الصيغة التي يمكن أن تشكل الاختراق مستقبلاً هي الجمع بين النظام الديمقراطي والطبيعة المحافظة لمجتمعاتنا

مشاركتي في ندوة السبيل "الدولة المدنية والدولة الدينية": مفهوم "الدولة الإسلامية" ومرحلة "الثورة الديمقراطية"

 

 

1-              ابتداءً، لا يوجد مفهوم محدد واضح منضبط لتعريف الدولة الإسلامية أو تحديد تفاصيل النظام السياسي في الإسلام، باستثناء "مفهوم الشورى"، ما دون ذلك فهنالك قصور حقيقي في بناء النظرية السياسية الإسلامية، بالرغم من محاولات قام بها بعض المفكرين والفقهاء الإسلاميين، وجهود المعهد العالمي للفكر الإسلامي، إلاّ أنّ إنتاجه بقي محصوراً في دوائر نخبوية، من دون أن يترجم في خطابات سياسية وشعبية عامة.

2-              هنالك قواعد وقيم عامة ومحددات رئيسة يمكن استنباطها من مظانها في مصادر التشريع الإسلامي، لكنها لا تدخل في تفاصيل النظام وحيثياته، وما كتب إلى الآن في ظني ما يزال محدوداً في استنباط هذه القواعد والبناء عليها. أما محاولات تفسير الخبرة التاريخية الإسلامية فهي تبقى اجتهادات وتأويلات، وقراءات متضاربة، يمكن أن تقدم الشيء ونقيضه في آن واحد، كالحديث عن مرحلة الخلافاء الراشدين وعملية انتقال السلطة فيها.

3-              أغلب التراث السياسي الإسلامي هو نتاج الظروف التاريخية والإكراهات الواقعية، سواء في الحديث عن شرعية السلطة السياسية أو الخروج عليها أو انتقال السلطة أو غيرها من قواعد وأحكام فقهية وخلاصات فكرية قدمها التراث الإسلامي.

وأنا شخصياً أميّز بين عدة مدارس في الفقه السني، لأنّ هنالك مدارس أخرى لها أصول مختلفة وتأصيلات مغايرة (الخوارج، الشيعة، المعتزلة)، وتحديداً بين مدرستين؛ النظرية كما كانت الحال مع المواردي، وواقعية وهي الغالبة (الفقه المالكي، ابن جماعة، الغزالي، ابن خلدون، ابن تيمية)، وهذه المدارس ارتبطت بالظرف التاريخي، فيما كان تأثير "النص الشرعي" محدود جداً، لذلك عندما نقرأ جملة لابن تيمية بأنّ "حاكم ظلوم خير من فتنة.."، فهو يختمها بدلالة الخبرة والتاريخ، وليس بالنص الشرعي الذي لا نجده.

4-              إذا بدأنا من هذه المقدمة، فإنّنا لسنا أمام خطاب واحد في تعريف ماهية الدولة الإسلامية وتوصيفها، وإنّما أمام خطابات متباينة ومختلفة، فالخطاب الإصلاحي تحدث عن الدولة المدنية والديمقراطية، والخطاب الإحيائي- الإخوان ركّز على جانب الهوية أو الأيديولوجيا، لكن حتى في الخطاب الإحيائي، هنالك فجوة عميقة وتناقضات كبيرة بين تصوّر راشد الغنوشي، مثلاً للدولة الإسلامية في كتابه "الحريات العامة في الدولة الإسلامية"، وتصوّر حركة طالبان أو أيمن الظواهري مثلاً، وأبو محمد المقدسي أو حتى تقي الدين النبهاني وحزب التحرير الإسلامي، أو النموذج الذي يقدمه حزب العدالة والتنمية التركي (مع تحفظ الإسلاميين والعلمانية على طبيعة علاقته حالياً بالإسلام السياسي، لكنني أعتقد أنه النسخة النهائية لمسار التحولات الإسلامية السياسية، وقد قطع المسافة المتبقية بين البراغماتية والأيديولوجيا).

5-              لذلك؛ عندما نستخدم مصطلح الدولة الإسلامية فلا بد من توضيح المفهوم والمقصود، وهو ما يقع فيه بعض العلمانيين والإسلاميين على السواء، ورأينا هذه المناظرة بعد تصريح القيادي الإخواني، خيرت الشاطر، بالسعي لإقامة دولة إسلامية، ما أدى إلى عاصفة من الجدالات والسجالات، وهبّ التيار العلماني للإمساك بـ"فزّاعة الإسلاميين" فوراً، فيما عاد الإسلاميون إلى "مربع الدفاع عن النفس".

6-              بلا شك ما تزال هنالك اختلافات جدّية فكرياً وفقهياً في الأوساط الإسلامية في تحديد مفهوم الدولة الإسلامية وسماتها، إنّما برصد ما حدث خلال السنوات الأخيرة من تطورات في خطاب الحركات الإسلامية وبعض المؤسسات المهمة، نجد أنّنا أمام تشكّل اتجاه عريض عميق في الخطاب السياسي تبدو الفرصة مواتية أمام تماماً في اللحظة الراهنة لتشكيل الطريق العام مستقبلاً، ما يمثّل انقلاباً على هيمنة التراث الإسلامي ووصوله لدى بعض الجماعات إلى مرتبة موازية للنص.

7-              في مرحلة الثورات الديمقراطية العربية، بتنا نجد أن خطاب حركات إسلامية، مثل الإخوان المسلمين، والنهضة التونسية، والعدالة والتنمية المغربي، وغيرها من حركات هنا أو هناك، لم يعد متردداً في قبول الديمقراطية والتعددية، بل بات هدف الوصول إلى دولة ديمقراطية مدنية وإلى دستوريات معاصرة تقدمية هدفاً معلناً واضحاً لدى الإسلاميين، وحلّ في خطابهم السياسي في موقع موازٍ تماماً للتركيز السابق على الدولة الإسلامية في مرحلة الخمسينات إلى التسعينيات، بمعنى آخر: لم يتنازل الإسلاميون رمزياً ورسمياً عن مشروعهم "إقامة الدولة الإسلامية"، لكن هذه لحم هذه الدولة وعظمها هو الديمقراطية والحكم الدستوري والتعددية السياسية، فلم تعد هذه المفاهيم محل نقاش أو جدل بل أصبحت من المسلّمات في خطاب الحركات الإسلامية، وقد انخرطت في الحراك السياسي الشعبي العربي، وتوافقت مع الجميع على هذا الهدف.

8-              يمكن العودة مبدئياً إلى مبادرات الحركات الإسلامية قبل أعوام التي تكشف قبولها بالديمقراطية ومضامينها، ومن ثم أخيراً نجد قفزة كبيرة في مشروع الإصلاح الذي تبنته جماعة الإخوان المسلمين في الأردن، قبل أشهر قليلة، إذ يتضمن الإيمان الكامل بمباديء العملية الديمقراطية، بل وقد جعل ذلك الهدف الرئيس للحركة الإسلامية خلال المرحلة المقبلة.

9-              تطور مهم وحيوي جديد حدث مع وثيقة الأزهر لمستقبل مصر، التي أعلنها مؤخراً شيخ الأزهر، أحمد الطيب، وهي وثيقة مهمة جداً، من الناحية التاريخية والفقهية، من زوايا متعددة، الأولى لأهمية الأزهر وقيمته ومكانته، والثانية لقيمة مصر ومحورية دورها وتأثيرها، والثالثة لما تضمنته من وثبة كبيرة في  الفقه الإسلامي- الرسمي، عندما حدّدت صيغة الدولة الإسلامية بـ" الدولة الوطنية الدستورية الديمقراطية الحديثة، التي تعتمد على دستور ترتضيه الأمة، يفصل بين سلطات الدولة ومؤسساتها القانونية الحاكمة، ويحدد إطار الحكم وييضمن الحقوق والواجبات لكل أفرادها على قدم المساواة..". وتعرّف الوثيقة طبيعة النظام الديمقراطي بالقول: "اعتماد النظام الديمقراطي القائم على الانتخاب الحر، الذي هو الصيغة العصرية لتحقيق مباديء الشورى الإسلامية، بما يضمنه من تعددية ومن تداول سلمي للسلطة، ومن تحديد للاختصاصات ومراقبة للأداء ومحاسبة للمسؤولين أمام ممثلي الشعب، وتوخي منافع الناس ومصالحهم العامة في جميع التشريعات والقرارات، وإدارة شؤون الدولة بالقانون – والقانون وحده وملاحقة الفساد وتحقيق الشفافية وحرية الحصول على المعلومات وتداولها..".

10-        ما نشهده اليوم من عودة إلى الاستقطاب بين التيار الإسلامي والعلماني في مصر وتونس، وللآسف استعادة بعض العلمانيين استخدام "فوبيا الإسلاميين"، كما كانت الأنظمة السابقة، هذا الفرز الجديد يتطلب حواراً معمّقاً لا بمستوى التراشق الذي يتم على السطح، بلا قيمة حقيقية، ويتطلب أيضاً الاشتباك مع الهواجس الحقيقية للنخب العلمانية التي عادت التيار الإسلامي خلال العقود الماضية، وتشعر اليوم أنّها ستخسر من التحولات الديمقراطية مع بروز هذا التيار وهيمنته على الشارع، والتحولات الثقافية الشعبية نحو النسق المحافظ والتدين عموماً.

11-        ذلك أنّه في الوقت الذي تقدّم فيه الحركات الإسلامية خطاباً يعيد تعريف أهدافها وفلسفتها السياسية باتجاه الاعتماد الكامل للديمقراطية، بالتوازي مع وثيقة الأزهر التاريخية، فإنّ على التيار العلماني أن يفرّق بين موقفه من الحركات الإسلامية ومن "الصيغة التي تحكم علاقة المجتمعات العربية والمسلمة بالدين"، إذ تنضوي على اختلاف كبير عن الخبرة الغربية.

بيت القصيد، هنا، أنّ الانطلاق من فكرة العلمانية الصلبة القاسية في عزل الإسلام عن التأثير الكامل في السياسة والمجتمع والأفراد هو السبب الحقيقي اليوم في الفجوة بين التيارات العلمانية والشارع، والعكس صحيح أي تماهي الإسلاميين مع الروح الحضارية للمجتمعات العربية هو الذي يمنحهم القوة.

تلك هي خصوصية المجتمعات العربية والمسلمة، فالإسلام مكون رئيس في الثقافة والسلوك والاتجاهات السياسية والإنسانية، وطبيعة الإسلام تختلف عن الديانات الأخرى، ما يعني أنّ الصيغة التي يمكن أن تشكل الاختراق مستقبلاً هي الجمع بين النظام الديمقراطي في الحكم (تداول السلطة، التعددية، المعارضة، الحريات العامة والخاصة...)، والطبيعة المحافظة للمجتمعات العربية والمسلمة، أي عدم اختراع صدام مع الدين في المجتمعات، لأنّ من يعمل على ذلك سيخسر الرهان، وقد حدث ذلك سابقاً وبقيت العلاقة الوطيدة بين المجتمعات والدين، برغم الحديد والنار في اليمن الجنوبي، وسوريا وتونس وغيرها من نماذج وحالات.

12-        في المقابل؛ على الإسلاميين أيضاً الاعتبار من نماذج إسلامية حاولت فرض الإسلام على المجتمع والأفراد بصيغ معينة، فأدى ذلك إلى ردات فعل عنيفة على الإسلام السياسي نفسه، كما هي الحال في إيران، فسؤال الحريات العامة والشخصية يحتاج إلى تأصيل إسلامي عميق للتعامل معه، وهنا يجدر الإشارة فقط إلى أنّ مصادر التنظير الإسلامي ركّزت أكثر على الأفراد والجماعات- المجتمعات وليس على الدولة أو الحكم، وهي فكرة يمكن أن تولّد نقطة قوة حقيقية في رصد التيار الإسلامي مستقبلاً، أي التركيز على المجتمعات وثقافتها باعتبارها العنصر الأكثر أهمية وحضوراً بدلاً من التركيز على مفهوم الدولة والسلطة، والإكراه والقوة.