إعدام مفكّر مرتين! صورة سيد قطب في مسلسل الجماعة

محمد أبو رمان

 

محمد أبو رمان

     قلّما نجد مشككاً في الدور الذي أدته أفكار سيد قطب في نمو الفكر الراديكالي الإسلامي، وفي أنّها فتحت الطريق إلى تيار العنف لاحقاً، الذي أصبح يعتمد بدرجة رئيسة على كتاب "معالم في الطريق، وكتاب "في ظلال القرآن"، وكتاب المودودي "المصطلحات الأربعة في القرآن"، وهو الكتاب الذي جسّر قطب بينه وبين القاريء الإسلامي- العربي.

      ذلك صحيح، لكن الصورة التي أراد مؤلف مسلسل الجماعة (الجزء الثاني) أن يظهر فيها سيد قطب، هي صورة غير أمينة، ولا صادقة، وفيها ظلم وافتئات على الرجل بعد إعدامه بصورة مفضوحة، وهنالك فرق شديد وكبير جداً بين أنّ تنقد إنساناً نقداً رصيناً وعلمياً وبين أن تعمل على التشهير به عبر دعاية فيها تسخيف وتجهيل للمتابعين، وهو ما حدث بالضبط مع صورة سيد في المسلسل المذكور.

      بالرغم من أنّي ذكرت في العديد من المقالات السابقة أنّ مسلسل الجماعة كان أفضل حالاً من مسلسل غرابيب سود، لأنّه بني على معرفة علمية أكثر دقة وجهد بحثي محترم، بينما المسلسل الآخر كان غاية في السطحية والسخافة، إلاّ أنّ هنالك مغالطات فجّة وعميقة وقع فيها وحيد حامد وفريقة، وتشويه متعمّد تحديداً لسيد قطب، الذي بقي مؤلفو المسلسل مرهقين ومتعبين وحائرين في كيفية التعامل مع شخصيته وتحطيم أسطورته لدى المشاهد العربي عموماً، والمتابعين للملف الإسلامي خصوصاً.\

https://www.alaraby.co.uk/opinion/2017/6/24/%D8%A8%D9%8A%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%8A%D8%A8-%D9%88%D8%A7%D9%84%D8%AC%D9%85%D8%A7%D8%B9%D8%A9-1

     ربما يفضح هذا المنهج المخجل، فنياً وعلمياً، مشهد إعدام سيد قطب، الذي أريد له نسخ الانطباع المستقر لدى الجميع، وهي الثقة بالنفس والإصرار على منهجه، وتحديّه لناصر، وعدم قبوله بالوساطات والعروض التي كانت تطالبه بالاعتذار والحصول على عفو مباشر، فكان رافضاً بالقطع لها تماماً، والتقطت له صورة خلال مرحلة الحكم بالإعدام عليه وهو يبتسم، فأصبحت تلك الصورة أيقونة للشباب الذين تأثروا لاحقاً بفكره

       يا شهيداً رفع الله به جبهة الحق على طول المدى

                                  قد عّلمتنا يا شهيد بسمة المؤمن في وجه الردى.

https://www.youtube.com/watch?v=90aWy_xlDyk

      أقول: الفن مسؤولية أخلاقية وتاريخية ومهنية كبيرة، كان يمكن عرض أفكار قطب مثلما هي، والاقتراب من شخصيته إلى أكبر قدر ممكن، وعندها نترك المشاهد يحكم على أفكاره وعليه، من دون هذه الصورة المشوّهة الظالمة، لأنّها تناقض المهنية أولاً، والأمانة التاريخية ثانياً، وتتناقض مع الرسالة الفنية الصادقة ثالثاً.

       لتوضيح جملة من الحقائق، أقدّم بعض الملاحظات على أحداث المسلسل المرتبطة بسيد قطب تحديداً

    أولاً- حول مجمل شخصيته أراد المسلسل إظهاره كشخص متعجرف، مريض نفسياً، وهو ما بدا واضحاً بالمشهد الذي دار بينه وبين شمس بدران، المحقق المعروف، الذي أصبح لاحقاً وزيراً للحربية، ثم سجنه ناصر لاحقاً، وفي هذا المشهد يضع قطب أمام المرآة ليقول له أنت مريض نفسياً، واللقطات كافة للممثل الشاب محمد فهيم كان تذهب إلى تكريس هذه القناعة لدى المشاهد، وهي محاولة ممجوجة وغريبة، فالرجل لم يقل أحد ممن عرفه، حتى من خصومه، بهذا التوصيف، بل هو شاعر وأديب مرهف الحسّ، كان بإمكانه الوصول إلى درجة عالية مع الثورة الناصرية، لكنه انحاز للإخوان في مرحلة الصدام مع ناصر، أي في العام 1953، وتحمل الأذى الكبير في سبيل ذلك.

https://www.youtube.com/watch?v=chdJm_HZCK0

    ثانياً- مسؤولية سيد قطب عن حوادث العنف كافة، مثل حادثة المنشية 1954، التي سجن على أثرها 10 أعوام، ثم التنظيم الذي تم اكتشافه ولم ينفه سيد، وأدى إلى اعتقاله 1965، وأعدم على أثره، وهي عملية خلط مقصودة، وتحميله المسؤولية كاملة، وذلك غير صحيح أيضاً، فسيد قطب الذي يعترف بتأسيس تنظيم جديد، على هدي أفكاره، لإعادة بناء مشروع الجماعة، ينفي تماماً أي دور له في موضوع المنشية، بل ويرى أنّ الموضوع ما هو إلاّ تمثيلية لضرب الإخوان المسلمين.

http://judran.net/%D8%A2%D8%B1%D8%A7%D8%A1-%D9%88-%D8%A3%D9%81%D9%83%D8%A7%D8%B1/%D8%B3%D9%8A%D8%AF-%D9%82%D8%B7%D8%A8-%D9%8A%D9%83%D8%AA%D8%A8-%D8%B9%D9%84%D8%A7%D9%82%D8%AA%D9%89-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%AE%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D9%80%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D8%B1%D9%8A%D9%83%D8%A7-%D9%88%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%87%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%AD%D8%A8%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B4%D9%86%D9%82%D8%A9

      ثالثاً- عطفاً على النقطة السابقة أراد المسلسل أن يظهر قطب بالمختل العقلي، الذي يريد تفجير القناطر الخيرية وقتل المصريين، لأنّه يكفرهم، وقتل الشرطة والجيش، واعتمد في ذلك على بعض المذكرات، منها مذكرات علي العشماوي، الذي انقلب على قطب والتنظيم مع أولى مراحل الاعتقال، لكنّ الأغلب في المصادر الموضوعية أن ذلك غير صحيح، وأن التنظيم كان يهدف إلى إعادة بناء الجماعة، ولم يستبعد قصة الدفاع عن النفس في حال تعرض أعضاؤه للاعتقال، لأن المحاكمات لم تكن عادلة، في تفسير سيد قطب لذلك لاحقاً، وكانت تهدف إلى الانتقام فقط من أبناء الجماعة وتعذيبهم.

https://www.youtube.com/watch?v=u44OKCnkQT4

       رابعاً- أراد المسلسل أن يظهر قطباً وكأنّه يكفر الجميع ويستحل دماءهم، عبر منظومة المفاهيم التي استدخلها، مثل الجاهلية والحاكمية والمفاصلة واستعلاء الإيمان، ..الخ، وذلك أيضاً غير صحيح، فقد كان يكفر الحكام والانظمة ولا يكفر آحاد الناس، بالرغم من أنّه مهّد الطريق عبر هذه المنظومة لجماعات التكفير والعنف لاحقاً، إلاّ انّه كمفكر بعيد تماماً عن اللغة التي اظهره فيها المسلسل وحمله لها.

      رابعاً- بالرغم من أن المسلسل تعرض لعملية التعذيب ضد الإخوان، إلاّ انّه كاد يبررها ويعطيها الشرعية وهذا أخطر ما فيه، ولم يظهر تأثير العنف الكبير على أعضاء الجماعة وعلى ولادة الفكر الجديد الذي يقوم على الصدام والعنف لاحقاً، وربما لو لم يأتي فكر قطب، لجاء فكر آخر يملأ الفراغ، بين براغماتية البنا والمحنة الخطيرة التي مرّ بها الإخوان المسلمون، من تعذيب وسجن يوصف بالوثائق التاريخية الموضوعية بأنّه وحشي وغير متصوّر، وحتى في مرحلة السادات تم محاكمة الضباط الذين مارسوا التعذيب بحق الجماعات الجهادية، كما يثبت المحامي مختار نوح في كتابه "موسوعة العنف".

**

    سيد قطب مفكر كبير، ومثقف مهم، صحيح أنّه ثوري وكان أحد روّاد الفكر الإسلامي الراديكالي، ولا يمكن نفي مسؤوليته عن ذلك، لكن ذلك لا يعني المرور على عملية اغتياله فنياً وتاريخياً من خلال مسلسل الجماعة، بل الفن – إذا ارتبط بتوثيق التاريخ- مسؤول عن تقديم صورة موضوعية للاحداث لأنّه أهم بكثير من الكتب التي من الممكن ألا يقرأها إلا قلة قليلة، بينما الأعمال الفنية يشاهدها ملايين البشر!