قراءة موسعة في كتاب "أنا سلفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيّلة لدى السلفيين"

i am salafi

    يقترب الكتاب الجديد للباحث د. محمد أبو رمان بعنوان "أنا سلفي: بحث في الهوية الواقعية والمتخيلة لدى السلفيين" (إصدار مؤسسة فريدريش أيبرت) من "المجتمع السلفي" ويحاول تقريبه إلى القارئ من خلال رواية السلفي الذاتية، عبر منهج يقوم – أساساً- على المقابلات الخاصة مع شخصياته وأفراده، ويهدف إلى التعريف بالهوية السلفية وتشريحها، سواء رؤية لنفسها ومجتمعها والآخر والدولة، عبر استدعاء أسئلة رئيسة (في النماذج التي تمّت مقابلتها في الكتاب) مثل: كيف أصبحت سلفياً؟ لماذا أصبحت سلفياً؟ ماذا يعني أنني سلفي؟ لماذا تحولت عن السلفية؟..

   هدف الكتاب يتمثّل بالنظر إلى السلفي من منظور سيسيولوجيا الهوية، وهي إشكالية تختزل، في إحدى زواياها الرئيسة، أزمة الهوية في المجتمعات العربية والمسلمة، التي ما تزال تعاني من اضطراب وتوتر في صوغ المعادلة الآمنة – إن جاز التعبير- بين الدين والتراث وشروط الحداثة والعصر والعالم الذي نعيش فيه، لكنّها – أيّ أزمة الهوية- تبدو في أوضح صورها مع الحالة السلفية، التي تتقمص دور حماية الدين والدفاع عنه في مواجهة "التحديات" والتهديدات التي تواجهه".

   ويشير المؤلف إلى ما يسميه بـ"فجوة المعرفة"، وتتمثل بضعف قنوات الحوار والاتصال ما بين السلفيين والآخرين، ويتحدث عن غلبة الرؤية الانطباعية والمواقف المعلّبة من قبل النخبة المثقفة تجاه الحالة السلفية والتعامل معها بوصفها أمراً عريباً أو غير مألوف، بالرغم من أنّ " السلفية ليست أمراً مستحدثاً، ولا غزواً دينياً لمجتمعاتنا وثقافتنا العربية، فهي تيار عريض له تراثه الفقهي والفكري والدعوي، ومعه ترسانة من الكتب والفتاوى والتنظير الديني غير المنقطع، عبر القرون والعصور الإسلامية. وهي ليست فقط اتجاهاً فكرياً- فقهياً، وقبل ذلك عقائدياً، حقّق انتصاراً كبيراً على الاتجاهات الإسلامية الأخرى، وانتشر في أرجاء العالم العربي؛ فزيادة على ذلك السلفية تمثِّل حالة معاصرة لها حضورها الملحوظ في مختلف مناحي الحياة العربية.!

    يوظّف الباحث  مفاهيم "سيسيولوجيا الهوية" ومقارباتها في تفكيك الهوية السلفية؛ ويستند إلى جملة من المقولات المفتاحية المهمة في تفكيك مفهوم الهوية السلفية، أبرزها:

     أولاً- السلفية بوصفها تقوم على "تأكيد على الهوية" كآلية دفاع في مواجهة "العولمة" وتحدّي الحداثة وضغوطات العالم المعاصر، بما تمليه من قيم وثقافة وسلوكيات تقتحم المجتمعات التقليدية وتضعها في مواجهة أسئلة مربكة وقاسية. فالسلفية تندرج في إطار "النموذج التقليدي" حين تدرك الذات السلفية الآخر كـ "غريب"، على خلاف "النموذج الحديث" الذي ينظر للآخر كـ "مثيل".

      في هذا المجال تبرز مساهمات داريوش شايغان، في استنطاقه للتساؤلات والإشكاليات التي تثيرها الحداثة والثقافة الغربية المهيمنة أمام المجتمعات التقليدية والمحلية؛ الهوية، بحسب شايغان، بمثابة "غطاء أيديولوجي ارتكاسي تعتمده المجتمعات الضعيفة في ظلّ التحوّلات الدولية، وذلك كبديل للحداثة الكونية"، وهي، بالتالي، صورة مغلوطة للذات، فالرفض لقراءة الواقع الاجتماعي يترجم لدى هذه المجتمعات برفض التجديد والتمترس عند العقليات القديمة، بالهرب الى استعادة العصر الذهبي للحضارة العربية والاسلامية في القرون الوسطى، والاكتفاء بما جرى انتاجه في تلك الفترة في ميادين العلوم والفلسفة، فالفكر الرجعي بحسب شايغان يتميز بـ"عبادة البدايات"، التي تؤسس النظر إلى الحداثة بوصفها مؤامرة.

       ثانياً- الاستفادة من مفهوم "أزمة الهوية"، كأحد أدوات- فرضيات تفسير صعود الاتجاه السلفي في العالم العربي اليوم، أي أنّ السلفية بمثابة شعور بالتهديد للهوية الدينية أو الثقافية، أو هي ردّ فعل على "مرحلة صعبة" تمر بها مجتمعات أو أفراد معينون، وتمثّل في المحصلة "تصدّعاً في التوازن بين مكونات متباينة"، سواء كان هذا التصدع ناجماً عن أسباب اقتصادية أو مجتمعية أو سياسية، أو حتى عسكرية، كما يعرّفها كلود دوبار.

    ثالثاً- ترسيم العلاقة بين الفرد السلفي والجماعة أو المجموعة السلفية التي ينتمي إليها، بوصفها "الجماعة المرجعية" أو الوحدة الاجتماعية المصغرة، وتفاعله معها والدور الذي يقوم به ضمن هذا النسق الاجتماعي.

    أحد المفاهيم البارزة في الدراسة يتمثّل في التفاعل الرمزي، وقد طوّره بعض علماء الاجتماع على هذا المفهوم من خلال إدخال "الصور الانطباعية" لدى الفرد تجاه الجماعة والمجتمع، أي تأويل الفعل الاجتماعي لدى الأفراد وفق "تصوّرهم" لعلاقتهم بالسياق السلفي والمجتمعي المعني.

   رابعاً- تحديد سمات الهوية السلفية، فيما إذا كانت أقرب إلى الانفتاح أم الانغلاق، الحوار والاعتراف بالآخر أم الإقصاء، تبنّي قيم التسامح الديني والمرونة في التعامل مع الخلافات الدينية والعقائدية أم العكس، واستفدنا هنا من مساهمات علماء الاجتماع في موضوع سياسات الهوية بين الاعتراف والانفتاح أو الانغلاق والإقصاء وتفريخ العنف والكراهية، وفي هذا المجال تبرز مساهمة أمارتيا صن.

    يقدّم الباحث فصلاً نظرياً تمهيدياً عن السلفية وجذورها الفكرية والتاريخية وأبرز الاتجاهات التي تتشكّل منها، وتتمثل في الأردن بـ: الاتجاه التقليدي (الذي يركّز على الاهتمام بالعلم الشرعي وتصحيح الأحاديث النبوية ويرفض الاشتغال بالعمل السياسي)، والاتجاه الثاني وهو الجهادي (الذي يتأسس خطابه الأيديولوجي على مفهومي الحاكمية والجهاد، ويؤمن بالعمل المسلّح في التغيير..)، والثالث وهو الحركي (تيار متشعب يجمع ما بين الاهتمام بالعلم الشرعي والدعوة والعقيدة السلفية، والجانب التنظيمي السلمي).

-1-

لماذا صرتُ سلفيا؟

     يتناول الفصل الأول من الكتاب نماذج متعددة لشخصيات ومجموعات تنتمي إلى السلفية التقليدية، مثل سلفيو حيّ الطفايلة، والجيل الأكاديمي الجديد، ونموذج من الشباب السلفي، ونموذج من الجيل الذي انقلب على السلفية التقليدية متوجهاً إلى صيغة أخرى من العمل السلفي.

   ينتهي الباحث إلى أنّ التفكير في التجارب السابقة، وما تمثله من نماذج في الاتجاه السلفي التقليدي، تضعنا أمام قواسم مشتركة عامة، مع بعض الاختلافات والتباينات الطبيعية، لكن القاسم المشترك الأكبر بينها هو "غواية العلم"، فالسبب الرئيس، الذي دفع بهم إلى أحضان السلفية يتمثّل فيما يظهره التيار السلفي من تقدير كبير واهتمام جوهري بموضوع "العلم الشرعي"، أي علم الدين وأحكامه وشريعته، ما يجعل من التصنيف داخل التيار يتم على هذا الأساس؛ عالم، طالب علم، ومتعلّم، بدلاً من الرتب والتصنيفات الحزبية والتنظيمية لدى جماعة الإخوان المسلمين والأحزاب الإسلامية الأخرى.

      العلم في الحالة السلفية يُترجم إلى "سلطة المعرفة"، ويكون محلّاً للتنافس في التيار بين الأقران والتلاميذ، من يحصّل قدراً أكبر من المعرفة العلمية الدينية، هو من يرتقي في سلّم التيار. والعلم الشرعي، كذلك، "سلطة موازية" للسلطة السياسية والاجتماعية والمالية.

    يضيف أصحاب تلك التجارب أسباباً أخرى دفعتهم إلى التيار التقليدي، منها ما يتميز به هذا التيار من التركيز على الشأن الديني المحض، والاعتناء بقضايا التديّن الفردي والمجتمعي، أي التعاطي مع الشأن الديني بوصفه جوهراً نقيّاً غير ملتبس بالاعتبارات السياسية والحزبية والتنظيمية، التي لا تروق لكثير من الناس، ويشعرون أنّها تكدّر عليهم رغبتهم بالممارسة الدينية النقية، لذاتها.

    ربما هذا الدور الكبير لـ"مشيخة التيار" أصبح بديلاً عن الإطار الحزبي والتنظيمي، الذي رفضه السلفيون بدعوى أنّه يؤدي إلى الشقاق والنزاع، لكنّ عدداً من شباب الجيل الصاعد يلاحظون أنّ "داء التعصب" انتقل بالفعل إلى التيار عبر "المكانة الاستثنائية"، التي تمنح للمشيخة التقليدية.

   ومما جذب بعض الأفراد إلى التيار السلفي، كذلك، أنّه لا يصطدم بالدولة، ولا تترتب عليه تبعات أمنية، أو ملاحقات، ولا يشعر أفراده عموماً بأنّهم مهددون في لقمة خبزهم ووظائفهم، كما هي حال أغلب الحركات الإسلامية اليوم.

   التجربة الفكرية والروحية في أروقة السلفية- التقليدية تمتاز كذلك بالبساطة والوضوح، وربما بعبارات أخرى بـ "الضحالة"! ففي النماذج التي التقينا بها، لم تكن لديها خلفيات فكرية وسياسية وثقافية سابقة متينة، فأغلبها إما تعرّف على السلفية مبكّراً، أو بعد تجربة محدودة مع تيارات إسلامية، لكنّنا لم نقرأ عن تجربة يساري أو ليبرالي أو مناضل أو مثقف تحول نحو السلفية التقليدية.

       تتقاطع ضحالة التجربة الروحية والفكرية السلفية مع إحدى أبرز البنى المهيمنة على العقل السلفي، وتتمثل في تقديس النص والالتزام بظاهره ومنطوقه، والتقليل من أهمية العقل وشأنه، في المعرفة العلمية الدينية.

       بالرغم من هذه الصورة المبسّطة، خارجياً، إلاّ أنّ التيار، كما رأينا، يعاني أزمة داخلية طاحنة خلال السنوات الماضية، فالخلافات الكبيرة التي وقعت في أروقة "المشيخة التقليدية"، وارتبطت في كثير من الأحيان بقضايا أخلاقية.

       الضربة الأكثر تأثيراً، لكن مداها لم يظهر بعد، تتمثل في الجيل الأكاديمي الجديد الصاعد، الذي بدأ يتململ من "عقلية الوصاية"، التي تمارسها المشيخة التقليدية، وأخذ يًظهِر بصورة متدرجة رغبته بالقيام بمراجعة لحالة التيار والقناعات التي حكمته خلال السنوات الماضية، ويعيد النظر بمصداقية القيادة المشيخية الحالية وأهليتها للاستمرار في هذا الموقع.

-2-

السلفية الجهادية

 

      أما الفصل الثاني فيتناول نماذج من التيار السلفي الجهادي، سواء من ما زالت مع هذا التيار أو خرجت منه. ويصل إلى نتائج متعددة منها أنّ الشخصية الجهادية تتمثّل بدرجة أكبر من الانغلاق وبناء جدران الحماية الداخلية من التأثيرات الخارجية، فالسلفي الجهادي هو شخص متديّن، شديد الاهتمام بالالتزام العقائدي والفكري بالمدارك التي يؤمن بها من "النص الديني" (القرآن والسنة والفتاوى الشرعية)، وحريص على الالتزام السلوكي بالشعائر الدينية التعبّدية، فهو يحافظ على صلاة الجماعة، وبالأخلاقية الظاهرية، والابتعاد في سلوكه المعلن، عمّا يظنّه مخالفاً للشريعة الإسلامية.

   هذه المدخلات تصنع لدينا شخصية في جوهرها النفسي متعالية على الواقع الاجتماعي المحيط، طالما أنّه غير قائم على معايير الالتزام الديني، كما تراها أيديولوجيا التيار، وتتجسّد هذه السمة أيديولوجياً فيما يصطلح عليه سيد قطب، ويتردد في الخطاب الجهادي عموماً، بـ"استعلاء الإيمان"، فالمؤمن غير خاضع لشهواته الذاتية، ومتحرر من السلطات الاجتماعية والسياسية والثقافية السائدة، طالما أنّها – كما هو غالب- غير قائمة على المنظور الديني- الشرعي.

    يقود الجانب الشعوري الجهادي إلى "عزلة" نفسية- إرادية عن المحيط الاجتماعي، فهو وإن كان جسدياً وفكرياً موجود، ويعمل على التغيير ويمارس الدعوة والتجنيد، إلاّ أنّه حريص دائماً على عدم تلبّس شخصيته بما يخالف الشريعة، سواء على صعيد علاقات الصداقة أو حتى الأسرة والقرابة والمحيط الاجتماعي.

     ليست الشخصية السلفية الجهادية انطوائية، بالمعنى السيكولوجي للكلمة، فنجد كثيراً من الأمثلة ممن يختلطون بالمحيط، وينشطون بالدعوة إلى الدين، كما يفهمونه، ويشاركون في تجمعات متعددة، مثل المناسبات الاجتماعية، لكن من دون أن تجرّهم هذه المشاركة إلى التماهي مع هذا الواقع.

     البعد العقائدي أحد أهم الأسس التي تميّز الجهادي، فهو شخصية عقائدية بامتياز، بما في ذلك المنظور السياسي له، فالموقف من الحكومات والأنظمة واللعبة السياسية والديمقراطية والأحزاب السياسية الأخرى.

   ولأننا أمام منظور عقائدي صارم، ومواقف مسبقة واضحة تتأسس عليه، فإنّ كثيراً من الجهاديين ليسوا معنيين بمتابعة تفاصيل الحياة السياسية ووسائل الإعلام، إلاّ بما يتعلّق بالقضايا الرئيسة التي يهتمون بها، أو الأخبار التي تمسّ التيار الذي ينتمون إليه، فكثير من أفراد هذا التيار غير معنيين بقراءة الصحف ولا متابعة الفضائيات بصورة مكثّفة، ولا حتى المشاركة في السجالات العامة حول القضايا المختلفة المتعددة، إلاّ بمقدار ما يعزّز ويثبت ويؤكّد "رؤيتهم العقائدية"!

    هذا هو الإطار العام للشخصية الجهادية، لكنّه بالرغم مما يبدو عليه من صرامة خارجية، يسمح في أروقة هذا التيار بقدر كبير من الاختلافات والتباينات بين أفراده، بين اتجاه يسعى إلى تليينه وتدويره وتخفيف وطأته القاسية واتجاه آخر يتشدد فيه ويغلقه عن المحيط الخارجي.

    هذه التباينات تنجم، بدرجة رئيسة، عمّا يسميّه بعض علماء النفس، بـ" الشخصية الأساس"، أو بعبارة موازية لما قدّمناه بهذه الدراسة؛ اختلاف الروافد الأولى لأبناء التيار، وتباين الظروف الاجتماعية والثقافية والنفسية، والتجارب الشخصية!

       أمّا عن الأسباب التي تدفع بشخص ما إلى أحضان هذا التيار، فثمة عوامل موضوعية، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، تمثّل المفتاح الذهبي للتجنيد لدى التيار، لكن قدرة المفتاح على خلق شخصية السلفي الجهادي تتطلب، عموماً، شرطين:

     الأول- هي البيئة الاجتماعية الحاضنة، بأن تكون هنالك مناخات اجتماعية، أو بيئات ومدن وأحياء توفر شروط الحياة والنمو لمثل هذه الأفكار.

   والثاني- هي البيئة النفسية الحاضنة، بأن يكون لدى الفرد استعداد، لأسباب متعددة ذاتية لخوض المغامرة والقبول بهذا الفكر الراديكالي، وهي عوامل تعود مرّة أخرى للتجارب الشخصية ما تولّده من حالة نفسية شعورية متقبّلة لذلك!

-3-

الطريق الثالث سلفياً (السلفية الحركية)

       يتناول الفصل الثالث تجربة السلفية الحركية في الأردن، من خلال نماذج متعددة، ويصل إلى أنّه بخلاف التجربة التقليدية، التي تمتاز بالوضوح والبساطة، فإنّ التجربة الحركية تمتاز بدرجة كبيرة من الارتباك وعدم الوضوح، والتوتر داخل أروقة التيار، فنحن أمام تجارب تقترب من التقليدية وأخرى من الجهادية، وتتلبس بها، ما أثّر على هوية التيار نفسه في المشهد الأردني!

     ويرى الباحث أنّ الهوية السلفية الحركية أكثر عرضة للتحولات من غيرها، لأنّها تفتقد المرجعيات الفكرية والقيادات الروحية والاطر الجامعة على الساحة الأردنية، لذلك وجدنا ظاهرة التحولات نحو الجهادية بالدرجة الأولى أو خارج التيار بأسره بدرجة ثانية هي ظاهرة ملحوظة لها حضورها في تجارب التيار؛ حتى أنّ أهم الشخصيات المؤثرة في هذا التيار لم تعد محسوبة عليه! سواء مع عمر محمود (أبي قتادة الفلسطيني)، حسن أبو هنيه، عمر يوسف (أبي أنس الشامي)، فيما لدينا شخصيات عديدة أخرى متلبسة بالتيار الجهادي وأخرى بالتقليدي!

      هوية التيار الحركي بالإضافة إلى أنّها تعاني من الارتباك والغموض والتوتر، الناجم عن عدم التوافق على موقف محدد من الحكام والحكومات (فيما كانت كافرة أم عاصية) وما يترتب على ذلك من تحديد منهج التغيير (اعتماد المسار الديمقراطي أم السلمي أم التربوي والدعوي)، كما أنّ هنالك تبايناً في الموقف من أفكار سيد قطب (مدى محورية فكرة الحاكمية في فكر التيار وخطابه).

     يقع "العقل الحركي" في مصيدة التباس هوية التيار، فهو وإن كان أكثر مرونة وانفتاحاً من العقل التقليدي في التعامل مع النص الديني، وتحديد مفهوم المعرفة المطلوبة والضرورية، إذ يتوسع بها ويخرج من نطاق العلوم الشرعية، كما هي الحال لدى التقليديين، ويعود ذلك لحضور مفهوم "فقه الواقع" لدى الحركيين، الذي يجعلهم أكثر اهتماماً بالأحداث المحيطة والجارية، سياسياً وإعلامياً، إلاّ أنّ العقل الحركي يعاني من تعدد المرجعيات الفكرية وتباينها، ومن غياب مسطرة أيديولوجية واحدة، يعود إليها أبناء هذا التيار في الموقف من الأحداث والقضايا الواقعية.

-4-

المتحولون من السلفية إلى الخارج

     أما الفصل الرابع فيعرض لظاهرة المتحولين من السلفية إلى الأفكار والاتجاهات الأخرى، سواء كانت إسلامية أو علمانية، من خلال تجربتين فكريتين وروحيتين؛ ويجد المؤلف بأنّ النقد الكامن في تجارب المتحولين (من السلفية) للحالة السلفية يتمثّل في التسطيح والاختزال الذي تمارسه في ترسيمها للطريق الذي يفترض أن تسلكه مجتمعاتنا، وتسير عليه، سواء في علاقتها مع الدين ومهمته الروحية والاجتماعية والسياسية، أو في تغيير الواقع الراهن.

      ويضيف أبو رمان بأنّ "الرحلة السلفية"، للنماذج المطروحة في الدراسة، كذلك، كانت تحمل هاجساً آخر يتمثّل في البحث عن الذات والهوية المطلوبة في آتون الأزمات الراهنة، سواء كان ذلك بتمثّل السلفية هويةً لفترة من الوقت، أو الخروج منها. فنحن أمام جيل يبحث عن هويته ويريد تحقيق ذاته، على صعيد فردي ومجتمعي وحضاري وإنساني، وفي سبيل ذلك يتفحّص الشروط المطلوبة، فوصل في خلاصة تلك الرحلة إلى نتيجة مختلفة عن النماذج الأخرى، التي عايشناها في الدراسة، عموماً، بالتخليّ عن الهوية السلفية!

-5-

ملاحظات ختامية: أسئلة الهوية، الأزمة والتحول

           يتطرق الفصل الأخير إلى ملاحظات ختامية من المقابلات السابقة ومن استمارات قام الكاتب بتوزيعها على مجموعة من السلفيين، ليصل إلى النتائج التالية:

-       "االصعود السلفي"، سواء في الأردن، أو في الدول العربية الأخرى، يمثِّل في جوهره جواباً على تحدّي الحداثة، الذي أصبح جزءاً من الداخل، ولاحقاً تحدّي العولمة، أو الأزمة التي تمرّ بها المجتمعات العربية والإسلامية، ما عزّز الشعور لدى شريحة واسعة من المجتمعات المحلية بأنّ هويتها الدينية وثقافتها أو موروثها وقيمها مهدّدة بهذا التحدي أو الخطر والتهديد الجديد، فيكون الردّ عليه بالتمسّك بالهوية الدينية، وتأتي السلفية بوصفها تعبيراً عن أقصى اليمين في حماية هذه الهوية وحفظها من تلك الأخطار الواقعية أو المتخيّلة لدى هذه المجتمعات!

-       ينجرف الموقف السلفي نحو ترسيم العلاقة بين الأنا والآخر، في حدود الشعور بتهديد كبير لـ"هوية الذات"، أو بعبارةٍ أخرى التصدي لمهمة "الدفاع عن الذات" في مواجهة تلك الأخطار المنتشرة، التي أصابت المجتمعات العربية والمسلمة في ثقافتها وقيمها، وكأنّ السلفية تعيش معاناة "جرح الهوية النرجسي"!

-       تقع إشكالية الهوية عند السلفيين بأنّهم ينظرون إلى المستقبل بعيون الماضي، وليس المقصود هنا بحث السلفي عن جذور هويته في التراث أو في العصور الأولى المثالية، بالنسبة إليه، لكن في سجن الهوية في حدود الماضي، وفي حدود ما أنتجه وقدّمه على الصعيد الديني ودور الدين في المجالين الخاص والعام، وهنا يبرز التضارب الصارخ والسافر بين مقتضيات هذه الهوية والتحولات الاجتماعية والسياسية والثقافية، أو بعبارةٍ أخرى الواقع والعصر وما يضعه من شروط الاندماج والتكيّف والتطوّر حتى على صعيد إدراك دور الدين ومهمته وقدرته على تقديم الأجوبة الواقعية الممكنة في مواجهة هذه التحديات.

-        ردّ فعل السلفي في تعريفه للهوية الدينية لا يقوم على محاولة تطوير هذه الهوية لتكون قادرة ومؤهلة لمواجهة "الواقع"، بل هو في صميمه "إدانة الواقع"؛ وهنا تبدو معضلة الهوية السلفية، عموماً، إذ هي تفترض – ابتداءً- الصراع والتضارب، مع إدراكها على أنّ تغيير الواقع والخروج من استحقاقات العصر بمثابة مهمة في غاية الصعوبة، وتتطلب أن نعيد صوغ وإنتاج كل ما حولنا، لا العكس من ذلك أنفسنا، وطالما أنّ هذه المهمة ليست في متناول اليدّ، وبعيدة التحقّق، فإنّ خيار السلفي إمّا أن يكون الوصول إلى أكبر قدر من التكيّف والانفتاح، ضمن هذه الحدود الهويّاتية، وإمّا الانغلاق على الذات والجماعة التي ينتمي إليها، أو القيام بمغامرة جارفة بمحاولة تغيير هذا الواقع المحيط بالقوة!

-        في نهاية اليوم يقع السلفي في حالة من التشتت والانفصام بين "الهوية المتخيلة"، التي ينتمي إليها فكرياً، ويحاول عبرها التحايل على "غربته الاجتماعية" عبر العلاقة مع جماعته أو المجموعة التي ينتمي إليها، ويحدّد سلوكه ومواقفه على أساس هذا التصوّر والهوية الواقعية التي تضع الرؤية السلفية في مواجهة مع المجتمع والواقع واستحقاقات العصر.