لا تقلقوا!

تبدي شريحة عريضة من المواطنين العرب قلقاً مشروعاً على مسار الثورات الديمقراطية، في مصر وتونس، وتلك التي ما تزال في الطريق. فيما تحاول الأبواق الإعلامية الحكومية النفخ في المشكلات والجدالات التي تحدث في هذه الدول، بدعوى أنّ ما هو قائم أفضل مما تعد به تلك الديمقراطيات، وباستعادة الذريعة التقليدية: عدم أهلية المجتمعات العربية للديمقراطية.

الديمقراطية لن تأتي بلحظةٍ زمنية، وهي ليست وصفة سحرية ولا عصا موسى، ولا من المتوقع أن تتخلص مجتمعات من أمراض الاستبداد بين ليلة وضحاها، ولم يقل أحدٌ عاقل ذلك، لأنّه مناقض لسنن التاريخ والمجتمعات. ومن يقرأ التجربة الأوروبية لن تكون لديه أوهام من هذا القبيل.

الأمر، وما فيه، واضح ومحدد وهو أنّ الشعوب العربية للمرّة الأولى عرفت قيمة الحرية والتحرر، ولم تعد مستعدة للتنازل عن كرامتها الإنسانية، ولا القبول بالمفاهيم القروسطية في العلاقة مع الحاكم، لأنّ المعادلات السياسية في العالم العربي قد وصلت إلى نهاياتها، ولا يمكن أن تكون بحال من الأحوال وصفةً محترمة أو إنسانية لمستقبل الأجيال المقبلة.

ما يحدث حالياً هو أنّنا نفتح الباب المغلق، عربياً، ونبدأ طريقاً طويلةً ومتعرجة لتحقيق المسار الديمقراطي، الذي يكفل لنا جميعاً، عندما يستقر ويمتد، مجتمعاتٍ مسؤولةً وحكوماتٍ مساءلةً، واحتراماً لحقوق الإنسان وكرامته وحرياته، وإدارةً قانونية- عقلانية للمقايضات الاجتماعية والسياسية.

المسافة بين طرق باب الحرية والتحرر والكرامة وبين ترسيخ المؤسسات والقيم والثقافة الديمقراطية والسلوكيات العقلانية هي – بلا شك- مسافة طويلة، تتخللها سجالات فكرية وثقافية عميقة، وصراعات سياسية، ومحاولات التفافية.

ذلك كله أمرٌ طبيعي، لكن الانتكاسة إلى مرحلة "القهر والتغلب" ليس مطروحاً - بعد الآن- في قاموس الإنسان العربي. بل إنّنا ما زلنا متآخرون كثيراً عن ركب المجتمعات الأخرى، وأغلب دول العالم، التي استقرت على هذا الطريق ومضت فيه.

القضية، اليوم، لدى المواطن العربي واضحةٌ تماماً: الحرية مفتاح الدخول إلى المستقبل، وهي الشرط الموضوعي الحقيقي للأمن المجتمعي والجماعي والمستقبلي، وهي وحدها العنوان الرئيس لمعركة الإنسان العربي، فإمّا حريتي وإما شهادتي. بعد ذلك تأتي معركة ترسيخ المواطنة والتوافق على القوانين وصيغة النظام السياسي (رئاسي، برلماني، ملكي دستوري،..)، والمواد الدستورية والعلاقة بين الدين والدولة، والتنافس بين الأحزاب المختلفة.

ما هو مطروح حالياً هو شعور الإنسان العربي بحريته وكرامته وتحرره من قيود الخوف، التي أثقلت روحه وعقله، ومن أوهام الرعب من الأمن والسياسة، والثقافة المتوارثة والموروثة، التي اغتصبت إنسانيته وشعوره بذاته وجعلت منه "مخلوقاً" لا إنساناً.

اللحظة الراهنة هي إرادة تكسير القيد وإعلان الوجود: "إنسان عربي جديد"، هذه هي الرومانسية الثورية، ثم عندما تنجز مجتمعات المهمة، فمن الطبيعي أن ننتقل إلى "الثورية الواقعية"، وأن نخوض المعركة الأطول في بناء الأمم والمجتمعات والدول، لكن بمفاهيم وعقود جديدة يصوغها مواطنون يمتلكون شرط الحياة وهي الحرية.