الأردن.. إسلامية أم علمانية؟!

محمد أبو رمان

 

    محمد أبو رمان

    قدّمت الورقة النقاشية الملكية السادسة تصوّراً عميقاً توافقياً لهوية الدولة الأردنية، واشتبكت مع السجال الحالي المحتدم في الأوساط السياسية والثقافية بين دعاة الدولة المدنية، والعلمانيين من جهة والتيار المحافظ من جهةٍ أخرى.

    حدّد الملك الهوية المطلوبة بأنّها "دولة مدنية" وعرّفها بأنّها " دولة القانون التي تستند إلى حكم الدستور وأحكام القانون، في ظل الثوابت الدينية والشرعية، وترتكز على المواطنة الفاعلة، وتقبل بالتعددية والرأي الآخر، وتحدد الحقوق والواجبات دون تمييز بين المواطنين بسبب الدين أو اللغة أو اللون أو العرق أو المستوى الاقتصادي أو الانتماء السياسي أو الموقف الفكري".

     قبل ذلك قدّم الملك مؤشرات الدولة المدنية، وهي دولة مؤسسات، فصل السلطات، دولة التسامح والتعايش، حماية الحقوق والحريات، كفالة الحرية الدينية، ضمان التعددية وحرية الرأي الآخر..الخ.

بخصوص الجدل حول العلمانية والدين، أشارت الورقة إلى أنّ الدولة المدنية ليست مرادفعة للعلمانية، بمعني إبعاد الدين عن المجال العام، فـ"الدين عامل أساسي في بناء منظومة الأخلاق والقيم المجتمعية، وهو جزء لا يتجزأ من دستورنا".

     هذه معالم هوية الدولة الأردنية، ومن المفروض أن نبني عليها تصوّرنا للمرحلة القادمة، ومن المفترض أن تخرج بنا الورقة من السجال العقيم عن المصطلحات والثرثرة غير المفيدة إلى المضامين الإجرائية المطلوبة، والمؤشرات التي ذكرها الملك أحسب أنّها توفّر "أرضية صلبة" لضمانات عميقة للأطراف كافة، العلمانيين والليبراليين ودعاة الدولة المدنية الذين يخشون على التنوع والحريات الفردية والعامة والحريات الدينية، والإسلاميون الذين يخشون على هوية الدولة، بخاصة بعد الأحداث الأخيرة ومعركة الكتب المدرسية التي ما تزال مفتوحة.

    للعلمانية والدولة الإسلامية على السواء، كما أشرنا سابقاً، عشرات التعريفات، ولهما مفاهيم متعددة، قد تتضارب، فالعلمانية الأميركية ليست مثل العلمانية الفرنسية، على سبيل المثال، والعلمانية الهولندية لها خصوصيتها، والعلمانية التركية الأردوغانية ليست مثل العلمانية الأتاتوركية. والدولة الإسلامية الطالبانية أو الداعشية ليست مثل الدولة الماليزية أو التركية وهكذا، فنحن أمام نماذج وأمثلة ومفاهيم متباينة ومتناقضة، فالأفضل أن ندخل إلى ما نرديه نحن ويشكّل إجماعاً وطنياً ويستنبط لنا روح الدولة وحلمها من تاريخها ومصالحها وثقافتها الاجتماعية.

    التعريف، في نظري، واضح، الأردن ليس دولة دينية بالمعنى الثيوقراطي، أي الحكم باسم الله، ولا هي مذهبية بالمعنى المعروف بإيران، ولا هي أصولية بالمعنى الطالباني، فهي دولة إسلامية بالمعنى المنفتح المتسامح المعاصر، وهي في الوقت نفسه ليست دولة "علمانية ثورية" ضد الدين، أو معادية للرموز الدينية والروحية، وتقوم على إقصاء الدين من المجال العام، بل هي تقوم على منح الدين دوراً روحياً وقيمياً وتشريعياً بما ينسجم مع تطوير المجتمع وبناء الدولة والفهم الاجتهادي المنفتح.

    تلك القاعدة ليست جديدة، نظرياً، فهي التي تقوم عليها السياسة الأردنية تاريخياً، وكنت قد نشرتُ دراسة مستقلة عن هوية الدولة الأردنية، قبل أعوام، بعنوان "العلمانية المحافظة: النموذج الأردني في إدارة العلاقة بين الدين والدولة"، مستنطقاً السياسة والتشريعات والخبرة الأردنية لأصل إلى أنّ الأردن دولة علمانية، بمعني الفصل بين المؤسسات السياسية والدينية والمعاصرة، تحترم القيم الدينية وتمنحها حضوراً في المجال العام، بما يخلق معادلة مهمة استثنائية في التوازن بين القيم الروحية والأخلاقية والدين من جهة والحريات العامة والشخصية من جهةٍ أخرى.

    الطريف أنّ ما أسميته "النموذج الأردني" في إدارة العلاقة بين الدين والدولة حظي باهتمام من أوساط ديبلوماسية عديدة وباحثين غربيين، واتصل معي سياسيون من أسيا الوسطى يؤكدون على أهمية هذا النموذج في فك معضلة الهوية في دولهم الناشئة المنبثقة عن الاتحاد السوفيتي، فيما عاد مثقفونا يريدون اختراع العجلة من جديد!