"جنوننا" القادم!

       ياللقصير ما أخطرها على مستقبلنا!

    بالرغم أنّ "معركتها" لم تدم سوى بضع أسابيع، ولم تكن متكافئة أبداً بين ثلاثة قوى إقليمية كبرى ومجموعة من الشباب، الذي لا يمتلك حتى ما يكفيه من الذخيرة يدافع عن آلاف المدنيين العزّل، إلاّ أنّ نتائجها أثخنت في جراح ملتهبة لتخرج عملاً ودماً، فأحيت مدفوناً، وأشعلت ناراً وقودها هستيريا الصراعات الطائفية والتاريخية، وفجّرت نزعاتٍ الغرائزية، فلم تعد تميّز بين لغة الأكاديمي والمفكّر ولغة العاميّ والجاهل!

    معركة القصير لم تنته، يا سادتنا الكرام، بل سيطرة الجيش السوري هي البداية، أمّا امتداداتها ففي بغداد والأنبار وضواحي بيروت، وسجالات عمّان والقاهرة وتونس، وميدان اللؤلؤة في البحرين والقطيف في السعودية، وصداها الأسود في خطابات حسن نصر الله ويوسف القرضاوي، وقادتها الفاعلون هم قاسم سليماني والفاتح أبو محمد الجولاني!

    صحيح أنّ تورّط حزب الله إلى جانب النظام السوري، ودخول "القاعدة" مع الثوّار لم يبدأ مع القصير، إلاّ أنّ القصير كانت العنوان الرسمي العلني لدخول آلاف من مقاتلي الحزب، ثم خطاب نصر الله وتبريره العلني المخجل لذلك، مما قلب الأوراق ليس على أرض الميدان (في موازين قوى غير متكافئة)، بل حتى في الشارع العربي بأسره، فأجّج صراعاً طائفياً، بدايته في القصير، أمّا نهايته فلا يعلم بها إلاّ الله!

     من كان يصدّق أنّ جماهير عربية تفرح عندما ترى دبابةً سورية مشتعلة أو عقيد طيّار حربي منشق، أو وقع في يد الثوّار، وهو في حالةٍ من الذلّة، أو نكبّر إذا أسقطنا طائرة حربية دفع الشعب السوري ثمنها من قوت أبنائه، ثم شربت صواريخها من دمائهم ومزّقتهم أشلاءً ببراميل متفجّرة، أيُّ متاهةٍ هذه!

   من كان يتوقّع أنّ أبناء الضاحية الجنوبية يوزّعون الحلوى عندما تقتحم قوّاتهم القصير وتقتل المئات، وتبدأ صيحات المجتمع الدولي بالخوف من مجازر دموية بحق المدنيين المتبقّين، وأنا أؤكد لكم مما أقرأه من مواقع مختلفة، من تعبئةٍ طائفيّة، أنّ المجازر بحق أهالي المدينة وقعت فعلاً!

   لم أكن في يومٍ من الأيام أتصوّر أن أسمع خطاباً من الشيخ القرضاوي، الذي يتحدث عن التقارب السنّي- الشيعي، وكان من أشدّ المدافعين عن حزب الله والمقاومة أن يسم حزب الله بأنّه حزب الشيطان، ويخاطب المسلمين السنّة مستغرباً: كيف يغلبهم مئة مليون شيعي فقط!

   كيف يمكن أن تتحوّل المحبة والتحالف بين "الإخوان" و"إيران" إلى عداوة، وأن تنقسم النخب المثقّفة العربية ما بين "صفويين" و"عثمانيين"، حتى بدأنا نرى يساريّي "ولاية الفقيه"، و"سلفييّ" العلمانية التركية!

    ثمّة حالة من الجنون والهستيريا تجتاح الشرق العربي، وتتصدّر اللغة الطائفية أغلب النقاشات والسجالات، وتنتقل الحروب من ريف دمشق وإدلب وحلب إلى ضواحي طرابلس وتخلق خطوط الدم والنار في الأنبار وبغداد، كلّما طال أمدّ "الحرب السورية" فإنّ هذا السيناريو الكارثي سيردّنا إلى "أسفل سافلين"!

   ما يقلق أكثر وأكثر، أنّ تداعيات ما يحدث في سوريا، من سطوة الصورة وهيمنتها، لا تقف عند حدود التجاذبات والانقسامات الشعبية والنخبوية، ولا خطورتها على حلم الديمقراطية والإصلاح، بل حجم الدمار الأخلاقي الكبير في ثقافتنا وسلوكنا، فما نشاهده من شتائم واستسهال القتل بأبشع أنواعه والذبح والروح الطائفية، كل هذا ينعكس بصورة غير مباشرة على الشعوب والمجتمعات الأخرى، حتى على أصول الحوار، فلا نتناقش في أيّ موضوع إلاّ ونشهر سلاح التخوين والاتهام في وجه بعضنا، وذلك أحد أعراض ثقافة "الحرب الأهلية"، بأيّ صيغة أو صورةٍ كانت!