خاطرة عن الفساد وطبائعه

الداء هو الفساد، ينخر في العظم إذا لم يجد الناس قضاءً مستقلاً فاعلاً لمواجهة الفاسدين، ومؤسسةً برلمانية قادرة على الدفاع عن حقوق الشعب وماله العام، ومسؤولين لديهم الجرأة ليس فقط برفض المشاركة في نهب المال العام، بل والوقوف بصلابة وتماسك ضد ذلك، وفضح الفساد على الملاء.  

الفساد يهدم مصداقية الدولة لدى المواطنين جميعاً، ويؤدي إلى فقدان الإيمان بقيم الدولة وبالضمير الجمعي، فتبدو الدولة مثل الرجل المريض العاجز، الذي يخشى من أبنائه الفقراء الضعفاء الشباب المحرومين، وهم يحمّلونه المسؤولية الكاملة عن أوضاعهم الاقتصادية المتدهورة، لأنّه فرّط في أموالهم وتلاعب بقوت يومهم، وباع ما ورثه من أبائه بسبب إهماله!

فالمسؤول الفاسد يبقى دائماً خائفاً قلقاً محلّاً للابتزاز، والدولة التي ينتشر فيها الفساد ستكون دولة مرعوبة رخوة، ولن تكون قادرة على إعمال القانون والمواطنة، ولا القبول بالديمقراطية الحقيقية التي تؤدي إلى محاسبة الفاسدين والمفسدين.

المفارقة أنّه إذا لم يكن هنالك شفافيةٌ في الأروقة الرسمية، وتمكينٌ من حق الحصول على المعلومات، ومحاسبةٌ، وإعلامٌ حرٌّ مهنيٌّ؛ فإنّ النتيجة لن تكون بالنجاح في "إخفاء الفساد"، بل ستؤدي إلى  تضخيمه لدى الرأي العام، ليبدو وحشاً رهيباً، يقتات على مائدة المواطنين من خبز أبنائهم وحقوقهم الأساسية.

[caption id="attachment_1379" align="alignleft" width="180" caption="صورة تعبيرية لجراثيم"][/caption]

في المحصلة، فإنّ مثل هذه البيئة السياسية ستؤدي إلى تجذير الفجوة بين الدولة والمجتمع، وتصيب العلاقة بينهما بأمراض الشك، والمزاجية السلبية، وسيصبح عنوانها: هيمنة خيبات الأمل مشاعر السخط والإحباط، وهي جميعاً شروط للانفجارات والزلازل السياسية، والاختلالات الداخلية.

 

"طبائع الفساد" ستنعكس على عمل مختلف مؤسسات الدولة وأجهزتها، فلن يقبل المسؤول الصغير أن يكون "الفساد" حكراً على المسؤول الكبير، وسيسعى للحصول على حقه من "الكعكة"، وسيقبل بالمال الحرام يدخل لأبنائه، طالما أنّه لا يجد باباً آخر، وسيتحايل على نفسه بدعوى أنّ ما يسرقه لا يساوي شيئاً أمام الملايين التي تنهب.

 

لن تصلح الأحوال وتقوى البلاد وتستعيد صحتها وعافيتها، ولن تعود ثقة المواطنين بالدولة، إلاّ إذا تخلصت من جرثومة الفساد، أو خلقت "ميكانزما المناعة" الفاعلة، التي تخلق شعوراً معاكساً لدى المواطنين أنّ الأصل هو النزاهة والشفافية والاستقامة في إدارة المال العام وليس الفساد والنهب والاستهتار.

 

الفساد ليس موضوعاً هامشياً أو ثانوياً أو قصة يتسلّى بها الناس في أوقات فراغهم، بل هو الملف الأكثر أهمية الذي يثير المرارة والسخط لدى المواطن البسيط.