الإسلاميون والسؤال الديمقراطي؛تطوّر الخطاب وهشاشة البنية الثقافية

politics-religion-e1408149767547

محمد أبو رمان

-1-

حقبة الأنظمة شبه السلطوية

بقي سؤال مدى قبول الإسلاميين بالديمقراطية، وما يزال، حتى اللحظة التاريخية الراهنة، جدليًا وإشكاليًا، بين مؤيديهم وخصومهم، وفي أوساط الباحثين، بالرغم من إعلان الإسلاميين -من مدرسة الإخوان المسلمين والمدارس القريبة منها- في الأعوام الأخيرة قبولهم الكامل والتام بالنظام الديمقراطي، باعتباره وصفةً نهائية للحكم، وليس مرحلة انتقالية، كما ما يزال يصرّ منظّرون في التيار السلفي، الذي دخل حديثًا عهد التجربة الحزبية عبر البوابة المصرية، وإن كانت له تجارب سابقة في الانتخابات البرلمانية في كل من الكويت والبحرين والسودان.

موقف الإسلاميين -الإخوان- من الديمقراطية شهد مراحل تحول أو تطوّر، بعبارةٍ أدقّ، منذ تسعينيات القرن المنصرم، عندما بدأت موجة تحول ديمقراطي محدودة في العديد من الدول العربية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي؛ إذ قطع الإسلاميون مسافة أخرى عن تأثير سيد قطب وأفكاره، فأعلنوا قبولهم الدخول باللعبة الديمقراطية والتغيير من تحت قبة البرلمان، وإن كانت أروقة الجماعات الإسلامية، عمومًا، انقسمت في كثير من الدول العربية، بين تيارٍ محافظ يتمسك بتحفظات عديدة على الديمقراطية وآخر إصلاحي يريد الدفع بالجماعة نحو القبول إلى أقصى مدى بالنظام الديمقراطي من دون تحفظات.

بقي الجدل دائرًا في أوساط جماعة الإخوان في الأردن ومصر والمغرب وجبهة الإنقاذ في الجزائر حول مدى القبول بالديمقراطية كخيار نهائي للحكم؛ ففي حين أصرّ تيار إسلامي على التمييز بين الديمقراطية كآليات (مثل الانتخابات والبرلمان) والقبول بذلك، مع عدم القبول بالالتزام بمضامينها الفلسفية والثقافية والقيمية (كحدود الحقوق والحريات، على أكثر من صعيد)، بينما حاول تيار آخر أن يجترح رؤية توفيقية توليفية بين الديمقراطية والشورى على اعتبار أنّهما يمثّلان الغاية نفسها، ولا تناقض بينهما، وبالتالي فإنّ النظام الإسلامي هو في نهاية اليوم نظام ديمقراطي، أو “شيروقراطي”، على حد تعبير بعض قيادات الحركة الإسلامية في الأردن.

كان ذلك في بداية التسعينيات. ثم جاءت انتكاسة التجربة الديمقراطية الجزائرية، بعد تدخل الجيش في المعادلة السياسية، وتراجع التجربة الأردنية مع توقيع معاهدة السلام، ومراوحة التجربة المغربية مكانها، مع “الحلقة المفرغة” في اللعبة السياسية المصرية، فاستمرت صيغة الديمقراطية المحدّدة أو الأنظمة شبه السلطوية، وهي التجربة التي أصبحت تدرّس بوصفها حالة خاصة في تجارب التحول الديمقراطي، أي إجراء انتخابات بنتائج مرسومة سلفًا من دون تغييرات جوهرية وحقيقية على قواعد اللعبة السياسية، وهي اللعبة التي قبلت بها الحركات الإسلامية في هذه التجارب، وانخرطت بها بالرغم من أنّها كانت تدرك تمامًا بأنّ الانتخابات، بحدّ ذاتها أصبحت لعبة مكشوفة لشرعنة الأنظمة السلطوية والتحايل على الضغوط الداخلية والخارجية من أجل الإصلاح السياسي!

 لماذا قبل الإسلاميون بتمثيل دور المعارضة في تلك اللعبة، بل وتماهوا معها، لدرجة أنّ الخطاب السياسي للإسلاميين نفسه أصبح مسكونًا في تقديم الضمانات والرسائل والإشارات بأنّهم لا يهدفون إلى الانتصار في الانتخابات، وأنّهم فقط يريدون المشاركة لا المغالبة، ولم يكن غريبًا أن نرى قائدًا في هذه الحركات يقسم أغلظ الأيمان على أنّ الإسلاميين لن يكسروا قواعد اللعبة شبة السلطوية، فأصبحت الآية مقلوبة تمامًا، وانعكست معاني الديمقراطي لتصبح الهزيمة في الانتخابات هي عنوان الديمقراطية؟

الجواب على السؤال السابق يكمن في أسباب متعددة، في مقدمتها أنّ الإسلاميين كانت أمامهم استراتيجيات واضحة في التغيير؛ إما العنف والعمل المسلّح (وهو الخيار المرفوض في أروقة الإخوان وهذه الجماعات)، وإما التغيير من خارج قبة البرلمان (وهو خيار قليل الفعالية ومحدود التأثير)، أو الاستنكاف عن العمل السياسي عمومًا والاكتفاء بالدعوي والتربوي (وهو ما يتناقض مع ثيمة هذه الجماعات بأنّ السياسة جزء من الإسلام والصراع على الهوية مع التيار العلماني)، وأخيرًا، القبول باللعبة البرلمانية المحدودة، من أجل تحقيق مصالح متعددة ومتنوعة، حتى وإن لم يؤدّ ذلك على المدى القصير إلى تحقيق الهدف بتغيير قواعد اللعبة والانتقال الحقيقي نحو النظام الديمقراطي أو حتى الإسلامي الديمقراطي، كما كان يحلم كثيرٌ من الإسلاميين!

ما هي المصالح المتنوعة والمحدودة التي يمكن أن يحققها الإسلاميون عبر هذه المشاركة التي يساهمون فيها بشرعنة الانتخابات السلطوية وإعطائها مصداقية غير حقيقية؟ الجواب على ذلك هو أحد محكّات الخلاف داخل جماعات الإخوان المسلمين والتيارات القريبة من هذا الخط السياسي؛ إذ انقسمت أروقة الجماعة بين من يدعو إلى المقاطعة لعدم منح الشرعية لحالة سياسية غير ديمقراطية، ومن يدافع عن المشاركة بوصفها الخيار الأفضل أو الأقل سوءًا ضمن ما هو مطروح، ويذكر المؤيدون للمشاركة أسبابًا وعوامل متعددة لترجيح خيار المشاركة، منها أنّ البرلمان يمنح الإسلاميين منبرًا جيدًا لتقديم خطابهم والوصول إلى الجمهور والدعوة إلى الله، ومنها أيضًا أن الحملات الانتخابية فرصة مهمة للصراع والتنافس مع التيارات الأخرى والوصول إلى أكبر شريحة واسعة، ومشاركة الإسلاميين في العملية السياسية تمنحهم شرعية وتجعل من خيار استئصالهم والقضاء عليهم أكثر صعوبة على الأنظمة وأدواتها الأمنية والعسكرية والإعلامية.

إذًا، المحرّك الرئيس للإسلاميين للقبول باللعبة الديمقراطية المحدودة والشكلية كان ما يزال الصراع الوجودي مع الأنظمة العربية السلطوية، ولم تكن هذه الأنظمة، بدورها، تشعر بالارتياح لمشاركة الإسلاميين في اللعبة السياسية، وتحاول تحجيم هذه المشاركة وتأطيرها ضمن الحدّ الأدنى، الذي لا يصل إلى تزوير مكشوف ومفضوح للانتخابات من جهة وعدم منحهم قوة حقيقية في الشارع من جهة أخرى.

الطريف في الأمر أنّ القاعدة التي حكمت الجميع هي الحفاظ على اللعبة شبه السلطوية أو الديمقراطية الشكلية (أي انتخابات بلا تغييرات جوهرية)، بالرغم من أنّ كلا الطرفين (أي الإسلاميين والأنظمة) كان يحاول في كل مرّة تحقيق مكاسب أخرى وجديدة على حساب الطرف الآخر، فإذا كانت الظروف المحيطة إيجابية للإسلاميين سعوا إلى ممارسة ضغوط شديدة من أجل زيادة حصتهم في الكعكعة، والعكس صحيح؛ فالإسلاميون لم يقوموا بالانقلاب على هذه اللعبة وتغيير قواعدها عبر معارضة خشنة وممانعة أكثر صلابة، فكانوا يقبلون في حالات كثيرة بدور الضحية وسردية المحنة والابتلاء، فيما الأنظمة بالرغم من أنّها كانت تمارس سياسة القرص والضربات الأمنية، في بعض الأحيان، إلاّ أنّها كانت تفضّل الإبقاء على الإسلاميين ضمن اللعبة المكشوفة، ووضعهم تحت المراقبة السياسية والأمنية، ومنحهم بعض المقاعد والمكتسبات في تلك اللعبة السياسية، فكانت اللعبة بين الطرفين، كما وصفها الباحث المتميز ناثان براون، أشبه بلعبة “القطّ والفأر”.

-2-    

حقبة الربيع العربي

     شهدت الأعوام التالية لأحداث 11 سبتمبر 2001، ثم احتلال العراق 2003، والإعلان عن المبادرة الأميركية للشراكة الأوسطية - التي تتضمن نشر الديمقراطية في العالم العربي بوصفها السلاح الفتّاك ضد القاعدة- تطوّراً جديداً في رؤية الإخوان المسلمين للعبة الديمقراطية، في أكثر من دولة عربية، فبين العامين 2004-2006 أعلنت جماعة الإخوان المسلمين في ثلاث دول عربية (سورية، الأردن ومصر) قبولها بالديمقراطية بوصفها نظام حكم دائم، عبر مبادرات سياسية وبرامج تمّ الإعلان عنها في أوقات متقاربة، ما يشي بوجود تنسيق واضح بين هذه الجماعات وموقف عبر قطري يعكس مزاج التنظيم العالمي للإخوان.

    بالرغم من الترحيب الكبير الذي لقيته الإعلانات الإخوانية في أوساط سياسية وأكاديمية غربية وعربية، إلاّ أنّ هنالك علامات استفهام وتساؤلات مطروحة حول مدى مصداقية وجديّة القبول الإخواني بالديمقراطية، في حال وصلوا السلطة، فإنّ المخاوف التي كانت تعززها الدعاية الرسمية العربية المعادية للجماعة تتمثّل بأنّهم سيتخلون عن هذا السلّم ويتمسكون بالحكم، ويقومون بأخونة الدولة التي يسيطرون عليها عبر الانتخابات الديمقراطية.

    من زاوية أخرى، بقيت هنالك "مساحاتٍ رمادية" في موقف الإسلاميين تجاه قضايا متعددة، مثل الحريات الدينية وحرية المعتقد والمرأة والأقليات، وهي قضايا لم تكن قد حسمت خلال تلك الفترة في أوساط الإخوان بصورة واضحة، بالرغم من أنّ الموقف المعلن من الديمقراطية حُسم لصالح التيار البراغماتي على حساب التيار المحافظ أو الأيديولوجي.

    ولأنّ إعلان الإسلاميين الإيمان بالديمقراطية جاء في لحظة تاريخية لم تكن هنالك فيها أصلاً ممارسة ديمقراطية حقيقية، بل انتخابات في أنظمة شبه سلطوية بنتائج محسومة سلفاً، لم يكن هنالك اختبارٌ جدّي لدعوى الإسلاميين بالقبول بالديمقراطية أو حتى خصومهم بأنّ الإخوان يخادعون للوصول إلى أهدافهم الاستراتيجية بإقامة الدولة الإسلامية التي يطمحون إليها.

    إلاّ أنّ الوضع تغيّر بصورة كبيرة مع انطلاق الثورات الديمقراطية السلمية العربية، إذ ولج الإخوان إليها في كل من تونس ومصر، ولحقول بركب الحراك الشعبي في المغرب والأردن واليمن ودول أخرى، واستثمروا تماماً في لحظة سقوط الأنظمة العربية في بعض الدول والتغييرات الكبيرة التي حدثت في دول أخرى، وقطعوا أشواطاً جديدة وأخرى في تأكيد التزامهم بالمسار الديمقراطي، عبر التأكيد على قبولهم الكامل بنتائج صناديق الاقتراع، وبالتعددية السياسية والحزبية واحترام حقوق الأقليات، وتداول السلطة، وبحق المعارضة في التنظيم والوجود، وتكشف البرامج الانتخابية لكل من حزب الحرية والعدالة، الذي تأسس بعد الثورة المصرية، وحزب النهضة التونسي، وحزب العدالة والتنمية في المغرب، على مسافة جديدة أكبر قطعتها تلك الأحزاب نحو الالتزام بالإعلان الديمقراطي.

    ما ينطبق على الإخوان والجماعات التي تدور – تقليدياً- في فلك هذه المدرسة ليس هو الأمر نفسه بالنسبة للسلفيين وحزب النور (الذي يمثلهم في مصر)، وحتى السلفيين الآخرين الذين أعلنوا القبول باللعبة الديمقراطية، فمع أنّ التجربة السياسية للسلفيين ليست جديدة بالكلية، إلاّ أنّ التوجه العام لدى نسبة كبيرة من السلفيين نحو العمل السياسي والحزبي تحديداً هو الأمر الجديد، بعدما كان الأمر مقتصراً على بعض الدول، أصبحت هنالك رغبة لدى قطاعات سلفية مع الثورات العربية بالولوج إلى هذا المجال، ما أدى إلى عقد مؤتمر مهم للسلفيين في اسطنبول في نهاية العام 2011، لبحث الخيارات المتاحة أمام العمل الحزبي والسياسي.

    إلاّ أنّ النتيجة السلفية لم تصل إلى ما وصلت إليه تجربة الإخوان المسلمين، إذ أنّ المزاج السلفي الغالب على خطاب قياداتهم ذهب نحو القبول بالديمقراطية بوصفها وسيلة، وليست نظاماً نهائياً، أو مرحلة انتقالية كما وصفها الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق (أحد ابرز رموز السلفية خلال كلمته الختامية في ذلك المؤتمر)، وأقام شيوخ السلفية المصرية تمييزاً بين الديمقراطية كأداة وكفلسفة، أو ديمقراطية مقيّدة بحدود الشرع، وهو موقف شبيه لموقف الإخوان من الديمقراطية في بداية التسعينيات، أي بعد قرابة عشرين عاماً!

   بالعودة إلى الموقف الإخواني، فبالرغم من هذا القبول وتقديم رسائل حسن النية والضمانات تجاه الأقليات والحريات العامة، إلاّ أنّ القلق والهواجس كانت ما تزال تحكم التيارات العلمانية الأخرى من وصول الإسلاميين إلى السلطة، فبدأت نوعية الأسئلة تتغير وتأخذ بعداً اجتماعياً ثقافياً؛ كالحديث عن الحريات الفردية، والأغاني واللباس ومدونات الأحوال الشخصية، في كل من مصر وتونس.

    في تونس قدّم الإسلاميون تنازلات كبيرة منذ البداية مع تأسيس جمعية للدستور التونسي الجديد،  وطرح زعيم التيار موقفاً يعتبر متقدماً على صعيد القبول بالحريات الفردية، وعدم التراجع عن منظومة الأحوال الشخصية، التي كانت تعد متقدمة على مستوى العالم العربي، فيما يتعلق بالمرأة. أما في مصر فسارت العملية بصورة أكثر تعقيداً وتعرّجاً بين شد وجذب بين الإسلاميين (الإخوان والسلفيين) من جهة والتيارات العلمانية المختلفة من جهةٍ أخرى، سواء على صعيد الاستفتاء على الدستور والمواد المرتبطة بالشريعة الإسلامية فيه، أو حتى الوثيقة التي أرادت القوى الليبرالية تمريرها بوصفها فوق الدستور لضمان القيم الليبرالية، ورفضتها القوى الإسلامية المختلفة.

    لم تطرح الأسئلة المتعلقة بالدين والديمقراطية والشريعة والحريات في تجربة الإسلاميين في الأردن والمغرب، إذ لم تكن هنالك ثورات شبيهة، بقدر ما كانت حراكات شعبية وتعديلات وتغييرات دستورية في ظل الأنظمة القائمة، فبقيت تلك الأسئلة غير مطروحة، أو ربما مؤجلة إلى حين.

    التحولات التي جرت بعد ذلك في العديد من الدول العربية ونجاح الثورة المضادة في مصر، وتراجع الإسلاميين في الانتخابات التشريعية الأخيرة في تونس، والتحول نحو العمل المسلح وبروز الحروب الأهلية كل ذلك دفع بسؤال قبول الإسلاميين بالديمقراطية إلى الخلف، مرّة أخرى، طالما أنّه لم يعد مطروحاً بقوة في اللحظة التاريخية الراهنة، لكنّ الإجابة عليه بقيت، بدورها، غامضة وجدلية، فبعد ما حدث في مصر تمسك مؤيدو الانقلاب العسكري بأنّ الإسلاميين مارسوا انقلاباً ناعماً على الدولة عبر عملية الأخونة والتحكم بلجان الدستور واستغلال الأغلبية السابقة للانقضاض على الحياة الاجتماعية والقانونية والسياسية والإدارية، وأنّ الانقلاب أنقذ البلاد، فيما تمسك الإسلاميون بأنّهم التزموا بصندوق الاقتراع، بينما ما حدث ضدهم ما هي إلاّ ثورة مضادة وانقلاب عسكري ومؤامرة إقليمية للإبقاء على الأوضاع الراهنة ومحاصرة دومينو التغيير الديمقراطي.

    بعيداً عن السجالات السياسية بين الإسلاميين وخصومهم، وتأسيساً على التجربة الواقعية القصيرة في مصر، وما يحدث في تونس والمغرب ودول عربية أخرى، فمن الضروري أن نعيد طرح السؤال اليوم على الإسلاميين  عن اللعبة الديمقراطية، وفيما إذا كانت هنالك بالفعل فجوات حقيقية أم فقط دعاوى من قبل الأنظمة السياسية المحافظة؟ وإذا كانت هنالك فجوات أو مساحات ملتبسة في الإعلان الديمقراطي لدى الإسلاميين، فأين هي؟.. (يتبع)

 -3-

      الحلقات المفقودة

    إعادة طرح سؤال مدى قبول الإسلاميين بالديمقراطية اليوم ليس ناشئاً بدرجة رئيسة عما يروجّه خصومهم السياسيون من اتهامات مكررة مجترّة والتخويف من أنّ الإسلاميين يريدون استخدام الديمقراطية كسلّم فقط للوصول إلى السلطة، ثم يركلونه بأقدامهم ويتشبّثون بالحكم، وإن كانت هنالك هواجس ومخاوف مشروعة لشرائح اجتماعية ومواطنين مرتبطة بحقوقهم ومصالحهم بعيداً عن توظيف الأحزاب المعادية للإسلاميين عموماً.

   النقاش المطروح في هذا المقال حول الإسلاميين والديمقراطية لا يتأسس على مزاعم خصومهم ودعاويهم السياسية والأيديولوجية، ولا على المسوغات التي تمّت لتبرير الانقلاب العسكري المصري على الرئيس الإخواني، محمد مرسي في 3 يوليو 2014، فهؤلاء الخصوم لا يملكون مصداقية في تبنّي الديمقراطية، وليس لهم نصيب تاريخي يشهد لهم على ذلك.

   الدافع، إذاً، هو مناقشة الإسلاميين أنفسهم ودفعهم إلى "الاختبار الذاتي" لمدى إيمانهم بالديمقراطية وقبولهم بها أولاً، وفيما إذا كانت هنالك بالفعل مساحات رمادية تحتاج إلى توضيحات وتصويبات وقراءة أكثر عمقاً من قبلهم، والأهم من هذا وذاك الإجابة على السؤال الأكثر أهمية: فيما إذا كان بإمكاننا اعتبار الإسلاميين أنفسهم قوةً ديمقراطية أو ذات دفع إيجابي نحو التحول الديمقراطي أم عثرة وعقبة في وجه هذا التحول؟ وربما ينسل عن هذا السؤال تساؤلات متعددة؛ فيما إذا كان الإسلاميون يقدمون أولوية النظام الديمقراطي على الاعتبارات السياسية والتنظيمية الأخرى، أم العكس؟!

    سنستبعد، بدايةً، من النقاش الأراء السلفية التي تعلن تحفّظها بوضوح وبصراحة على الالتزام الكامل بالديمقراطية، فهي تؤمن بها بوصفها مرحلة انتقالية أو تقبل بآلياتها من دون فلسفتها والقيم الحاكمة لها، كما يصرّح بذلك قادة حزب النور وعدد من المنظّرين السلفيين.

    النقاش، هنا، هو مع الإسلاميين الذين أعلنوا أنّهم المؤمنون بالديمقراطية، بلا تحفظات دينية أو أيديولوجية جوهرية، وأنّهم يدورون مع اللعبة الديمقراطية أينما دارت، والمقصود، هنا، تحديداً، في العالم العربي، أغلب جماعات الإخوان المسلمين والأحزاب المنبثقة عنها، وإن كانت المسألة نسبية تختلف بين دولة إلى أخرى، إلاّ أنّ أغلب هذه الجماعات في المشرق العربي تتشابه وتتقارب في هذه المواقف، بينما يبدو كل من حزب النهضة في تونس والعدالة والتنمية في المغرب قد قطعا أشواطاً طويلة إلى الأمام نحو التحول لأحزاب ديمقراطية.

      تكمن مشكلة إعلان الإسلاميين القبول باللعبة الديمقراطية أنّه لغايات سياسية أكثر منه دراسةً وتعمّقاً في مفهوم الديمقراطية نفسها، فجرى الإعلان عن القبول باللعبة الديمقراطية في بداية التسعينيات مع التحولات التي جرت حينها في العديد من الدول نحو انفتاح محدود، كما ذكرنا سابقاً، لكن بقي الموقف غير محسوم وجدلي في أروقة الجماعة والأحزاب الإسلامية، حتى جاءت المرحلة التالية بعد حرب العراق مع المبادرات المعروفة بالقبول بالديمقراطية، وكانت، هي الأخرى، رداً على تساؤلات غربية جديّة حول البديل الإسلامي وفيما إذا كان الإسلاميون يقبلون بالتعددية وتداول السلطة والديمقراطية، وأسئلة حول الأقليات والمواطنة والحريات العامة.

    كانت تلك المبادرات الإسلامية، كما ذكرنا، بالفعل قفزة مهمة على صعيد "الخطاب" Discourse، لكنّها لم تتواز مع جهود معرفية وفكرية عميقة ملحوظة من قبل الإسلاميين للحفر والبحث في جوهر العملية الديمقراطية وأسسها وفلسفتها، ولم تتشكّل الرؤية الجديدة عبر عملية غربلة ومخاض داخلي كبير يتزاوج مع هذه القفزة، ليتم نقل الرؤية العامة لأفراد الجماعة إلى الميناء الفكري الجديد بصورة عميقة وأكثر ثباتاً ورسوخاً.

   ولأنّ القبول كان ذات توجّه "تجميلي"، في الخطاب الإخواني، ومرتبط بنزعة براغماتية واقعية، فإنّ النتائج جاءت مختلة في العديد من الجوانب، أولها على الصعيد الداخلي، بقي هنالك تيار قوي وصلب داخل أروقة هذه الجماعات ما يزال يؤمن بالأطروحات الأيديولوجية القديمة، التي تتناقض أو تتباين بصورة كبيرة، على الأقل، مع إعلان القبول بالديمقراطية، وتبدو المفارقة أنّ هذا الاتجاه هو الذي حكم مقاليد الأمور في الجماعة في مصر، خلال اللحظة الانتقالية الحساسة، بينما غادر الجناح الآخر، الذي كان هو من يدفع بها إلى القبول بالديمقراطية بصورة كاملة.

    أمّا على صعيد الأفراد، فنتيجة غياب الإعداد المنهجي وترسيخ المفاهيم الديمقراطية في وعيهم، بدأ التشكيك بالمسار الديمقراطي مباشرةً، من قبل جناح واسع من الشباب، بمجرد الانقلاب العسكري على الديمقراطية.

   ما هو أهم من هذا وذاك أنّ غياب الرؤية العميقة لدى الإسلاميين لمفهوم الديمقراطية وفلسفتها أدى إلى تخبطهم في المرحلة الانتقالية، وتغليبهم الجانب التنظيمي النرجسي على اعتبارات أكثر أهمية تتمثل بالدفع العجلة السياسية نحو الديمقراطية، حتى لو أدى الأمر إلى بعض "التنازلات" السياسية، فالقيمة الأكثر أهمية هي وجود نظام ديمقراطي تعددي تداولي للسلطة والتخلص من القوى العميقة المتمسكة بالأنظمة السلطوية، ووجدنا هذا الفرق واضحاً بين التجربتين المصرية والتونسية.

    على صعيد فكر الجماعة وما تقدمه من خطابٍ سياسي وإعلامي كان ضعف إدراك الجماعة لمفهوم النظام الديمقراطي وديناميكيته وفلسفته وأبعاده عدم استكمالهم لما هو مطلوب منهم فكرياً وأيديولوجياً وسياسياً، على صعيد الاجتهاد الفقهي في إزالة التناقضات والتباينات بين الرؤية الإسلامية وشروط النظام الديمقراطي، وهي مسألة مهمة وأساسية، ولوجود قصور كبير في هذا الجانب برزت التجاذبات واضحة مع التيار العلماني، وأعيد طرح سؤال العلاقة بين الدين والدولة، وانفجرت المعارك الدستورية والتشريعية، فالإخوان وقفوا في أزمة حقيقية بين تلك التيارات العلمانية من جهة والتيارات السلفية من جهة أخرى.

   من المفترض أن يتزاوج ويتعانق الإعلان عن القبول بالديمقراطية برؤية فقهية فكرية عميقة للعلاقة بين الدين والسياسة والمجتمع، أو معادلة إدماج الدين في الديمقراطية، على حدّ تعبير المؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه في كتابه المهم والمفتاحي (في هذا المجال)، ذلك كان يتطلب من الإسلاميين قراءة معمقة للديمقراطية وتطورها وفلسفتها ومؤسساتها، وهو أمر لم يحدث، ولم يهتموا به أساساً، وكأنّ الديمقراطية هي كتلة صمّاء مسطّحة، عبارة عن انتخابات وصندوق اقتراع وتداول سلطة، من دون منظومة قيمية وسياسية وفلسفية متكاملة!

    تعامل الإسلاميون مع الديمقراطية بوصفها "صندوق اقتراع"، وربما كانوا صادقين في أنّهم سيقبلون بهذه النتائج، لكن ذلك غير كافٍ، فالأهم اليوم، في الأدبيات الديمقراطية، من حكم الأغلبية هو "ضمان حقوق الأقليات" وحماية حقوق الأفراد، وذلك ينقل السجال إلى الجوانب الدستورية والقانونية والاجتماعية والثقافية، وشروط نجاح إنتاج وتطوير الديمقراطية في العالم العربي، وهي قصايا لم تكن مطروحة بصورة واضحة في برنامج الإسلاميين وأولوياتهم واهتماماتهم، لكنّها تفجّرت مع الحالة المصرية عبر الإعلام الديني وبروز المجموعات والتجمعات التي طغت على المشهد العام وأرادت أن تجعل من المعركة الدستورية والانتخابات مفاضلة بين النظام الإسلامي (أو أسلمة الحياة) من جهة وبين النظام العلماني من جهة أخرى.

     المناهج داخل جماعات الإخوان المسلمين وأحزابها لم تتغير، فبقيت على حالها وتدرّس فيها الكتب والأدبيات التي تركّز على الجوانب الدعوية والتربوية والأخلاقية، وحتى على إقامة الدولة الإسلامية وأسلمة المجتمع، من دون أن تتطوّر تلك المناهج لتدريس الديمقراطية والتحول نحو التعددية وقبول الآخر والفصل بين الجانبين الدعوي والسياسي، فكل ذلك كان غائباً تماماً، ولم يكن أفراد وكوادر الجماعات الإسلامية على علم وإدراك لما يقتضيه إعلان الإسلاميين القبول بالنظام الديمقراطي، وما يعنيه ذلك من التخلّي الأيديولوجي عن إقامة الدولة الإسلامية، بصورتها الكلاسيكية، وضرورة التمييز بين المجال المدني- الدعوي من جهة والسياسي البراغماتي من جهةٍ أخرى.

   في المحصلة، بالرغم من جدية الإسلاميين، غالباً، في إعلانهم القبول بصندوق الاقتراع وما ينجم عنه، وبالرغم، كذلك، من تطوير خطابهم باتجاه القبول باللعبة الديمقراطية ومخرجاتها، إلاّ أنّ البنية الأهم وهي الثقافية والفكرية والفقهية في تعزيز وتكريس إيمان الإسلاميين بالديمقراطية بقيت هشّة وسطحية ولم تتشرب الأفكار والقيم والفلسفة، ما ظهرت نتائجه على ارتباك الإسلاميين خلال اللحظة الانتقالية السابقة.

   بالطبع، ذلك لا يعني عدم إمكانية تطوير هذا القبول بالديمقراطية وتكريسه عبر اللعبة الديمقراطية نفسها، ومن المدخل البراغماتي ذاته، لكن من الضروري أن يتم ذلك عبر إدراك أعمق وأكثر تفحّصاً للبنية الثقافية والفكرية للديمقراطية نفسها واستدخالها في قلب المنظومة الأيديولوجية لهذه الجماعات والأحزاب الإسلامية، فمثل هذه العملية الأكثر ديمومة وعمقاً ستكون إحدى أهم روافع الانتقال نحو الديمقراطية في العالم العربي، أي عبر مرورها بالجماعات الإسلامية، كما يرى المفكر نادر الهاشمي في كتابه المهم عن الإسلام والديمقراطية والليبرالية الرأسمالية.