(الإخوان المسلمون) بين الغرب والعرب

12عرض: نعومي راميريث دياث

مقدمة

صدر كتاب الإخوان المسلمون للدكتور سيرخيو كستانيو ريانيو الإسباني في نوفمبر/تشرين الثاني 2013، وهو أول كتاب، منذ اندلاع ما يُسمى بالربيع العربي، يتناول باللغة الإسبانية دراسة عن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين، وذلك بهدف قياس تأثير الأفكار الأساسية لتنظيم الإخوان المسلمين الأم في جماعات قريبة منه موجودة في الدول العربية والغربية. يحاول الكتاب رسم إطار مشترك بين تلك الجماعات ما يجعله كتابًا مهمًا نظرًا إلى قلة وجود كتب عن أهم تنظيم إسلامي بلغة سيرفنتس، التي نقلت العديد من الدراسات عن التنظيم المصري الأم  لكنها أهملت المجموعات المتفرعة عنه إلا نادرًا.

يزيد من أهمية الكتاب صدوره في هذه الفترة المتوترة في الدول الإسلامية، خاصة العربية منها، فأثرى مكتبة المصادر الإسبانية حول الإسلام السياسي؛ فيساهم بالتالي في إثارة اهتمام الجمهور الناطق بهذه اللغة، ومن ثَمّ يعمّق معرفته بهذه الظاهرة المعاصرة التي تثير الجدل والنقاش بكثافة لكن الجمهور الإسباني لا يتوفر على الأدوات العلمية لتحليلها وفهمها. وفاقم هذا الوضع أحداث 11 سبتمبر/أيلول، وتلك التي تلتها في مدريد ولندن، ثم العمليات التي ارتُكبت في العقدين الأخيرين ضد أهداف غربية باسم الدين؛ فأدت إلى خلط المفاهيم عند الناس، حتى أصبح "الإرهاب" متماهيًا في أذهان البعض مع الإسلام عمومًا، ومختبئا وراء الإسلام السياسي خاصة، مما يشكّك في صورة الاعتدال التي يحاول هذا التيار تقديمها عن نفسه، فتبدو كأنها غطاء للضغائن التي يكنّها التيار المعتدل للغرب.

من أهم خصائص الكتاب أنه يتناول موضوع فكر الإخوان وتنظيمهم في الإطار الأوروبي وإلى حد ما الأميركي الشمالي، مركّزًا على تحديد معاني المفاهيم وشرح مصطلح الإسلام السياسي الذي لا يمكن حصره، حسب الكاتب، على حركة معينة أو جماعة معينة أو حتى على الإخوان المسلمين الذين يصفهم المؤلف بكونهم التنظيم الذي أعطى الإسلام مضمونه السياسي. ولما كان الإسلام السياسي غير محصور في تعريف محدد، وتطور بأشكال مختلفة بحسب مكان ولادته وظروف نشأته، فإن الكاتب أشار إلى التباينات في تطور وتكوين الجماعات المختلفة في القارة الأوروبية؛ وذلك حسب أصولها العربية أو التركية أو الهندية-الباكستانية. ولكن ذلك لا يعني، كما يبيّنه الدكتور كسنتانيو، أن كل التنظيمات العربية متشابهة طوال التاريخ وحتى في اللحظة المعاصرة، ومن هنا يخلص الكاتب إلى أن طبيعة الإسلام السياسي متعددة ذات أوجه مختلفة وأن التنظيم الدولي للإخوان المسلمين نموذج آخر ضمن هذا الطيف الواسع من التشكيلات الإسلامية. هذه الخلاصة تخالف أحد التصورات الشائعة والمستقرة في أذهان الغربيين التي تعتقد أن التيارات الإسلامية نسخة واحدة تتصف بالانغلاق والتشدد.

رغم أن الكتاب لا يتطرق إلى فترة الربيع العربي، والتحولات السياسية التي وقعت، إلا نادرًا، فإنه يلقي ضوءًا يفيد في معرفة ماذا حدث قبل الزلزال السياسي، الذي تشهده الدول العربية حاليًا.

الخطة والاعتباط

أهم فكرة قدمها الكاتب هي أنه لا يمكن الحديث إطلاقًا عن تنظيم دولي منظم للإخوان المسلمين تابع للجماعة الأم بمصر، التي أُنشئت منذ أكثر من 80 سنة، وأن ظاهرة نشر فكر الإخوان المسلمين المعتدل خارج البلدان العربية؛ حيث معظم السكان ينتمون إلى السُنة، جاءت نتيجة لظروف اعتباطية وليس كمشروع دعوي خططت له الجماعة. والحال أن القمع القاسي (باستثناء الحالة الأردنية) وعدم رضا السلطات العربية عن وجود مثل تلك الحركات في بلدانها خوفًا من تعاطف تيار واسع من الجمهور معها، أدى إلى فرار الكثير من أعضائها إلى الدول الأوروبية؛ حيث وجدوا قاعدة طلابية من المسلمين بدأت تشكّل مجموعات تعتنق أفكار الإخوان. هذا هو النموذج نفسه الذي نراه -حسب الكاتب- في الولايات المتحدة الأميركية وكندا. ولكن هذه المجموعات التي تشكّلت إما في الجامعات أو من خلال العلاقة الشخصية مع قيادات إخوانية، مثل: السوري عصام العطار في ألمانيا أو التونسي راشد الغنوشي في بريطانيا، طورت أنشطتها في عدة حالات كي تصبح ممثلة للمسلمين في الدول التي درسها الكاتب، حتى تستطيع إقامة العلاقات مع الحكومات الأوربية المعنية فتحصل على اعتراف منها بإطار حقوقي خاص للمسلمين؛ فدخلت بعض المجموعات الإسلامية، خاصة في بريطانيا، اللعبة السياسية بالتحالف مع قوى يسارية.

وبناء على ذلك، يستنتج المؤلف أن الظروف المريحة كثيرًا والمتسامحة بشدة في أوروبا ضمن الإطار الديمقراطي السائد، أدت إلى تأقلم هذه المجموعات مع بيئتها وإلى خفض مطالبها مقارنة بمثيلاتها في الدول العربية؛ فلم تعد هذه المجموعات تطالب علنًا بأسلمة المجتمع وتطبيق الشريعة كما هي الحال في الدول العربية بل تطالب بالاعتراف بها وبحقوق المسلمين الذين تمثلهم. يرى الكاتب في ذلك التطور أن الإخوان أدركوا أهمية المشاركة السياسية بكونها الوسيلة الوحيدة لتحقيق أهدافهم، التي ما زالت على المدى البعيد تتمحور حول أسلمة المجتمع والنظام السياسي من أجل إقامة الدولة الإسلامية المنشودة حتى وإن كان هذا الهدف وهميًا، خاصة في الدول التي يمثل المسلمون فيها أقلية واضحة. ويعتبر الكاتب أن هذه التنازلات تعبّر عن استراتيجية براغماتية أكثر مما تعبّر عن تعديل في الأهداف؛ وذلك في كل من الدول العربية والغربية، وإن وُجدت تباينات فرضتها الظروف المختلفة.

هذا ما جعل الكاتب يقول: إن هناك تنظيمًا دوليًا غير رسمي يرتبط فكريًا ومبدئيًا بجماعة الإخوان التي أسسها حسن البنا، ويعتبر أحد أهم الممثلين عن الجاليات المسلمة في أوروبا، رغم عدم توحّد الجماعات المنفردة في تكوين جامع أو حتى مع وجود خلافات مع تنظيمات إسلامية أخرى في نفس الدولة كما هي الحالة في إسبانيا مثلاً. وهذا الكيان غير الرسمي الذي يمتد من الدول العربية إلى الغرب، جعل المؤلف يتطرق إلى الموضوع بطريقة شاملة دون إهمال خصوصية كل دولة، عربية كانت أم غربية.

ثم يبحث الكاتب موضوع العنف ومدى قبول الجماعات القريبة من الإخوان باستخدامه؛ فمن خلال دراسة تاريخية للحركات الواردة في الكتاب يخلص الدكتور سيرخيو إلى أنه لا يوجد جواب محدد، بل هناك شبه إجماع بين المتشددين والمعتدلين (لا يختلفان حسب الكاتب في الأهداف، بل في الوسائل التي تؤدي إلى تحقيقها) على أن عمليات حماس ضد إسرائيل وأعمال المجاهدين في أفغانستان ضد الاحتلال رغم اختلاف المحتل، وفي العراق، مقبولة لأنها تأتي في إطار الجهاد الدفاعي، الذي اعترف بشرعيته حسن البنا وغيره، إلا أن سيرخيو كستانيو يقر  بمرونة وتفلت هذا المصطلح من تعريف جامع مانع.

وهنا نرجع إلى المصطلاحات واستعمالها ونكتشف خطأ استخدامها عند كستانيو الذي يعترف، كما سبق، بمرونة مفهوم الجهاد الدفاعي، ولكنه يقول: إن الشريعة لم يتم تطويرها عقليًا من قبل الإنسان بل إنها قانون إلهي. وهذا تناقض واضح لأن مفهوم الجهاد الذي يعترف بتعدد تفسيراته، من أهم المواضيع التي نجدها في كتب الشريعة التي صنّفها الفقهاء وليست وحيًا كالقرآن.

ويبرز هذا التناقض خلال شرحه لمصطلح الإسلام السياسي الذي يتحدث فيه عن أشكاله المختلفة ومنها السلفية. وهنا يقع الكاتب في خطأ الخلط بين السلفية التجديدية على طريقة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، والسلفية التي تتماهى عادة مع النموذج الوهابي، أي تلك التي تريد الرجوع إلى الأيام الأولى من الإسلام وترفض كل أشكال التصوف والمذاهب الفقهية. وبما أن محمد عبده قد تأثر به حسن البنا، مؤسس جماعة الاخوان المسلمين، فالسؤال المشروع: هل فهم الكاتب رسالة حسن البنا عندما تحدث عن الدعوة السلفية والطريقة الصوفية كأوصاف للجماعة؟

ضعف المصادر

يبني الدكتور كستانيو نظريته على التطور التاريخي للجماعة، ودراسة تأقلمها مع ظروف كل دولة، وهذه أفضل وسيلة لشرح هذا الموضوع الشامل.

لكن رغم إيجابيات الكتاب الكثيرة في هذا الصدد إلا أنه يعاني من غياب مصادر عربية أصلية أو التعمق في تلك الأفكار التي يقول عنها الكاتب إنها القاعدة الفكرية للإخوان المسلمين والتنظيمات القريبة منهم، مركّزًا بالمقابل على أدائهم السياسي. هذا النقص يؤثر أحيانًا على دقة المعلومات وخاصة في ما يخص الجماعة في سوريا التي تقل المصادر الثانوية عنها كما تقل أيضًا المصادر العربية المترجمة؛ وهذا ما أدى على سبيل المثال إلى سوء فهم شخصية سعيد حوّى ليس فقط في هذا الكتاب بل أيضًا في المصادر الثانوية التي تتناول نظريته. وكما سنرى لاحقًا، من نتائج عدم الاعتماد على المصادر الأصلية وجود بعض الأخطاء في فهم المصطلحات، سبّبها عدم قراءة تلك المصادر وفهم فكر المؤلفين من كتاباتهم.

هذا النقص ينعكس في إصراره على أن كل المجموعات المنضوية في إطار الإسلام السياسي تسعى إلى الأهداف نفسها إلا أنها تختلف في الوسائل، وهذه مبالغة لأنه لا يمكن إدراج الحركات السلفية الجهادية الأممية مثلاً في نفس صندوق الحركات المعتدلة التي تتبنى النموذج الديمقراطي في الإطار الوطني ضمن الحدود الرسمية، والتي لم تعد تطالب إلا في الخطاب البلاغي أكثر منه العملي بوحدة الأمتين: العربية والإسلامية. وإن كانت المشاركة السياسية عند بعض تلك الحركات ن كما يدعي الكاتب، قرارًا براغماتيًا من أجل تسريع عملية إعادة أسلمة المجتمع في الدول العربية، إلا أنه لم يشر إلى الحالة التونسية في حديثه عن الدول العربية؛ حيث أصبحت منذ بداية حكم حركة النهضة نموذجًا للبراغماتية الوطنية أكثر منها عقائدية أو إسلامية. ولكن من أجل الدقة والإنصاف، كما قلنا سابقًا، لا يتطرق الكتاب إلا نادرًا إلى الفترة الحالية، غير أن عدم ذكر المثال التونسي نقص مهم يؤثر في حديثه عن الحركات الإسلامية بأوروبا، لأن  تونس قريبة جدا من أوربا.

الحركات القريبة من الإخوان، حسب قوله، هي ظاهرة عربية في الأغلب رغم المحاولات الساعية إلى توحيد صفوف الإسلاميين، خاصة في الدول التي تتمتع فيها هذه الجماعات بحرية أكثر من أماكن ولادتها، لكن جهود توحيدها ذهبت أدراج الرياح لأن الفروق الإثنية التي تتعلق بالتراث الثقافي لكل حركة أثّرت على تطورها. ودراسة هذه التطورات المختلفة الناتجة مثلاً عن تعايشها في دول مثل ألمانيا، يبيّن صعوبة تحقق المشاريع التوحيدية التي أصبحت، كما قلنا، أداة خطابية أكثر منه حقيقة واقعة.

وعدم التوحّد هذا نشاهده أيضًا في المجموعات التي تنتمي فكريًا إلى الإخوان والتي نجد أكثر من واحدة منها في كل دولة، كما يشرحه الكاتب من خلال مقارنة عملهم السياسي والمنافسة بينهم من أجل كسب أكبر دعم من الجاليات المسلمة وتمثيلها أمام الحكومات الغربية، راسمًا خريطة كاملة قدر الإمكان عن العلاقات الإيجابية أو السلبية بين الحركات الإسلامية. وفي هذا الإطار، يصرّ الكاتب، بحق، على أنه لا يمكن اعتبار حركة معينة متطرفة أو أنها تقبل استعمال العنف لتحقيق أهدافها بناء على أن بعض أعضائها قرّر الدخول في الكفاح المسلح أو "الإرهابي". ويشير، لإثبات ذلك، إلى بعض الأمثلة الأوروبية المعروفة، فيشرح للقارئ بطريقة سهلة وواضحة صعوبة إصدار أحكام قاطعة عن الإسلام السياسي أو حركة معينة بناء على تصرفات بعض الأفراد. ولكن فيما يخص علاقة الإخوان السوريين بالتطرف واستعمال العنف، لا يلتزم الدكتور كستانيو الدقة العلمية؛ حيث يعتبر الشيخ سعيد حوّى ومعه عدنان سعد الدين من أهم داعمي العمل العنيف ضد النظام، اعتقادًا منه بأن كتاب "جند الله ثقافة وأخلاقًا" يدعو للجهاد المسلح. والحقيقة أن هذا الكتاب يتحدث عن جند الله باعتبارهم يتبعون السنة النبوية ويطبقون أحكام الإسلام دون الإشارة إطلاقًا إلى الجهاد ضد النظام.

ويخطئ الدكتور كستانيو حين يطابق بين الطليعة المقاتلة والإخوان المسلمين، لأن الإخوان يرفضونها، خاصة على لسان سعد الدين.

دراسة الكاتب حول الإخوان والتنظيمات القريبة منهم في الدول العربية تختلف عن دراسته حول الحالة الإسلامية في الدول الغربية بشكل عام وذلك بسبب توفر الكثير من المصادر بأكثر من لغة؛ ما يجعلنا نثمّن بحث الدكتور كستانيو في هذا الإطار الجغرافي رغم كون البحث في المنطقة العربية أضعف.

أثرى هذا الكتاب النتاج العلمي حول العالم العربي والإسلامي باللغة الإسبانية، وخاصة في موضوع مثير ومهم مثل تطور أفكار الإخوان المسلمين في الغرب ومدى وجود تشابهات واختلافات بين الحركات في أوروبا والعالم العربي، بالإضافة إلى تسليط الضوء على العلاقات الرسمية وغير الرسمية بين كل هذه المجموعات. ورغم وجود بعض الأخطاء في استخدام المصطلحات بطريقة ليست دقيقة في بعض الأحيان، وخلط في  المفاهيم وحتى إلحاق بعض الصفات غير الدقيقة ببعض المفكرين الإسلاميين، فإن هذا الكتاب تمكن كذلك من إسقاط بعض الأفكار المسبقة التي التصقت في أذهان الغربيين عن الإسلام عامة والحركات الإسلامية خاصة.
____________________________________
نعومي راميريث دياث - باحثة إسبانية في الإسلام السياسي بالمشرق  في جامعة أوتونوما في مدريد