إسلام بلا خوف!

محمد أبو رمان

 

    محمد أبو رمان

    "إسلام بلا خوف: مصر والإسلاميون الجدد" هو كتاب مهم للأكاديمي والباحث الأميركي ريموند ويليام بيكر، تمت ترجمته للعربية بواسطة المركز العلمي للدراسات السياسية (عمّان)، في العام 2008.

بالرغم من مرور أكثر من عقد على تأليف الكتاب، و9 أعوام على ترجمته، إلاّ أنّ أهميته وقيمته لا تتراجع، بل تزداد اليوم مع صعود الجماعات المتطرفة والمتشدد دينياً، مقابل تراجع التيارات الإسلامية الإصلاحية والوسطية شعبياً، وتجاهلها إعلامياً وسياسياً.

    الكتاب، وإن كان يتحدث عن مدرسة فكرية إسلامية وسطية في مصر، تتشكّل من انتلجنسيا مثقفة متكاملة، خلال العقود الماضية، مثل أحمد كمال أبو المجد (المفكر الإسلامي)، طارق البشري ومحمد سليم العوا (مفكران وقانونيان معروفان)، محمد الغزالي (المفكر والفقيه المعروف)، يوسف القرضاوي (العالم المشهور)، والصحافي فهمي هويدي.

     هذه المدرسة التي أعلنت عن نفسها بصورة جلية بما أسماه المؤلف "مانفيستو" في العام 1991، عبر كتاب ألّفه حينها أحمد كمال أبو المجد متحدثاً عن رؤيتهم في العديد من القضايا والمجالات بعنوان "رؤية إسلامية جديدة"، وهي رؤية كانت تلك المجموعة قد أعدّتها قبل ذلك بعشرة أعوام، لكنّها لم تر النور إلاّ في العام 1991، ثم قدّمها جماهيرياً أبو المجد بعد ذلك في عام 1992، بالتزامن مع المناظرة الشهيرة بين الشيخ محمد الغزالي وفرج فودة في معرض الكتاب في مصر.

     الكتاب يبدأ فصوله بسرد ذكي لقصة شاب متطرف أعلن عن توبته على التلفزيون المصري، وتخليه عن فكر الإرهاب والعنف، الذي كان يؤمن به، ويقدمّ ذلك الشاب في المسار الذي سلكه في طريق التطرف، ثم طريق العودة إلى الاعتدال، ويرصد بيكر كيف أنّ هذا الشاب، بالرغم من أنّه خدم الرواية الرسمية الأمنية بصورة مباشرة، إلاّ أنّ التأثير الأكثر عمقاً في حديثه كان أبعد مدى وكسر الصورة النمطية التي أرادت الدولة تكريسها بوصف المنخرطين في جماعات التطرف، مجرمين سطحيين، لا يملكون ثقافة، وغير متعلمين، ليظهر الشاب بقدر كبير من الكارزما والثقافة، متحدثاً بارعاً صدم المصريين وهو يتحدث عن "الجيل المفقود" من الشباب التائه بحثاً عن هويته وعن أفق، ليقع لاحقاً في براثن الخطاب التكفيري المتطرف!

     المهم في تلك الرواية أنّ الشاب سرد كيف أنّ عودته عن الطريق المتطرف أتت عبر بداية قراءته لكتب الشيخ محمد الغزالي، ثم الرموز الوسطيين، الذين لم تكن الدولة تعترف بدورهم في تلك الأعوام، إذ هزّ هؤلاء المفكرون إيمانه بطريق العنف والتطرف، ودفعوه إلى مراجعة أفكاره، وصولاً إلى التخلي عن المنهج السابق وخروجه من تلك الجماعات!

    بهذه القصة الجميلة يعرّج المؤلف على رؤية الإسلاميين الجدد، ذلك التيار، لقضايا العنف والإرهاب والتطرف الديني، ودعوتهم في مواجهة ذلك إلى استراتيجية كفاح وطني لمواجهة الفقر والجهل وإصلاح التعليم العام، ثم يتطرق لرؤيتهم للتعليم والمجتمع والسياسة والثقافة والفن والقانون، وكانت رؤية مغايرة تماماً للمواقف الفقهية والفكرية الإسلامية السائدة، فيها انفتاح شديد على الحريات والأدب والفنون، حتى أنّ كلا من أبو المجد والغزالي أدانوا محاولة اغتيال فودة (ومن المعروف أنّ أبو المجد قام لاحقاً، قبل أعوام، بتقديم لرواية محفوظ (أولاد حارتنا) التي دفعت بمتطرف لمحاولة اغتياله).

    هذا التيار، الذي تنتمي جذوره وأصوله، إلى المدرسة الإصلاحية الأولى (رائدها محمد عبده) ويؤمن بأولية الثقافة على السياسة وبأهمية الإصلاح والتجديد الديني، يمثل أحد أهم القوى التي من الممكن أن تحدث تغييراً ثقافياً واجتماعياً إيجابياً، وتتصدى لأفكار العنف والتشدد، وتساعد الأجيال الجديد على إيجاد طريقاً آمنة للمستقبل!