خيوط اللعبة تتكشف؛ والأجندة مفضوحة!

1111

محمد أبو رمان

      دقائق معدودة، بالرغم من عمليات الدبلجة والرقابة المشددة، على الإعلام، كانت كفيلة بمنح الرئيس المصري محمد مرسي وجبة دسمة من التعاطف الشعبي، ومن تأجيج مشاعر الشارع المعارض للانقلاب العسكري، ما أحرج السلطة العسكرية، وأربك الماكينة الإعلامية الضخمة، داخلياً وخارجياً، التي تنسّق معها وتسوّق أجندتها!

      وإذا كان الإخوان المسلمين أخطأوا في "تقدير" صعوبات المرحلة الانتقالية، وما تحتويه من حقول ألغام ومنعرجات خطرة؛ فإنّ ذلك لا يمثل شيئاً أمام "المعسكر" الآخر، الذي ذهب بعيداً، وبسرعة قياسية، نحو إعادة ترميم النظام القديم، بآلياته وأدواته وديناميكيته، مع استبعاد بعض الرموز والقيادات، وعاد إلى "المنظور الأمني"، مصحوباً بصخب أكبر بآلة سياسية ودعائية متطرفة، تؤسس لمنطق إقصائي، تجاوز كثيراً ما كانت عليه نظام مبارك في العقود الماضية!

     خيوط اللعبة تكشّفت، سريعاً، عبر ما تم من خطوات، وصلت إلى حدّ تمجيد وزير الدفاع السيسي، وتقديسه، ومحاولة استعادة مفهوم الزعيم الملهم والقائد الضرورة، والتمهيد لتسليمه مقاليد السلطة في مصر، مع ترتيبات استثنائية في مسودة الدستور لتحصين السيسي، بالتوازي مع حملة من التخوين والاتهام لكل من يقف ضد هذا التحول الواضح، وليس مهماً إن كان من أبرز الشخصيات التي ساعدت على نجاح الانقلاب وتسويغه في البداية، بعد ثورة 30 يونيو، حتى لو كانت شخصيات قيادية مثل محمد البرادعي (الذي كاد أن يواجه تهمة الخيانة العظمى)، أو عمرو حمزاوي (الصديق المثقف والسياسي الليبرالي المعروف)، وأخيراً باسم يوسف (الذي منعت حلقته، وتعرّض لحملة شرسة، بالرغم من انتقاداته الناعمة جداً للمؤسسة العسكرية)!

   حتى شخصية سياسية إسلامية مرموقة، مثل عبد المنعم أبو الفتوح، زعيم حزب مصر القوية، لم يسلم من العداء، وكشفت التسريبات المنسوبة للسيسي عن حقيقة الموقف منه، بوصفه بـ"إخواني متطرف"، بالرغم من اتهام الإخوان له بالصمت والتخاذل تجاه ما حدث!

    فضحت الأجندة الحقيقية للنخبة العسكرية، ومن يدور في فلكها، نفسها بالنعومة المبالغة مع الرئيس الأسبق، حسني مبارك، وبرد الاعتبار لجهاز أمن الدولة، الذي قام بالتنكيل بالمعتقلين، والزج بالآلاف من رافضي الانقلاب في السجون، وببرك من الدماء، وبخطة إعلامية مرسومة بعناية ومركّزة لـشيطنة الإخوان المسلمين وحركة حماس الفلسطينية، وتحقير كل من لا يسير مع الركب، كل ذلك في ظل انتهاكات غير مسبوقة لحقوق الإنسان، تجاوزت زمن مبارك وما تمّ فيه.

    وتحظر جماعة الإخوان وتلاحق أمنياً، ويتم توجيه تهم تصل حدّ الإعدام لقادتها وأفرادها، بل تبدو المفارقة المذهلة أن تتجاوز التهم المنسوبة إلى محمد مرسي بدرجة كبيرة التهم التي وجّهت لحسني مبارك، الذي حكم مصر قرابة ثلاثة عقود!

     حسناً، حتى نبتعد عن ساحة الخلاف، لتعريف ما يجري؛ فإذا وضعنا جماعة الإخوان جانباً، كيف يمكن تفسير ما يحدث في مصر حالياً من خطوات لتسليم السيسي السلطة، والإطاحة بالمخالفين والتنكيل بهم، وإقصاء الرأي الآخر بكل قسوة، ماذا نسمّي ذلك سوى بترميم النظام القديم والعودة إلى الوصفة الأمنية الأحادية!

    هذه هي الأجندة الحقيقية، التي تتوارى خلف الإجراءات الواقعية والضجيج الإعلامي والسياسي، وهي أجندة تتجاوز حدود مصر وعنوانها إدانة الربيع العربي والإطاحة بالحلم الديمقراطي، وتخويف الناس من عواقبة.

   وعلينا أن نعترف، هنا، أنّ تلك الأجندة نجحت خلال الفترة الماضية في تحقيق جزء رئيس من أهدافها، مستعينة بتواطؤ دولي، وبالخلافات الشديدة في معسكر الثورة الوليدة، التي ما تزال الطريق أمامها ضبابية. مع ذلك، فإنّ مشكلة هذه الأجندة أن الوصفة التي تقدّمها للشعوب العربية هي وصفة بائسة مجرّبة، تحمل في طياتها وحيثياتها الأزمات والأمراض التي أنتجت الانفجار الشعبي، وهي كفيلة بإعادة إنتاجه لاحقاً!