لماذا قتلوا (معتز) الشعار؟

لم يكن معتز الشعار (ابن الـ22 عاماً)، طالب الحقوق بجامعة دمشق، من جماعة الإخوان المسلمين ولا من الحزبيين المتمرسين، ولا مهتماً –في الأصل- بالسياسة وشؤونها. فهو من أسرةٍ رضيت الحياة أسيرة الخوف من السياسة وشراء راحة البال، والقبول بأسوأ أنواع القمع السياسي، كغيرها من ملايين الأسر السورية والعربية.
إلاّ أنّ الأقدار رسمت له ولعائلته ووالده طريقاً أخرى، لم تكن في الحسبان. ففي شهر نيسان (أبريل) الماضي، كان مع والده في زيارة اجتماعية، قبل أن تدركهم الصلاة في جامع الرفاعي بدمشق. وعندما خرجا معاً من المسجد شاهدا مظاهرة سلمية تطالب بالحرية. نظر معتز لوالده فقال له " يا والدي لماذا لا نقف معهم قليلاً، فنكثّر سوادهم حتى لا يستفرد بهم الأمن ويتعرّضوا لقمع همجي؟". حاول الأب إقناع معتز بأنّه لا جدوى من ذلك، وأنّ "الكف لا تقاوم المخرز"، وأنّ الطرف الآخر مجرم يمكن أن يقوم بأي شيء.
إلاّ أنّ الوالد رضخ عند إصرار معتز على المشاركة والشعور بالكرامة الإنسانية، فهو شعور جامح لدى الشاب، لم يستطع الأب بالرغم من عواطف الأبوة الجيّاشة والخوف الشديد على هذا الشاب، الذي دفع له دم قلبه حتى بلغ هذا العمر، إلاّ أن يوافق بقلق وحذر، حتى انكبت الشرطة وأعوانها بالضرب الشديد والقمع بالحبال والهراوات على رؤوس المتظاهرين. لكن الجمعة مرّت بسلام، وعاد الأب والابن إلى منزلهما.
في الجمعة التالية، أدركتهما الصلاة عند مسجد الحسن في حي الميدان في دمشق، وأصرّ معتز على الوقوف مع الناس، برغم المخاطر ورضخ الأب، ومرّت الجمعة كذلك بسلام.
هذه فقط علاقة الشاب بالثورة السورية، إلى أن جاءت الجمعة الثالثة في الثاني والعشرين من نيسان (أبريل)، إذ قطعت مسيرة الطريق إلى منزلهما في داريا بالقرب من دمشق، فأصرّ معتز على والده للنزول من السيارة والوقوف مع المتظاهرين إلى أن يفتح الطريق، و"تكثير سوادهم"، لعلّ ذلك يمنع الأمن من استهدافهم، ووافق الأب على مضض، أمام جسارة مطالب الشاب وقوة حججه وبدهيتها.
ومع بدء هجوم الأمن على المتظاهرين الذين يطالبون بالإفراج عن المعتقلين، كان نصيب معتز، فوراً، رصاصات في الصدر. حاول الأب المصدوم والمكلوم أن ينقذ ابنه في أنفاسه الأخيرة، وهو ينزف 15 دقيقة في الشارع، فكان نصيبه سياطاً وهراوات مزقت ظهره وعلى رأسه، فحمل ابنه إلى المستشفى بيديه حتى فارق الروح هناك! لم تسلم الأسرة بعد ذلك، فاعتقلت قوى الأمن أشقاء معتز (الإرهابي والمجرم!)، وربما قائد عصابة مسلحة في رواية الأمن السوري، أحدهم في الصف التاسع والثاني في الصف الحادي عشر.
هذه ليست فنتازيا أو رواية محبوكة من الخيال، بل قصة واقعية يرويها الأب بنفسه إلى جوار جثمان ابنه الشهيد

(http://www.youtube.com/watch?v=FCBloE6VJlU).
بالنسبة لنظام الممانعة العظيم وأوليائه هنا وهناك، فإنّ الأب قتل ابنه عندما سمح له بالشعور للحظة بأنّه إنسان له كرامة وفيه إحساس بشيء يسمّى إنسانية، لا يملك أن يسكت على الظلم أو ضرب الناس بالشوارع، فقط لأنّهم يطالبون بحقوقهم وحريتهم والإفراج عن المعتقلين، فالأب –كما في حديثه- حاول مقاومة هذا الشعور الطاغي لدى الشاب، لكنه فشل، هذه جريمة كل من الأب والابن والأسرة التي دفعت هذا الثمن الغالي.
يا الله! كم هنالك من القصص والروايات التي ستظهر حجم التضحية والصبر لدى أهل الشام، حماهم الله.