الإصلاح السياسي في الأردن: نحو بناء "إطار نظري"*

تضمن خطاب التكليف الملكي لحكومة سمير الرفاعي، وخطاب الحكومة نفسه، منح الأولوية لتعديل قانون الانتخاب، على صفة الاستعجال، وهي مؤشرات تشي بصورة واضحة مدى شعور "مطبخ القرار" بأهمية بناء حالة من التوافق على قانون انتخاب يحكم مخرجات العملية الانتخابية، بما يؤثر على تكوين البرلمان ودوره وحضوره في الحياة السياسية، وعلى مجمل العملية[1].

خلال السنوات الماضية، احتل الحديث عن الإصلاح السياسي نصيباً وافراً في الحديث الرسمي والسياسي العام الأردني، إلاّ أنّ المؤشرات كانت تذهب بالاتجاه الآخر، أي تجذّر الأزمة السياسية، وعدم وضوح الصورة المطلوبة للصيغة النهائية للنظام السياسي وملامح المرحلة المقبلة في أيّ اتجاه.

وذهبت الخطط والمبادرات التي تبنت موضوعة الإصلاح عموماً أدراج الرياح، ولعلّ أهم تلك المبادرات الوثيقة المرجعية التي قدّمتها لجنة الأجندة الوطنية بعد شهور من الحوار والتواصل العام، ثم وضعت هذه الأجندة في الأدراج، ويحيل مهندس المشروع، مروان المعشّر، ذلك إلى ما تضمنته من توصيات حول الإصلاح السياسي وقانون الانتخاب[2].

وتحيل مصادر مطّلعة على "أروقة المطبخ الداخلي" إلى تيار سياس يخوّف دائماً من مسار الإصلاح السياسي، ويضع العراقيل في وجهه، وربما أشار الملك نفسه إلى مثل هذه النصائح المعيقة[3].

ثمة فزّاعات متعددة يرفعها خصوم الإصلاح السياسي ضد القيام بخطوات نوعية وبنيوية في هذا المسار تسمح بترسيخ الحياة الديمقراطية بأبعاده المختلفة، ولعل أبرز هذه المعيقات ثنائية الديمغرافيا الأردنية- الفلسطينية، ضعف الأحزاب السياسية، الثقافة الاجتماعية، القوة السياسية لجماعة الإخوان المسلمين.

إزاء هذه الجدليات تنقسم النخب السياسية بين خطابات متباينة في قراءة المعادلة السياسية واستحقاقات المرحلة المقبلة بين خطاب يطالب بإبقاء الوضع الراهن، وآخر بالمحاصصة السياسية وثالث بحماية هوية الدولة، وأخير بالإصلاح على إيقاع تفاهم وطني وعقد اجتماعي واضح.

في هذه الورقة سنحاول وضع إطار نظري يأخذ المفاهيم الكلية والجدليات المطروحة في سياق تناول موضوع الإصلاح السياسي في الأردن، بصورة عامة من خلال طرح المقولات التالية:

أولاً؛ المعادلة السياسية الراهنة لم تعد قادرة على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية، والاستمرار فيها سيؤدي إلى مزيد من الأزمات والمشكلات.

ثانياً؛ أنّ المسار الآمن نحو إدارة ملف الإصلاح السياسي خلال المرحلة المقبلة، يتمثّل في التفاهم على "خريطة طريق" كالأجندة الوطنية، تكون محصلة نقاشات واسعة تدرس الوضع الراهن، والسيناريوهات المتوقعة، وبناء المقاربة الأنسب للتعامل معها.

لمناقشة هذه الاتجاهات والجدليات والمقولات، فإنّ الورقة ستتعرض للمحاور التالية:

-       الإصلاح المعطل والمعادلة العاجزة. 

-       فزّاعات ضد الإصلاح.

-       الخطابات المتضاربة.

-       لماذا قانون الانتخاب؟

 

بقي القول أنّ هذه الورقة ما تزال بمثابة "أفكار أولية"، في طور الإنضاج والتحليل والعصف الفكري،  تحاول تأطير السجالات السياسية والإعلامية في المشهد العام، وتعمل على تحديد المقولات المتداولة حول الإصلاح، وبناء القراءات المترتبة عليها، وهو ما سيعنى بها كاتب السطور في المرحلة المقبلة..

 

 

 

 

-1-

إصلاح المعطّل ومعادلة عاجزة

بعيداً عن جدليات تعريف الإصلاح السياسي، فإنّ المقصود هنا الانتقال بالمعادلة السياسية نحو توسيع مساحة المشاركة السياسية في صنع القرار، والاتجاه نحو الحكم الرشيد، وتعزيز أدوار المؤسسات الدستورية والسياسية الرئيسة في الحكم، وتعزيز حالة الحريات العامة وحقوق الإنسان، والمساءلة والرقابة، والنزاهة في المال العام..الخ.

في ضوء هذه المعايير والمؤشرات فإنّ محاكمة الوضع الراهن ستكون سلبية. فمن خلال قراءة الملامح العامة للمشهد الحالي سنجد أنّ مشروع الإصلاح السياسي إمّا يراوح في المربع الأول في بعض المؤشرات وإمّا أنه يسير في الاتجاه المعاكس في مؤشرات أخرى[4].

على صعيد الانتخابات النيابية والبلدية، فإنّ سمعة هذه الانتخابات وأهميتها ودرجة الرضا العام عنها في مرحلة متدنية حتى عن حالات سابقة، وفقاً لاستطلاعات الرأي العام، وتقارير المراكز الحقوقية في انتخابات العام 2007 كان هنالك انتهاكات واضحة لنزاهة الانتخابات، بدرجة لم يعد ينكرها حتى من أشرف عليها[5]!

وفي الانتخابات الأخيرة، فإنّ الإجراءات وإن كانت أكثر شفافية، إلاّ أنّ هنالك تجاوزات وفق تقرير المركز الوطني لحقوق الإنسان، والأهم أنّها احتكمت لقانون انتخاب بدوائر افتراضية عزّز من الهويات الاجتماعية الضيقة، وأدى إلى عنف لاحق غير مسبوق، خلال السنوات الأخيرة على الأقل، على نتائج الانتخابات[6].

الانتخابات البلدية الأخيرة 2007 ليست أفضل حالاً، فقد شهدت انتهاكاً وتدخلاً سافراً، مما أدى إلى انسحاب جماعة الإخوان المسلمين وهي القوة المعارضة ذات القاعدة الشعبية الأوسع، وما يزال موضوع دمج البلديات يواجه تساؤلات ونقاشات حتى داخل الأروقة الرسمية.

قانون الانتخاب السابق "الصوت الواحد" والحالي (بإضافة الدوائر الافتراضية) ساهما في إضعاف أدوار مجلس النواب السياسية، تشريعياً ورقابياً، من خلال مخرجات العملية الانتخابية التي لا تتيح مشاركة فاعلة للأحزاب وبرامجها السياسية، وكذلك من خلال صيغة علاقة قائمة على القنوات الخلفية وتغليب الخدمات والمصالح الخاصة بين السلطتين لتمرير القوانين والسياسات، مما أثّر كثيراً على سمعة مجلس النواب، وساهم في حلّه في العام 2009[7].

على صعيد الحريات العامة، شهدت السنوات الماضية تغوّلاً ملموساً للمنظور الأمني على الجانب السياسي، وهو ما انعكس على حالة الحريات العامة في مجالات مختلفة، سواء في بعض التشريعات أو السياسات أو التدخلات في شؤون المؤسسات المختلفة والمتعددة.

في مقدمة ذلك يأتي قانون الاجتماعات العامة (العام 2001)، الذي يمنع الاجتماعات والتجمعات العامة من دون إذن من الحاكم الإداري، وهو قيد واضح ومعلن على الحريات العامة، وهنالك القيود الأمنية في الجامعات على الطلبة، والفيتو الأمني (بغطاء دستوري) على أشكال من التنظيم المهني، مثل نقابة المعلمين، أو الوصاية الرسمية على نقابات أخرى، مثل نقابة العمال، وقانون المطبوعات والنشر الذي يضع الحريات الإعلامية تحت رحمة "الخطوط الحمراء" الواسعة والفضفاضة فيه.

في السياق نفسه، تبدو القيود غير المعلنة، على الحريات العامة، كالتدخل في عملية التعيين والتوظيف، بناءً على الالتزامات السياسية، ليس فقط في مؤسسات حكومية، بل حتى خاصة، واشتراط "حسن السلوك"، وهو بمثابة "سيف مصلت" على رقاب من يمارسون أي نشاط سياسي معارض.

على صعيد "الحكم الرشيد"، فإنّ معايير الإدارة العامة والشفافية والمؤسسية تراجعت خلال السنوات الأخيرة، فلا توجد معايير واضحة في التعيينات والترفيعات، ولا حتى على مستوى الإدارات العليا، كما أنّ التداخل بين الوظيفة العامة والمصالح الخاصة بات محل نقاش، مع ضعف آليات الرقابة والمساءلة، في مواجهة الفساد.

في المحصلة، ما تزال آليات اختيار الحكومات والوزراء تخضع لاعتبارات غير علمية ولا مدروسة، بل تتسم بالغموض والمزاجية والعشوائية في كثير من الأحيان، وما يزال دور مجالس النواب محدوداً وضعيفاً في عملية صنع القرار، وما تزال الحريات العامة في مرحلة متأخرة، وما تزال آليات الرقابة والمحاسبة والمساءلة ضعيفة وعاجزة، والأحزاب والمجتمع المدني مؤسسات ليست فاعلة في الحياة العامة.

في المقابل، فإنّ المعادلة السياسية الراهنة، بالمواصفات السابقة، أنتجت جملة من الأزمات والمشكلات التي يمكن ملاحظتها بوضوح خلال الأشهر الأخيرة تحديداً، ومن أبرزها:

- "فجوة الثقة" بالحكومات المتعاقبة، بحسب توصيف استطلاعات مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية، وضعف قنوات التواصل والاتصال بين الدولة والرأي العام.

-   نمو ظاهرة الفساد، وتجذرها، نتيجة ضعف آليات الرقابة والشفافية في المؤسسات العامة.

-   نمو الهويات الفرعية وانفجار أزمة العنف الاجتماعي، وتراجع الشعور بدولة القانون والمواطنة.

-   ضعف كفاءة القطاع العام في مواجهة التحديات والتكيف مع التغيرات الجديدة، جراء الغموض في اخيتار الإدارات العامة، التخبط في إدارة ملفه، وغياب المعايير المؤسسية المبنية على الكفاءة والعدالة.

***

هذه المؤشرات والتداعيات لجمود الحالة السياسية تكشف عن عجز المعادلة السياسية الراهنة عن تقديم إجابات لمواجهة التحديات والمشكلات التي تواجه الدولة والمجتمع، مما ينتج عنه "أزمة بنيوية" في عمل المؤسسات وأدوارها المختلفة، ويجعل من عواقب استمرار الآليات الحالية هو مزيد من الأزمات المختلفة، مما يضعف من شرعية "اللعبة السياسية" ويؤدي إلى إضعاف قواعدها بصورة أكثر حدّية، بالتضافر مع المشكلات الاقتصادية ذات المردود الاجتماعي، مثل الفجوة الطبقية والفقر والبطالة والشعور بالحرمان الاجتماعي لدى شريحة واسعة من المجتمع.

ذلك أنّ المعادلة السياسية الحالية تطورت بعد أحداث أيلول في العام 1970، التي ألقت بعبء بناء مؤسسات الدولة الحساسة والحيوية على الأردنيين، فيما توجهت النسبة الكبرى من "الأردنيين من أصول فلسطينية" إلى القطاع الخاص، وصيغت قواعدها من خلال نمط من العلاقة "الزبونية" مع الدولة، التي قامت بدور الرعاية الاجتماعية، وتوفير فرص العمل والوظائف والمواقع على الأردنيين مقابل الولاء والاندماج الكامل بها، والتماهي السياسي.

في مرحلة ما بعد فك الارتباط 1988، ثم توقيع اتفاقية أوسلو جرى تعزيز هذه المعادلة سياسياً وإدارياً، بالرغم أنّ مرحلة التسعينات شهدت البدء بتطبيق برنامج الخصخصة، وإعادة التكيف الهيكلي، التي كانت تسير – من الناحية الاقتصادية- في الاتجاه المعاكس.

وبدلاً من إعادة النظر في المعادلة السياسية الاقتصادية، بما يتلاءم مع المتغيرات الجديدة، فقد استمرت عمليات التعيين وتضخم القطاع العام، في المقابل كانت مؤسسات الدولة تخصخص، ومسار العودة إلى الديمقراطية يتعطل، مع إقرار قانون الصوت الواحد، بعد الانتخابات النيابية في العام 1989، التي كشفت عن تحول بنيوي في اتجاهات الشارع الأردني، إذ أصبحت جماعة الإخوان المسلمين القوة السياسية التي تملك الشعبية الأكبر، بعد أن كانت خلال العقود السابقة تتمتع بعلاقة التحالف في أوقات معينة، والتعايش عموماً مع النظام.

مع عهد الملك عبد الله الثاني جرى التسارع أكثر في البرنامج الاقتصادي الذي يقوم على التحول نحو القطاع الخاص، تخلّت الدولة عن مساحة واسعة من دورها الاجتماعي- الأبوي، وتحولت نحو الوظيفة الجبائية، مما خلق متغيرات اقتصادية- اجتماعية جديدة على الأرض، ونقل مركز الثقل الاقتصادي إلى القطاع الخاص، وبدأ القطاع العام يعاني من أزمة الترهل والبيروقراطية، والعجز عن التكيف مع تفكير النخبة الاقتصادية الجديدة في "مطبخ الحكم"، مما دفع إلى تخليق مؤسسات مستقلة جديدة على ضفاف القطاع العام، تحولت هي نفسها – لاحقاً- إلى مشكلة، بعد أن تضخّمت موازناتها وأصبحت تعاني من عجز مالي يزيد العبء على موازنة الدولة.

في مقابل التحولات البنيوية في البرنامج الاقتصادي، جرى تعطيل البرنامج السياسي وساهمت الأحداث المحلية والعالمية (أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001) في هيمنة المنظور الأمني على الحياة السياسية، وبالرغم من تعدد المبادرات التي أعلن عنها في محاولة ترسيم المسار السياسي، إلاّ أنّها بقيت حبراً على ورق، وطغت مقولة "السياسة في رعاية الأمن" لتبرير هذا التغول من الجهاز الأمني على مجمل الحياة السياسية[8].

النتيجة بدت خلال الأعوام الأخيرة في بروز أدوار ما يسمى بـ"مؤسسات الظل" (الديوان الملكي والأجهزة الأمنية) على حساب المؤسسات الدستورية (الحكومة والبرلمان)، إلى أن تمّت إعادة هيكلة جديدة للمعادلة في العام 2009، تحت شعار "الولاية العامة" للحكومة، فيما بقيت مؤسسة البرلمان غير قادرة على ملء "الفراغ السياسي" الذي تحتله، مما جعل السلطة التنفيذية بمؤسساتها وأجهزتها المختلفة متفردة في عملية صنع القرار واقتراح التشريعات وسن القوانين المؤقتة.

هذه التطورات أفضت إلى فجوة كبيرة بين المسارين الاقتصادي (نحو الخصخصة) والسياسي (نحو التأميم)، وولدت نتائج رئيسة أبرزها[9]:

أولاً، لم تتسم عمليات الخصخصة والتحول نحو القطاع الخاص بالشفافية، بل اتسمت بالغموض والخلط بين الموقع العام والمصالح الخاصة، مما عزز من فرص الفساد والإثراء على حساب المال العام، وخلق شعوراً بالقلق وعدم الارتياح لدى الرأي العام حول مصير أموال التخاصية، وقدرة الدولة على بناء آليات صارمة ومؤسسية في حماية الثروة العامة ومنع الفساد.

ثانياً، لم تتم عملية الانتقال من القطاع العام إلى القطاع الخاص عبر عملية متدرجة مدروسة، بل كانت تتسم بالعشوائية والتناقض، مما جعل القطاع العام في نهاية اليوم متضخماً، يعاني من مشكلات الترهل الإداري، وأضعف كثيراً الطبقة الوسطى فيه، التي شكلت خلال العقود السابقة روافع الاستقرار السياسي[10].

ثالثاً، بروز حركات الاحتجاج الاجتماعي الجديدة، التي جسّدت حالة الانفصام بين المعادلتين السياسية والاقتصادية، وعكست حالة القلق لدى شريحة اجتماعية واسعة (الشرق أردنيين: قطاع المعلمين، حركة المتقاعدين العسكريين، عمال المياومة..) من أنّ مسار التحولات الاقتصادية والإقليمية- الخارجية يسير في الطريق المناقض لمصالحها وعلاقتها مع النظام[11].

على صعيد موازً، فإنّ تطور مسار التسوية وتدهوره ألقى بثقله على المعادلة الداخلية بصورة ملموسة، فمع توقيع اتفاقية أوسلو وقيام السلطة الفلسطينية في منتصف التسعينات، وبروز "صيغ واقعية" حول الحل النهائي، تقفز على فكرة العودة لدى اللاجئين الفلسطينيين في الأردن، مع عدم وضوح رؤية معينة للدولة بهذا الخصوص أعاد "القلق" المتبادل داخل النخب السياسي في هذه "الثنائية الديمغراغية" الداخلية.

فيما أدّى، في المقابل، تراجع مسار التسوية، وضعف مشروع إقامة دولة فلسطينية على كامل حدود العام 1967، مع بروز الانقسام الفلسطيني الداخلي (الضفة وغزة) إلى ارتفاع وتيرة التخويف من "التوطين السياسي"، وإنهاء هذا الملف الداخلي بصورته النهائية، من خلال إدماج الأردنيين من أصول فلسطينية في مؤسسات الدولة، ورفع شعار "المحاصصة السياسية" تحت بند "عدالة التمثيل السياسي"، وهو ما عزز من بروز التيار اليميني المتبادل، فيما أدّى جمود المسار السياسي الحالي، وضعف خطاب الدولة في هذا السياق إلى تعزيز الخطابات الأخرى، والمخاوف المتبادلة.

تلك المخاوف المتبادلة أعادت مسألة قرار فك الارتباط إلى ساحة الجدال السياسي والإعلامي بصورة واسعة، بين تيار يطالب بـ"دسترة" القرار، لقطع الطريق على أي ضغوط دولية لفرض حل القضية الفلسطينية على الأردن، وتكريس الفصل السياسي بين الدولة هنا، والدولة الفلسطينية المرتقبة، وتيار مقابل يطعن في دستورية قرار فك الارتباط، ويربطه بظرف تاريخي معين، وضغوط عربية على الأردن، ويؤكد على "وحدة الضفتين"، ومواطنة كل الأردنيين من أصول فلسطينية[12].

في المجمل، نجد أنفسنا اليوم أمام أسئلة مركبة ومتراكمة سياسياً، بلا أجوبة أو رؤية رسمية واضحة تبرمج المسار السياسي في المرحلة المقبلة، وتضع حدوداً لموقف الدولة، بل تبدو المعادلة السياسية الرسمية أكثر التباساً وارتباكاً حينما تبرز سياسات متباينة ومتضاربة في الوقت نفسه لمراكز القوى والمؤسسات الرسمية في التعامل مع الملفات السياسية الحيوية.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

-2-

فزّاعات ضد الإصلاح السياسي

بالرغم أنّ الحالة الراهنة تشير بوضوح إلى أهمية المضي قدماً في مسار الإصلاح السياسي، وتطوير قدرة المعادلة السياسية على احتواء التحولات ومواجهة التحديات والمشكلات المتفاقمة، وبالرغم – كذلك- من صعود إدراك حتى في أوساط مقربة من "مطبخ القرار" بتلك القناعة، إلاّ أنّ مسار الإصلاح السياسي ما يزال حتى اللحظة الراهنة معطلاً، ولا توجد رؤية واضحة أو خطة مبرمجة لترسيم المرحلة المقبلة وأهدافها سياسياً.

السبب أنّ هنالك قوى على أرض الواقع تجهض أي خطوات للمضي في هذا المسار، وترفع في وجه دعوات الإصلاح فزّاعات تخوّف من نتائج ذلك ومآلاته.

فزّاعة الوطن البديل والتوطين السياسي: تمثّل الثنائية الديمغرافية والارتباط التاريخي للدولة، والاشتباك السكاني والجغرافي خصوصية أردنية، تجعل من مسألة الإصلاح السياسي أكثر تعقيداً، وترتبط (نظرياً) بمخرجات القضية الفلسطينية، وتخلق سؤالاً أساسياً، حول هوية الدولة والمجتمع.

تستغل هذه "الخصوصية" في تعطيل أي محاولات للإصلاح السياسي، بدعوى ترحيل هذا الاستحقاق إلى حين تجلي الصورة النهائية للقضية الفلسطينية، وتحديد مصير اللاجئين، بخاصة في الأردن التي تحتوي أكبر خزّان سياسي لهم في المنطقة.

المشكلة تبدو هنا أنّ استمرار التلويح بهذه الفزّاعة ليس حلاًّ بحد ذاته، فليس منطقياً ترحيل استحقاق الإصلاح السياسي وإبقاء المعادلة الداخلية معلّقة على ذلك، والدخول في غور مشكلات بنيوية بسبب ذلك حتى الوصول إلى الحل النهائي، بل إنّ ضعف الجبهة الداخلية وهشاشتها لن يخدم تصليب الموقف الرسمي في مواجهة أي استحقاقات تضر بالأردنيين والفلسطينيين معاً.

في مواجهة ذلك لا بد من بناء تصور داخلي لسيناريوهات تطور القضية الفلسطينية ورسم الخيارات الأردنية، بما في ذلك المعادلة الداخلية، في التعامل معها، وإيجاد صيغة توافقية في مواجهة ذلك، بدلاً من تجذر الشكوك والمخاوف الداخلية المتبادلة.

فزّاعة "التفرد الإخواني" في المشهد السياسي: في مواجهة أي مطالبة بقانون انتخاب يبنى على القائمة النسبية، ويسمح بتخليق الحضور الحزبي في البرلمان يتم التلويح بفزّاعة أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي المستفيد الوحيد من ذلك، جرّاء ضعف الأحزاب السياسية الأخرى، والتذكير في تجارب سابقة كالجزائر وغيرها، اجتاح فيها الإسلاميون الانتخابات، وأعقبها صدامات داخلية تدفع تلك الدول ثمنها إلى الآن، بل إنّ فوز حماس بالانتخابات التشريعية مطلع 2006، وما أعقبها من السيطرة على قطاع غزة، أغرى التيار الرسمي للتخويف دوماً من "فتح شهية" إخوان الأردن للقيام بالعمل نفسه.

بالطبع، يتم تركيب جملة من المشكلات والتداعيات على هذه الفزّاعة، كالعلاقة العضوية بين الإخوان والقاعدة الأردنية- من أصول فلسطينية، ما يعني تحوّلاً في تركيب المعادلة الداخلية، وعدم واقعية برنامج الإخوان السياسي (الموقف من التسوية، أميركا، افتقاد البرنامج الاقتصادي، الأجندة الاجتماعية المحافظة)..

في مقابل هذه الفزّاعة لا يملك أصحابها بديلاً عن إضعاف المشاركة الإسلامية في المشهد السياسي، بخاصة أنّ الخيارين الآخرين، إمّا إبقاء الوضع الراهن، وهو لا يصلح تماماً، وإما ممارسة إقصاء وتكسير أكبر لهذه الحركة، مما يعزز حضور الوجه الإسلامي الآخر- الراديكالي، ويدفع بالشباب إلى أحضانه، تحت وطأة الإحباط والقلق من المرحلة المقبلة.

لا يمكن، كذلك، التسليم بكل تلك الفرضيات السابقة، إذ أنّ المقاربات العقلانية، حتى في أدبيات أكاديمية غربية جديدة، تذهب إلى أنّ إدماج الإسلاميين في المعادلة السياسية سيدفع بهم إلى مواقع أكثر اعتدالاً ويساعد في تطوير خطابهم السياسي وإنضاج ديناميكياتهم الداخلية لتكون أكثر واقعية وبراغماتية، وتتلاءم مع قواعد اللعبة السياسية، والعكس صحيح.

عند هذا المستوى من الإشكالية، يبدو "النموذج التركي" مناسباً أكثر للقياس، من زاوية محدّدة، تتمثّل بإطلاق المجال للحركة الإسلامية وحريتها وخطابها، لكن مع تمتين قواعد اللعبة وإحكامها، بما لا يسمح بالانقلاب عليها، حتى مع تغير وتبدل مواقع الأغلبية والأقلية.

فزّاعة أولوية الإصلاح الاقتصادي على السياسي: تطرح هذه الفزّاعة على اعتبار أنّ الديمقراطية أمرٌ ثانوي، وإطعام الناس وتوفير فرص العمل والحياة الجيدة هو الاستحقاق الأهم، وهو ما تؤكده استطلاعات الرأي التي تشير إلى عدم اكتراث الرأي العام بمسألة الإصلاح السياسي، مقابل القلق الشديد حيال الوضع الاقتصادي.

ويبدو أنّ هذه "الفرضية" هي التي حكمت "مطبخ القرار" خلال السنوات السابقة،  وسوّقت لها النخبة الاقتصادية "الليبرالية"، التي لا تمتلك في الأصل قواعد اجتماعية ولا روافع حزبية تمنح وجودها في مواقع القرار والتخطيط شرعية شعبية، ولتبرير ذلك يتم استحضار "التجربة الصينية" التي سمحت بنمو اقتصادي كبير وتطور صناعي، مع بقاء "السلطوية" لتمرير تلك التحولات الاقتصادية بسلام وأمن، وضمان عدم وجود ارتدادات سياسية مقلقة، كما حدث في الاتحاد السوفيتي سابقاً.

من الواضح أنّ هذه الفرضية سقطت، مع بروز تأثيرات سلبية كبيرة للفجوة بين المعادلتين الاقتصادية والسياسية، والقلق من انتشار الفساد وغياب الشفافية، ومن اختلاف شروط الحالة الأردنية تماماً مع الحالة الصينية.

فزّاعة عدم أهلية البنية الاجتماعية وضعف الأحزاب السياسية: تتضافر هذه الفزّاعة مع الفزّاعات السابقات في التقليل من جدّية وفعالية دعوات الإصلاح السياسي، بالقول "إنّ إرساء الحالة الديمقراطية وترسيخ جذورها، يتطلب وجود أحزاب فاعلة، وهذا غير متوافر، بينما ما تزال البنية الاجتماعية خاضعة لحسابات غير سياسية ولا مدنية، تقترب تقديم الأبعاد الاجتماعية والعشائرية في الانتخاب والترشيح".

على هذا الأساس يدافع أصحاب هذه الفزّاعة على أولوية قانون الأحزاب على الانتخاب، وضرورة تعبيد الطريق نحو صعود أحزاب بألوان مختلفة، ما يسمح بتعددية وتنافسية، ويساعد على بناء القيم الديمقراطية في مسارات متوازية.

تقفز هذه الفزّاعة على الميراث السياسي الأردني بأسره، وتتجاهل أنّ الأحزاب السياسية كانت حاضرة وفاعلة، ولها قواعدها السياسية، قبل أن تعاني من التأكل والتدمير مع مرحلة السبعينات والثمانينات، بالتوازي مع الصعود الإسلامي.

الجواب على هذه الفزّاعة أن نمو وصعود الحالة الحزبية يتطلب توفير الشروط المناسبة لها، وفي مقدمة ذلك قانون انتخاب يسمح للأحزاب بالتنافس على الوصول إلى قبة البرلمان، من خلال البرامج والأفكار السياسية، وبوجود قائمة نسبية، تدفع بهذه الأحزاب إلى خيارين: إما إصلاح أوضاعها وتطوير خطابها والاشتباك مع الجماهير، وإما الموت خارج اللعبة.

لا يخرج عن ذلك سؤال "البنية الاجتماعية"، فالأحزاب التي نشطت في الخمسينات تعاملت مع بنية اجتماعية أقل تسييساً وتعليماً، وأكثر فقراً، لكنها أفرزت قيادات اجتماعية أصبح لها حضورها السياسي، وذلك يعتمد على الشروط السياسية للعبة، فيما إذا كانت تساعد على إنتاج قيادات مؤهلة سياسياً من القواعد الاجتماعية، أو قيادات تعزف على وتر الخدمات والاعتبارات الجهوية على حساب الاعتبارات الوطنية والسياسية المتطورة.

 

 

 

-3-

الخطابات المتضاربة

في مقابل تلك الفزّاعات التي يرفعها التيار المحافظ فإنّ أحد الأسباب الحقيقية لعطلة الإصلاح السياسي يتمثّل في تضارب خطابات النخب السياسية حول مفهوم الإصلاح نفسه وأولوياته والمسار الذي يجب أن يأخذه.

تبرز في هذا السياق رؤى متضاربة، تتأثر في خلفيتها بالثنائية الديمغرافية، فهنالك تيار يطالب بإبقاء الوضع الراهن على ما هو عليه، وهو التيار الرسمي المحافظ، بينما ينعكس اليمين الفلسطيني والأردني من خلال خطابين متبادلين، الأول يجعل بؤرة تركيزه على "المحاصصة السياسية" في قانون الانتخاب، وإدماج الأردنيين من أصل فلسطيني في مؤسسات الدولة والمواقع الرسمية، والثاني يطالب بإعادة هيكلة مسألة الجنسية والمواطنة للحفاظ على هوية الدولة، بينما ما يزال الخطاب الرابع الذي يدعو إلى إطار توافقي- عقد اجتماعي جديد للإصلاح السياسي، ضعيف الحضور والإعلان عن نفسه وسط الخطابات الأخرى.

خطاب إبقاء الوضع الراهن؛ يتخوّف تيار رسمي من مآلات الإصلاح السياسي في أن تؤدي إلى مشكلات سياسية وأمنية واجتماعية، قبل حل القضية الفلسطينية، وتبيّن موقع الأردن في كل ذلك، ويفضّل هذا التيار المضي في إصلاحات شكلية أو غير جوهرية على قاعدة "مكانك سرّ" إلى حين توفر ظروف وشروط داخلية وخارجية تسمح بتحريك حقيقي لعجلة الإصلاح السياسي، بعد أن يحسم سؤال المواطنة والهوية والعودة، وهي أسئلة لا يمكن المضي معها في مشاريع بنيوية في التغيير.

المحاصصة السياسية؛ خلال السنوات الأخيرة نشط خطاب سياسي وإعلامي يطالب بتطبيق المواطنة الكاملة على الجميع، وفي مقدمة ذلك العدالة في التمثيل السياسي في البرلمان، والإدماج في مؤسسات الدولة والتساوي في فرص العمل الحكومية،..

ويدفع هذا الخطاب بعدم دستورية قرار فك الارتباط للتأكيد على مواطنة الأردنيين اللاجئين الفلسطينيين، وفي التأكيد على انتماء هذه الشريحة وولائها للدولة، وهو ما يثير مخاوف الطرف الآخر من ضياع هوية الدولة، وفقدان السلطة السياسية، وحل القضية الفلسطينية على حساب الأردن، على الاقل ديمغرافياً[13].

التأكيد على هوية الدولة والمجتمع؛ في مقابل هذا التيار ثمة تيار يرفع شعار هوية الدولة، ويطالب بترسيم المعادلة السياسية مستقبلاً، بما يخدم هذه الأجندة بصورة حاسمة، وفي مقدمة ذلك دسترة قرار فك الارتباط، والتأكيد على الفصل السياسي بين الدولة الأردنية والفلسطينية، وعلى حق العودة للاجئين الفلسطينيين في الأردن، بما يمس بالضرورة حقوقهم السياسية، وعلى مدى اطمئنانهم لامتلاكهم مواطنتهم الكاملة.

يشعر هذا الخطاب بالقلق من وجود مؤشرات على ضغوط خارجية للتخلص من مشكلة اللاجئين، وبتحول في الإدراك الإسرائيلي لمصادر تهديد الأمن القومي لها، وتحولها من الدول العربية المجاورة إلى الحركات الإسلامية وإيران والقنبلة الديمغرافية الفلسطينية[14].

هذا التحول في الإدراك الإسرائيلي سينعكس على العلاقة مع الأردن، ومحاولة القيادات الإسرائيلية ترويج صيغة سياسية تحمّل الأردن عبء الديمغرافيا الفلسطينية، في سياق نمو التيار اليميني الإسرائيلي الذي لا يريد حل الدولتين، ويرى في الأردن وطناً نهائياً للفلسطينيين.

صيغة توافقية وعقد اجتماعي جديد؛ ثمة خطاب آخر يقف في المشهد السياسي والإعلامي، لكنه لم يتشكل بالصورة المطلوبة بعد، يرفض ابتداءً منطق الخطابات اليمينية، وتجزئة الهوية الوطنية، والحديث من خنادق اجتماعية متقابلة، ويطالب بخندق واحد يتأسس على قيم وطنية عليا: المواطنة، المصالح العليا للدولة، تصليب الجبهة الداخلية، ضرورة الإصلاح السياسي..

يقوم هذا الخطاب على فرضيات رئيسة:

أولاً، أن استمرار المعادلة الراهنة غير ممكن في المرحلة المقبلة، مع بروز الهويات الفرعية وانفجار العنف الاجتماعي، تراجع هيبة الدولة، وضعف اللعبة السياسية، وبروز المعارضة الجديدة، والقلق من الثنائية الديمغرافية، التحولات الاقتصادية التي تتناقض مع طبيعة المعادلة الحالية، تطور الحالة الاجتماعية معرفياً، فنياً، اقتصادياً..

ثانياً، لا يمكن المضي إلى الأمام إلاّ بصيغة توافقية وطنية، تمثّل عقداً اجتماعياً جديداً، يقدّم موقع الدولة من الأطراف المختلفة، يوضح طبيعة التحول في المعادلة السياسية، ويؤكد على قيمة المواطنة ودولة القانون، والمساواة القانونية والسياسية[15].

ثالثاً، العقد الجديد يتطلب تجديد خطاب الدولة ونخبها، بعد أن برزت الفجوة الواضحة مع الشارع، وذلك يدفع برسائل ضمانات حول هوية الدولة إلى الأردنيين حول ما يتوقعونه من الدولة وما تتوقعه الدولة منهم، وكذلك إلى الأردنيين من أصول فلسطينية بتطمينات حول مستقبلهم ومواطنتهم وحقوقهم المدنية والسياسية والقانونية.

رابعاً، إن اختزال مشروع الإصلاح السياسي بالثنائية الديمغرافية ليس صحيحاً ولا دقيقاً، فهذه الثنائية لا تشكل أكثر من 10% من مآلات المشروع، وهنالك مفردات كثيرة يمكن أن تساعد في التحرك إلى الأمام من دون الارتطام بمعضلات موضوعية، سوى قوى الشد العكسي، بينما يمكن التوافق على النسبة المحددة لنقاط الاختلاف.

مساحة التوافق تمتد إلى بناء دولة القانون والمؤسسات والشفافية وإطلاق الحريات العامة وحقوق الإنسان والتأكيد على المواطنة، والحكم الرشيد، وتقوية مؤسسة البرلمان والمؤسسات الرقابية والمجتمع المدني، ومحاربة الفساد، إصلاح القطاع العام والقطاع الأمني...

نقاط الاختلاف تكاد تنحصر في قانون الانتخاب الذي يحدد هوية "المؤسسة البرلمانية"، وفي إشكالية العلاقة بين المواطنة والهوية، وهي معادلة يمكن التوصل إلى تفاهمات حولها، ترضي الجميع وتحد من المخاوف والهواجس المتبادلة.

رابعاً، أن الأغلبية الساحقة من المواطنين (من كافة الألوان والتقاسيم الاجتماعية) ليسوا معنيين كثيراً بالخلافات السياسية الحالية بين النخب، بقدر ما هم معنيون بسؤال الحياة الكريمة والرفاهية الاجتماعية، والشعور بالكرامة الوطنية، والمواطنة الكاملة، وتوفير فرص العمل والمساواة القانونية والسياسية، وبالحد من الفساد والفقر والبطالة، ومواجهة التحديات الوجودية مثل الماء والطاقة والمصادر الطبيعية[16].

لذلك، فإنّ خطاب الدولة في هذا السياق والقيام بإجراءات واقعية وسياسات تؤكد على هذا الالتزام سيساعد كثيراً في تطوير الوعي العام وتخفيف حدة الاحتقان الاجتماعي والسياسي، ومنح الناس شعوراً بالأمل والاطمئنان، في مواجهة السلبية التي تتحكم بالمزاج الاجتماعي والشعور بالقلق وخيبة الأمل من تحسن الأوضاع العامة.

 

 

 

-4-

لماذا قانون الانتخاب؟

بالرغم من عدم صحة اختزال مشروع الإصلاح السياسي في جدلية التمثيل السياسي في قانون وأنظمة الانتخاب، إلاّ أنّ قانون الانتخاب هو المفتاح الذهبي لتحريك المياة السياسية الراكدة ولتخليق الحياة الحزبية.

وجود قانون انتخاب يسمح بالتدريج بوجود قوائم نسبية وطنية سيرد الاعتبار لمجلس النواب ودوره التشريعي والرقابي، مما يفترض أن يحد من الفساد والتلاعب بالمال العام، ويعيد التوازن إلى اللعبة السياسية ويرد الأطراف جميعاً إليها للتأكيد على مصالحهم السياسية والاقتصادية.

ذلك سيدفع إلى تعزيز حضور الأحزاب في الحياة العامة، بما يتناسب مع الشرائح الاجتماعية والمصالح الاقتصادية والطبقية، وسينهي على المدى المتوسط تفرد الإسلاميين في الشارع لصالح توازنات سياسية شعبية.

الخوف، هنا، يبديه بعض المراقبين من نقل الاستقطاب الاجتماعي إلى قبة البرلمان عبر كتل تمثل الأردنيين من اصل فلسطيني وأخرى العشائر وثالثة الإسلاميين، وهو احتمال بعيد، لأنّ هذه الشرائح الاجتماعية لم تتشكل من خلال قوى سياسية إقليمية، ولأن القوائم النسبية ستتشكل على قاعدة الأحزاب السياسية، والبرنامج الاقتصادي- الاجتماعي لها، مما يحد من حالة الفرز الاجتماعي.

ومن الضروري أن يصمم قانون الانتخاب بما يوازن بين تمثيل معتبر للأردنيين من أصل فلسطيني وفي الوقت نفسه الحفاظ على هوية البرلمان من خلال توزيع الدوائر الانتخابية بصورة محكمة.

الوصول إلى هذه المرحلة من التعددية السياسية وتشكيل حكومة الأغلبية يتطلب تدرجاً واختبارات أولية، والانتقال بالقائمة النسبية من نسبة صغيرة إلى أكبر خلال الانتخابات المتتالية، بالتوازي مع إطلاق المسارات الأخرى للإصلاح السياسي.

السؤال الأهم في كل ذلك هو التوافق على الصيغة النهائية للنظام السياسي: ماذا نريد؟ وتحديد خطوات الانتقال إليه، والتأكيد على مفهوم "الوطنية الجامعة" بدلاً من التخندق خلف واجهات اجتماعية وسياسية لن تخدم في نهاية اليوم لا الاستقرار الاجتماعي والسياسي ولا التنمية الاقتصادية والتطور إلى الأمام.

 

 

 


[1]  انظر نص كتاب التكليف على الموقع الالكتروني الرسمي للملك عبد الله الثاني، الرابط التالي:

http://www.kingabdullah.jo/body.php?page_id=691&menu_id=1020&menu_id_parent=435&lang_hmka1=2

 

[2]  انظر: رنا الصباغ، الأجندة المعلقة.. أين يجب أن تكون ومن يقف وراء الخلل؟، العرب اليوم، 1-8-2010، الرابط التالي:

http://www.alarabalyawm.net/pages.php?articles_id=12724

 

[3]  يمكن التقاط ذلك في كتاب التكليف السامي نفسه لحكومة سمير الرفاعي الثانية، إذ ينتقد الملك التعثر في مسار الإصلاح والتباطؤ الذي أصابه، وقبل ذلك كان الملك نفسه يتحدث في مقابلة صحافية من نصائح كانت توجه له تهول من نتائج الإصلاح السياسي، انظر:

http://www.kingabdullah.jo/body.php?page_id=691&menu_id=1020&menu_id_parent=435&lang_hmka1=2

انظر كذلك مقابلة الملك مع مجلة اكسبرس الفرنسية في شهر آب 2008، على الموقع الرسمي للملك، الرابط التالي

http://www.kingabdullah.jo/main.php?main_page=0&lang_hmka1=2، إذ يقول الملك على جوابه فيما إذا ندم على شيء معين “كان يجب علينا ان نتحرك بسرعة اكبر. لدي رؤية لمستقبل الاردن. واحيانا يكون لدي شعور بانه كان علينا ان نشجع الإصلاحات بدون تأخير. العديد من المستشارين حذروني من مخاطر الاصلاح السريع للبلد. ولكن الاردن لا يملك ترف اضاعة الوقت.

[4]  انظر استطلاع الديمقراطية الأخير لمركز الدراسات الاستراتيجيةن إذ تشير النتائج الأولية إلى انخفاض ملموس في شعور الرأي العام بالديمقراطية والحريات العامة.

[5]  انظر: تقرير المركز الوطني للانتخابات النيابية 2007، على الرابط التالي:

http://www.nchr.org.jo/Arabic/ModulesFiles/PublicationsFiles/Files/1.pdf

[6]  انظر نص التقرير على موقع المركز، الرابط التالي:

 http://www.nchr.org.jo/Arabic/tabid/95/mid/448/newsid448/36/Default.aspx

 

[7]  انظر: نص القانون على الرابط التالي:

http://www.jordanelection2010.com/pages/index/29

[8]  قارن ذلك بمداخلة د. إبراهيم سيف يعنوان "هل تبلور العقد الاجتماعي- الاقتصادي الجديد في الأردن"، في ندوة الإصلاح الاقتصادي في الأردن.. إلى أين" عقدت في مركز الدراسات الاستراتيجية بالجامعة الأردنية بالتعاون مع مؤسسة كارنيغي للسلام، بتاريخ 30-4-2007، على الرابط التالي:

http://www.jcss.org/UploadEconomic/116.pdf  

[9]  انظر: الدراسة المهمة التي أعدها الخبير (سابقاً) في مؤسسة كارنيغي للسلام، سفيان العيسة، حول البرنامج الاقتصادي في الأردن وأبعاده الاجتماعية والسياسية، بعنوان "إعادة النظر في الإصلاح الاقتصادي في الأردن: مواجهة الوقائع الاقتصادية والاجتماعية"، ضمن أوراق كارنيغي يوليو 2007، ونص التقرير على الرابط التالي:

 http://arabic.carnegieendowment.org/publications/?fa=view&id=23733

 

[10]  انظر: رؤية د. معروف البخيت، رئيس الوزراء الأسبق، لتشوهات الإدارة العامة وفقدان الثقة بالخصخصة في ورقته التي قدمها لمؤتمر مكافحة الفساد 8 كانون الاول 2010، في تقرير صحيفة الغد 9 كانون الأول 2010، تقرير كل من زايد الدخيل وعبد الله ربيحات.

[11]  انظر تقرير سويس أنفو "حرائق على أبواب الانتخابات النيابية في الأردن"، الرابط التالي:

http://www.swissinfo.ch/ara/detail/content.html?cid=19667738

[12]  انظر حول هذه الجدليات: الزميل حتر يرد على الرنتاوي حول دسترة فك الارتباط، موقع كل الأردن، الرابط التالي:

http://www.allofjo.net/index.php?option=com_content&view=article&id=4355:2010-08-12%2001:08:00&catid=35:2010-06-04-06-06-52&Itemid=258 ، وكذلك: تقرير الموقع الالكتروني عين نيوز: خطوات لاحتواء الجدل الخشن  وفيتو سياسي على قوننة فك الارتباط واسترخاء اجتماعي، الرابط التالي:

http://ainnews.net/15004.html

[13]  انظر: أنيس فوزي قاسم، مواطن انتهت صلاحيته، الغد اليومية الأردنية، 7-2-2010، الرابط التالي:

http://www.alghad.com/index.php?article=16260 ومقال لبييب قمحاوي، الرقص فوق اللهيب: الأردن في الميزان، القدس العربي، 2 أيلول 2010.

[14]  انظر: على سبيل المثال نص بيان اللجنة الوطنية للمتقاعدين العسكريين الذي يوضح هذه الهواجس، على موقع عمون الالكتروني، الرابط التالي:

http://www.ammonnews.net/article.aspx?articleNO=59696

[15]  انظر ما أطلق عليه "تحرك الفصل السابع من الميثاق الوطني" الذي تأسس على وثيقة قدمها رئيس الوزراء الأسبق أحمد عبيدات تؤكد على الوحدة الوطنية والإصلاح السياسي، انظر الرابط التالي:

http://www.ammonnews.net/article.aspx?articleNO=60410

[16]  قارن ذلك ب: استطلاع الرأي لمركز الدراسات الاستراتيجية حول المشاركة في الانتخابات وتوقعات الرأي العام حول المجلس النيابي السادس عشر، إذ تطغى القضايا السابقة على اهتمام العينة الوطنية بصورة واضحة، الرابط التالي:

http://www.jcss.org/SubDefaultar.aspx?PageId=79&EventId=216

* ورقة قدمت إلى ندوة أقامها مركز الهوية للدراسات في عمان أوائل فبراير 2011.