"استرداد" سيد قطب

[caption id="attachment_820" align="alignleft" width="144" caption="سيد قطب خلال محاكمته"][/caption]

الشهيد سيد قطب هو من أكثر المفكرين والمثقفين الذين ظلموا في الإعلام والفكر العربي على الإطلاق، وقد اختزل كثير من المؤرخين والإعلاميين النظر إليه من زاوية "مسؤوليته عن إنتاج الفكر المتطرف" في مرحلة الصدام بين "الإخوان" ونظام الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

إلاّ أنّ هنالك زوايا أخرى من الرؤية غابت تماماً في التعامل مع هذا النموذج، حتى في الدراسات المتخصصة حوله، كما هي حال دراسة أحمد الموصللي عن الفكر السياسي لقطب. ولعلّ أبرز هذه الجوانب هي أنّنا أمام مفكر ومثقف سياسي محترم ونبيل – بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى- رفض المنصب والموقع والجاه، وفضّل حبل المشنقة عليها، فصان قدسية كلمته بدمائه.

سيد قطب ليس مفكراً أو مثقفاً عادياً، بأي حال من الأحوال، فهو استثنائي بامتياز، سواء في مسيرته السياسية والشخصية، أو حتى في خطابه الفكري الثوري الخارق، لذلك لا يزال من أخطر الشخصيات المؤثرة في العالم العربي والإسلامي، بالرغم من أنّه قد مضى على إعدامه (1966) قرابة 45 عاماً.

سيد قطب بدأ أديباً يسارياً، واشتهر بمقالاته اللاذعة لنظام الحكم من ذلك الموقع، وبقلمه الثوري الحاد، وبثقافته الموسوعية، وجمعه بين الإطلاع على المرجعيات الغربية والعربية والتراثية، فكان شوكة في حلق النظام وهو يساري، قبل أن يتحول إلى الموقع الإسلامي الثوري.

أثّر سيد في كثير من الفئات الناشطة سياسياً، وكان لكتاباته دور كبير في ثورة العام 1952، وفي إلهام الضباط الأحرار أفكار التحرر الوطني، وآتى انحيازه للإخوان المسلمين، عندما تأكّد من نيّة مجلس قيادة الثورة الإطاحة بهم، بعد أن كانوا شركاءه في الثورة.

ليست هذه القطعة عن سيد، بصدد العودة إلى نبش الأوراق التاريخية، فيمن يتحمّل مسؤولية الصدام، وليس هذا مجال ذلك، إنّما الرجل انحاز للإخوان وترك موقعه المتقدم ومكانته التي يحظى بها لدى "مجلس قيادة الثورة"، عندما تأكّد أنّ الإخوان سيتم التنكيل بهم، أي هو انحياز للفئة الأضعف والتي تقع تحت السوط، لا الجلاديين.

صحيح أنّ فكر سيد قطب انطبع بمرحلة "المحنة" والاختبار والصراع بين النظام والحركة الإسلامية، فحاول أن يقدّم جواباً للإخوان على ما يلاقونه من تعذيب في السجون وابتلاءات من جهة، وتجاهل من الشارع لمعاناتهم من جهة أخرى، فمن الظلم عدم استصحاب هذا الشرط التاريخي لإنتاج قطب، لكن في المقابل، من الظلم اختزال الرجل في سياق تلك المرحلة أو في تبني تفسير الجماعات المسلّحة لأفكاره السياسية والدينية!

سيد قطب، في الأصل، مثقف خارج سرب الإسلاميين تقليدياً، فقد جاء من خلفية مغايرة وكتب بقلم المثقف والأديب والمفكر الذي ينطلق من قاعدة معرفية وثقافية واسعة، وكان يحتاج إلى جمهور نوعاً ما مختلف عن كثير من البسطاء الذين تلقفوا أفكاره من داخل السجون.

لماذا الحديث الآن عن سيد قطب، وعن "استرداده"؟ لأنّه برؤيته الثورية الصارمة كان من الذين تنبؤوا ابتداءً بعدم جدوى "الحلول الترقيعية" مع النظم العربية التي قامت على أنقاض الاستعمار، وأنّها نظم تؤله الأشخاص، وتعظّم الأحزاب الحاكمة، وتسد الطريق أمام التغييرات الداخلية، وأنّها تستخدم شعارات برّاقة لتجنيد الجماهير والشعوب في حين تقفز على مباديء الحرية والحقوق الأساسية لها، وتسوّغ من أجل ذلك القمع والتعذيب والحكم بالحديد والنار.

هنا، تحديداً، كان واجب سيد قطب أن يكشف غطاء الشرعية الدينية والسياسية عنها، وأن يعلن عدم مصداقيتها، وأن يشهر سيف المفاصلة معها.

ربما نختلف بالمرجعيات أو الحيثيات مع تصورات وأفكار قطب، بهذا الخصوص، لكنه استخدم مفهوم التوحيد والعقيدة لنزع التقديس والقداسة عن البشر والأيديولوجيات، ويمنح القدسية للإنسان طالما أنّه عبدٌ لله وحده، وليس لغيره.

فالتوحيد (أي عقيدة المسلم) هو الضامن للحرية ولقدسية الإنسان ونزع القداسة والألوهية عن البشر، والشريعة الإسلامية (بغض النظر عن تأويل مفهوم الدولة الإسلامية ومعنى تطبيق الشريعة وقوننتها) هي التي تحدد مدى شرعية هذا الحاكم أم لا، وهي التي تحفظ هوية الأمة في مواجهة الأفكار الماركسية والتغريبية التي كانت تجتاح حينها الدول العربية والإسلامية.

إذن، إذا نحّينا قليلاً، الاختلافات الأيديولوجية والفكرية مع سيد قطب، فإنّنا أمام مثقف ومفكر ثوري، رفض التصالح مع الحكومات الطاغية والظالمة، ورسّم طريق الثورة والتحرر الوطني أولاً، من ثم الحرية السياسية والحريات العامة داخلياً، من خلال بناء خطاب فكري صارم في هذا الباب.

لتقريب الصورة للمثقفين المتطرفين (علمانياً) لو تخيّلنا كارل ماركس عندما هاجم الرأسمالية ولينين عندما تحدث عن الإمبريالية، ثم الحديث عن دولة البروليتاريا، وصولاً إلى الاشتراكية فالشيوعية، فإنّ سيد قطب لا يقل أبداً شأناً عنهم في التنظير والتفكير، لكن خياره النهائي الثوري كان دولة إسلامية، فلماذا يتم "إعدام فكر سيد قطب"، بينما يجري الاحتفاء بمثقفين ومفكرين آخرين.

لا يمكن منح القداسة لفكر سيد قطب، ولا تبنيه بالكلية، لكن إعدامه وإلغاءه فيه ظلم أيضاً، فهو صاحب كتاب "العدالة الاجتماعية في الإسلام"، و"الصراع بين الإسلام والرأسمالية"، وإذا كان من الأوائل الذين نبهوا إلى أخطاء الشيوعية، فهو أيضاً من الأوائل الذين أشاروا إلى الثغرات في الرأسمالية، وإلى فقدان الليبرالية المتطرفة لقيمة "العدالة الاجتماعية"، وإنصاف المظلومين في مواجهة الظالمين.

عندما ترفع الشعوب شعار الثورة السلمية على الأنظمة، فعليها أن تتذكر سيد قطب، وعندما ترفع لواء العدالة الاجتماعية فعليها أن تتذكره، وعندما تعلن الدفاع عن كرامتها الإنسانية والوطنية فعليها أن تتذكره..

فهذا الرجل سطّر ملحمة حقيقية في الثقافة والفكر والأدب والنموذج الشخصي الرائع..

هذا هو سيد قطب.

--------------------

خطاب نادر لسيد قطب

http://www.youtube.com/watch?v=bliycp_Wtog&feature=related