بين حاكمية الله و سلطة الأمة

16 أغسطس 2016

ولد محمد رشيد رضا (1865-1935) في قرية القلمون، في لبنان، في عائلة نتسب نفسها إلى الهاشميين والأشراف، وبدأ مشروعه العلمي منذ مرحلة مبكّرة جداً، وعرف في مرحلة الشباب بالمواعظ والدروس التي يلقيها، وكان أغلبها متأثراً بتربيته الصوفية، قبل أن ينقلب عليها، ويكرس (لاحقاً) جزءاً أساسياً من مشروعه الفكري في نقد الانحرافات الصوفية، من موقعه الجديد "السلفية العقلانية".

و"السلفية العقلانية"، إن جاز التعبير، مفهوم يختزل أبعاداً أساسية في مشروع رضا، فهو من ناحية قد تأثّر في عقيدته بما طرحته الدعوة السلفية الحديثة، وساهم في نشر أفكارها وتصوراتها، حول محاربة البدع والانحرافات والضلالات، باسم الدين، وضرورة العودة إلى القرآن والسنة، وتنقيح علوم الدين وتدقيقها، وهو من ناحية أخرى تأثّر بالإمام محمد عبده وقبله جمال الدين الافغاني ونزعتهما الواضحة نحو العقل والتفكير والاشتباك مع المعرفة الغربية.

تعرّف الشيخ رضا في مرحلة الشباب الأولى على مجلة العروة الوثقى (التي كان يصدرها في باريس كل من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده)، واطّلع على أعداد منها، وحاول التواصل مع كلّ من جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، وقد تحقق هدفه باللحاق بعبده بعد عودة الأخير إلى القاهرة.

وصل صاحبنا إلى القاهرة في العام 1898، ثم بعد فترة وجيزة بدأ بإصدار مجلة المنار، التي استمرت إلى حين وفاته (في العام 1935)، وصدر منها قرابة خمسة وثلاثون مجلّداً، وباتت تمثّل اليوم وثيقة تاريخية تروي أحداث تلك المرحلة وتفاصيلها وتطوراتها، وفي الوقت نفسه تقدّم مادة ثريّة عن الشيخ رضا وأفكاره السياسية ورؤيته الإصلاحية في مختلف المجالات، فقهياً، وتربوياً، وعلمياً واجتماعياً.

وأثمرت ملاصقة الشيخ رضا لأستاذه الإمام محمد عبده عن وجود تفسير المنار، فقد كان رضا يدوّن ما يلقيه عبده من تفسير القرآن، وينشره في مجلته المنار، ثم في مجلدات خاصة، وقد تابع رضا بنفسه مشروع تفسير القرآن، بعد وفاة معلّمه، ونجد في التفسير – حتى في مرحلة عبده- تجربة متميزة في الشراكة بينهما، إذ كان رضا يقدّم رؤيته الخاصة بصورة واضحة، في سياق عرضه لتفسير شيخه، في العديد من المواضع.

بعد وفاة أستاذه الإمام محمد عبده (في العام 1905) استمر الشيخ رضا في مشروعه الإصلاحي، وبتفسير ومجلة المنار، لكنه بدأ يذهب باتجاه العمل السياسي بصورة أوضح، بعد أن كان أغلب جهوده مع شيخه تسير في سياق مشروع عبده الرئيس: الإصلاح الديني، وإصلاح الأزهر، والتربية والتعليم، بل وتحاشي العمل السياسي المباشر.

لا يمكن، هنا، إغفال التطورات التاريخية التي فرضت نفسها على رضا ودفعته إلى العمل السياسي، ومن ذلك: بروز الحركات التركية الجديدة التي تدعو إلى الدستور، ومن ثم الحرب العالمية الأولى، فالثورة العربية الكبرى، فمشروع سوريا الكبرى، ودخول الاستعمار بصورته المعلنة إلى كثير من الدول العربية والإسلامية، وإعلان إنهاء الخلافة العثمانية..

كل تلك الأحداث رافقها على المستوى الاجتماعي نشوب حالة من الاستقطاب والصراع الفكري والثقافي بين التيار الإسلامي والتيار التغريبي- العلماني، فوجد رضا نفسه في قيادة التيار الأول وفي مواجهة عميقة مع التيار الثاني، الذي كان إلى سنوات قليلة سابقة يتدثّر مع رضا بعباءة الأستاذ الإمام محمد عبده.

ربما، عند لحظة بروز الصراع الفكري بين التيار الإسلامي والتغريبي، يأتي حكم الباحثين بأنّه يمثل الأب الروحي لمشروع الإسلام السياسي، الذي جاء ردّاً على تحدي انهيار الخلافة وصعود التيار التغريبي.

ذلك لا ينفي بالطبع أنّ هنالك كثيراً من الحركات والدعوات تأثرت بالشيخ وأخذت شطراً من مشروعه الإصلاحي، ويُعدّ تلميذه حسن البنا، مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، من أبرز هؤلاء، إذ حاول أن يستأنف إصدار مجلة المنار بعد وفاة الشيخ رضا، إلاّ أنه لم يستمر سوى لأعداد محدودة.

لكن التأثير الأكثر وضوحاً للشيخ كان على جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، وقياداتها، التي حملت مشروع "السلفية الوطنية"، وكان تأثرها به وبأستاذه محمد عبده واضحاًَ.

توفي الشيخ في العام 1935، بعد سبعين عاماً، أنجز خلالها مكتبة كبيرة، سواء في مساهمته بتفسير المنار أو مجلة المنار، أو الكتب الأخرى، التي كان أغلبها ينشر في التفسير والمجلة قبل أن يظهر بحلّته المستقلة.

بعد ذلك، أحسب أنّ شخصية إسلامية بهذه التجربة الفكرية والمعرفية والحركية الغنية يستحق أن تكون هنالك قراءة منصفة عميقة لمشروعه الفكر، وهي المهمة التي نحاول القيام بشطر صغير منها في هذا الكتاب..