ماذا قال ابو صابر للرئيس؟..

محمد أبو رمان

لم يكن أستاذ اللغة العربية أبو صابر، في مدرسة الحسين بن علي بن أبي طالب الحكومية، وهو المواطن الأردني المرابط على هذا الثغر الوطني الحيوي، يتوقع تلك التصريحات الجميلة من رئيس الوزراء الجديد، القاضي عون الخصاونه، فقد لامس الخصاونة وتراً حسّاساً وجرحاً دفيناً لدى أبو صابر، عندما تحدث عن العدل والظمل والإنصاف.

تمعّن صديقنا كثيراً في تصريحات الرجل، منذ اللحظات الأولى لتكليفه، فلمس بوضوح أنّه محكوم بنزعته القانونية والحقوقية، وما يحمله حتى من ثقافة أدبية هي بمثابة مداميك أخرى لهذه الوظيفة المقدّسة، التي تعظّم من قيمة العدل ومن وخامة الظلم. فثالوث "العدل والنزاهة والإنصاف"، هي "متلازمة" على لسان القانوني العريق، عند حديثه عن الحلول المطلوبة للأزمة السياسية ولطبيعة تعامله مع التحديات القابعة بانتظاره.

انبهر صاحبنا باستغراق خطاب الرئيس في المصطلحات الحقوقية، فحتى مفهوم الإصلاح، لديه ليس فقط بسبب الربيع العربي، بل " لأنّه ما يجب أن تكون عليه الدول، أي مبنية على العدل والنزاهة والإنصاف".

ومعيار اختيار الوزراء عنده  هي "النزاهة"، وهو مصطلح مناقض تماماً للفساد، الذي تلبّس شريحةً كبيرةمن المسؤولين السابقين، ممن أوغلوا فيه أو قبلوا بالسكوت عليه. 

سرح كثيراً أستاذ اللغة العربية بهذه المصطلحات فهي منبثقة من معين ثقافة الرئيس القانونية، وأولوياته من صميم مهنته بوضع العدل ورفع الظلم، وإنصاف الناس، والنزاهة في الحكم.

تلك المشاعر لم تبق حبيسة الروح، فقد استنطقها أبو صابر في عقله الباطن، ووجد نفسه في المنام يحاور رئيس الوزراء، بعد أن التقى به صدفةً عند (سوبرماركت) متواضع، فبادر أبو صابر بمباركة الموقع الجديد والشعور بالارتياح أنّه رأى المسؤول الكبير وحيداً يتبضع في محلّ متواضع، مما شجعه على فتح حوار قصير، لخّص فيه رسالته، عندما سأله الرئيس عن الأحوال والتوقعات.. 

وجد أبو صابر نفسه يندفع فوراً ليهمس للرئيس أنّه معجب بمصطلحاته وحديثه عن الإنصاف والنزاهة والعدل، قائلاً " ذلك باختصار ما يريده الشعب فعلاً. لكن هل تستطيع يا دولة الرئيس تحقيق ذلك، ومواجهة الحيتان والقوى القائمة على منطق الظلم والتعدّي والاختلال في الموازين! التحدي ليس سهلاً، لكن كما تقول المهمة أولاً هي النوايا الصادقة"!

لم يخيّب الخصاونة آمال أبو صابر، فبادر بسؤاله: ماذا تنصحني إذن؟

تملّكت الشجاعة أبو صابر وقال متماسكاً، وهو المحتقن من الفساد والمكتوي بنار الأسعار والغلاء وهموم الحياة اليومية "مهمتك أيها الرئيس أن تنتقل في دورك ووظيفتك المقدّسة من القضايا الفردية أو القضايا الدولية بين الدول إلى العلاقة بين الدولة والمجتمع والأفراد، وهنا تحديداً لا بد من إعادة تعريف مفهوم الظلم والعدل على السواء".

لم يكتفِ الرئيس بذلك، وفاجأ توقعات أبو صابر، عندما سأله مرّة أخرى، وكيف يكون ذلك، رجاءً؟..

هنا، تحديداً، انفجرت مشاعر صاحبنا وتأججت هواجسه، التي يشارك فيها الأغلبية الطاغية من المواطنين"، فخاطبه بالقول: " أيها القاضي؛ هنالك مظلوميات وظلمات عمّت وطمّت، ووحوش نهشت في خيرات في البلاد، ولا نبالغ إن قلنا لك أنّ ما حرّك - ويحرّك- الشارع هو الظلم بأنواعه المختلفة وألوانه المتعددة، فمذاق الفقر مقدور عليه بين الناس، وربما يحتملونه، لكن ما لا يطيقونه هو الظلم والفساد، فهو أساس البلاء.

" الفساد هو ظلم شديد يجب أن يرفع وأن يعاقب الفاسد، لأنّه يأكل من طعام الأطفال الفقراء في البوادي أو القرى. وتعيين الأشخاص غير المؤهلين بمواقع المسؤولية هو ظلم، لأنه اعتداء على حقوق الغير. وتزوير الانتخابات أو التلاعب فيها ظلم شديد للأفراد والمجتمع والدولة. وعدم تكافؤ الفرص ظلم أيضاً. وتغول الجانب الأمني على السياسي ظلم لأناس كثيرين يعاقبون بسبب آرائهم ومواقفهم، وهو تنفيع ونفخ في أشخاص لا يستحقون ذلك، فيتولون الأمانة، وهم ليسوا أهلاً لها، ويضرون بمصالح الناس ويقتاتون على حقوقهم..الخ.

" أمّا العدل، فجوهره إقامة دولة القانون والمؤسسات والمواطنة. هذه "الدولة" هي وحدها التي تكفل المساواة بين الناس، والتكافؤ في الفرص، وتوسيد الأمر لأهله، قدر المستطاع، وهي صمّام الآمان للجميع.

" الاحتقان، الذي تتحدث عنه أيها القاضي، منشؤه الظلم وغياب العدل، واهتزاز ثقة الناس بالدولة، ورفع ذلك البلاء يكون بـ"الانقلاب" على هذا النهج الذي هيمن على البلاد والعباد ردحاً طويلاً من الزمن.

" العبرة – كما تقول أنت- ليست في "النصوص"، بل في التنفيذ، وهو ما يدفعنا إلى "تقنين" تفاؤلنا، وانتظار قدرتك على ترجمة "قناعاتك" على أرض الواقع، فمهمتك تبدأ بأن تعاهد الله والمواطنين على الوفاء لشرف مهنتك وقدسيتها، ما استطعت إلى ذلك سبيلاً"!

تفاجأ الرئيس بهذا الجواب المتماسك ومدى انتشار الظلم، ووعد أبا صابر أنّه سيلتزم بنصيحته، وأنه سيعمل جهده على إقامة العدل ورفع الظلم وإصلاح البلاد، وأكد له أنه ليس كباقي المسؤولين سيغادر موقعه فوراً ويعلن استقالته على الملأ..

 أفاق أبو صابر من نومه، وذهب صباحاً إلى مدرسته، كالمعتاد، فتنغّصت روحه لما يرى من انتهاكات لقيم العدالة والأخلاق والمهنة، ومضى في طريق عودته إلى المنزل، وهو يشاهد الظلم جهاراً نهاراً، والاختلال في الموازين، وجلس يشاهد أخبار الثامنه، يراقب المشهد، وهو ما يزال أسيراً لحلم عميق يراوده، كما هي حال أغلبية المواطنين!