في ذمّة رابعة!

محمد أبو رمان

ما تزال الكثير من التطورات والتداعيات، وأحداثها متخمة بالرسائل والخلاصات، يختزلها لنا أحد تعليقات الشباب الإسلامي عندما نشر على صفحته "تنظيم القاعدة يرحّب بكم في فرعه الجديد في مصر، بعد أن تمّ افتتاح فرعه في سوريا"!

ذلك مجرد مثال واحد من مئات الأمثلة على صدى رابعة في أوساط التيار الإسلامي عموماً، وليس الإخواني فقط، وربما يلخّص ذلك ما قاله لي أحد الشباب الإخوان وأنا أناقش أهمية المراجعات الداخلية لدى الجماعة بعد التجربة المصرية، فقال "نحن أعلنا القبول بالديمقراطية وبصناديق الاقتراع، وتنازلنا عن إقامة الدولة الإسلامية، وهو ما اعتبرته الجماعات الإسلامية الأخرى خيانة، وتحلّينا بأكبر قدر من المرونة، والتزمنا بالسلمية في اعتصاماتنا بالرغم من الانقلاب العسكري، ثم بعد هذه المذابح؛ هل تعتقد أنّ أحداً من الإسلاميين سيصدّق قصة الديمقراطية؟! وهل بقيت هنالك مصداقية للعبة الديمقراطية مع أجندتي الغرب الذي تواطأ والعالم العربي الذي تآمر لاغتيال الديمقراطية، وإذا كنت تتحدث عن أخطاء الإخوان في مصر، فالسيناريو نفسه ينسج اليوم في تونس، بالرغم من البراغماتية الشديدة للنهضة هناك، فهل المطلوب هو الخضوع للابتزاز وتسليم السلطة لأطراف ليس لها حضور ولا وجود حقيقي في الشارع"!

ما حدث في رابعة لا يشبه كثيراً أحداث الانقلاب العسكري على نتائج جبهة الإنقاذ في العام 1992، حينذاك أعطى قادة الجبهة أنفسهم مبررات وذرائع للطرف الآخر باختطاف الجزائر هذه السنوات، إذ بمجرد إعلان النتائج بدأ قادة الجبهة يؤكدون على إقامة الدولة الإسلامية، وبعدها مباشرة دخلت البلاد في صدام مسلّح! أمّا في الحالة المصرية، فالإخوان بقوا متمسّكين بالديمقراطية وصناديق الاقتراع وبالسلمية، وكل ما أثير حولها يتعلّق بـ"أخطاء" في إدارة المرحلة الانتقالية، ومخاوف لدى العلمانيين والتيارات الأخرى من "الأجندة الإخوانية"، كان من المفترض أن يحسم ذلك ضمن قواعد اللعبة وفي إطار صناديق الاقتراع، وفي معارك التنوير والفكر والسياسة، لكن الأطراف السياسية المعادية للجماعة توافقت على "الحل العسكري".

اليوم، تحفل صفحات الإخوان (على مواقع التواصل الاجتماعي) بنصوص سيد قطب، ويعود التيار الراديكالي بقوة، ليلوم الإخوان والإسلاميين الآخرين على القبول بالتنازلات السابقة، فيما تحظى الجماعة بتعاطف كبيرة في أوساط شعبية، تشعر بأنّ الانقلاب العسكري غير مبرّر وأحداث رابعة تتنافى مع القيم الإنسانية والأخلاقية، ما يعزّز من قوة التيار الإسلامي وحضوره، لكن ضمن فصول جديدة في الصراعات العربية الداخلية!

في ذمّة رابعة، أيضاً، صورة المؤسسة العسكرية العربية والجيوش، وهي صورة تهشّمت وتكسّرت، على وقع أحداث مصر وسوريا قبل ذلك؛ إذ بتّ أشعر بالخجل وأنا أجيب على أسئلة ابني الصغير، وهو يرى البنادق والأسلحة توجّه للمدنيين في كلا الدولتين، ولم أعرف كيف أجيب على سؤاله: "لماذا تقف الجيوش ضد الناس مش ضد إسرائيل؟!" هل تستطيعون أنتم الإجابة على ذلك؟!

في ذمّة رابعة، ثالثاً، الانهيار في التحالفات السياسية بين الإسلاميين والقوميين واليساريين، وهي انهيارات بدأت مع سوريا وتكرّست تماماً مع الأحداث الأخيرة، وأحسب أن هذه القوى جميعاً تعاني من أزمات فكرية وأيديولوجية، لكن المفارقة أنّ تسليط الضوء يتم على الإخوان ومدى إيمانهم بالدولة المدنية والديمقراطية، وهي أسئلة مشروعة، لكن لماذا ننسى الطرف الآخر الذي لا توجد في خبرته السياسية ولا في أدبياته الأيديولوجية أي احترام أصلاً أو دلائل على الإيمان بالديمقراطية، بل كل ما يحدث يؤكّد أنّه يعشق الحكم العسكري ومتيّم به، منذ الثورة البلشفية إلى اليوم، أليس هو أيضاً يحتاج إلى مراجعات!