراعات عديدة وأجّج نزاعات في أغلب الدول العربية، ودفع بشريحة معتبرة من السلفيين، الذين كانوا يممون وجوههم شطر الديمقراطية، إلى الشكّ وإعادة النظر في مواقفهم، والتوقف عن المراجعات، بل وعزّزت من حضور السلفية الجهادية، في كثير من الدول العربية، التي كانت تعيش أزمة حقيقية في بداية الربيع العربي، وتمرّ بحالة شك في أطروحاتها في التغيير، التي كانت تقوم على العمل المسلّح وفشل العمل السلمي، لتنقلب الصورة تماماً، فتبدأ الحركات السلفية السلمية تتشكك بإمكانية التغيير الديمقراطية، وتعزز الحركات السلفية الجهادية روايتها بحتمية العمل العسكري، بل وبروز الصورة غير المسبوقة من هذه الحركات الجهادية، أي تنظيم الدولة الإسلامية، من حيث العنف والتوحش والتصلّب الأيديولوجي في وجه الخصوم.

   من الضروري التذكير، مرّة أخرى، هنا، بأنّنا توقفنا في هذا الكتاب، لدى رصد الحركات والاتجاهات السلفية المختلفة، عند اللحظة الأولى من الربيع العربي، ولم نساير المرحلة التالية: ما بعد الربيع العربي، أي تقريباً منذ العام 2013 (لحظة الانقلاب العسكري في مصر)، وهذه المرحلة التالية تحتاج إلى رصد وتحليل جديد للتحولات والسجالات المعلنة والداخلية لدى الحركات السلفية العربية عموماً.

    قسّمنا الكتاب إلى فصول تغطي الجوانب المختلفة المطلوبة؛ الفصل التمهيدي يتناول موجز لتاريخ الحركات السلفية، وجذورها التاريخية، واتجاهاتها الرئيسة. أما الفصل الأول فيتناول صعود السلفية المعاصرة في معقلها الرئيس اليوم، أي الجزيرة العربية، دول الخليج العربي، بالإضافة إلى اليمن، فيما تناولنا في الفصل الثاني السلفية في دول المشرق العربي الأخرى، بلاد الشام والعراق، والفصل الثالث قرأنا فيه التحولات التي حدثت لدى التيارات السلفية المصرية، ما قبل ثورة 25 يناير 2011، وما بعدها، وفي الفصل الرابع تناولنا برؤية نقدية موقف السلفيين من الديمقراطية والعلمانية، وفي الفصل الخامس طرحنا سؤال الهوية لدى السلفيين، بوصفه أحد أهم الأسئلة في التعرّف على الاتجاهات السلفية.