زمزم في الإسلام السياسي: نقطة تحوّل أم استنساخ لانشقاقات فاشلة؟!

1111محمد أبو رمان

        أُعلن في يوم السبت 5  اكتوبر عن إطلاق مبادرة البناء الوطني "زمزم"، في احتفال كبير أقيم في المركز الثقافي الملكي، وبحضور مئات الشخصيات السياسية، وبتغطية إعلامية واسعة، وباهتمام رسمي ملحوظ، أثار بحد ذاته تساؤلات جوهرية عن مستقبل المبادرة ومصيرها، فيما إذا كانت تمثّل قفزة نوعية في فكر "الإسلام السياسي الأردني، وتطوير الممارسة إلى آفاق جديدة، بخاصة بعد التجربة المصرية، أم أنّنا أمام إرهاصات لانشقاق جديد فاشل، وخدوش تنظيمية في جسم جماعة الإخوان المسلمين في الأردن لا أكثر؟!

       السؤال السابق هو محور هذه المقالة، بعيداً عن الأحكام المسبقة الجائرة عليها، إذ استندت فقط إلى "الشكليات"، التي أحاطت بالإعلان عنها،  في المركز الثقافي الملكي، واستحوذت (أي الشكليات) على اهتمام الإعلام والمراقبين والسياسيين، أكثر مما حظي مضمون المبادرة نفسه بالاهتمام والتركيز، وحتى ما قدّمته الورقة السياسية للمبادرة من أفكار إصلاحية واضحة وصريحة في سقفها المرتفع.

-1-

     بدايةً الحكم مستقبلا على زمزم ومصيرها يتحدّد من خلال ثلاثة خطوط رئيسة؛ الأول ماذا يريد أصحاب المبادرة؟ والثاني ماذا تريد "الدولة" منها؟ والثالث موقف جماعة الإخوان؟

     لنقف أولاً عند الطرف الرسمي، أي الدولة، إذ يثير الاحتفاء المبالغ فيه من الإعلام الرسمي بالمبادرة أحد أبرز الإشكاليات حولها، بالرغم أنّ ما تطرحه من "رؤية إصلاحية" لا يتوافق بالضرورة مع "السقف الحالي" للإصلاح في الأردن، ولا مع مزاج الدولة! لكن ما يفسّر هذا "العرس الرسمي" بزمزم، هو بدرجة رئيسة محاولة توظيفها بوصفها "انشقاقاً" جديداً عن جماعة الإخوان المسلمين، وضربة قاصمة للتنظيم من الداخل، ما يدلّ على ضعفه وتفكّكه.

     الدولة ليست معنية بقادة المبادرة ولا بأفكارها ولا بجوهر مشروعها، بقدر ما تحاول استثمار ذلك لضرب الجماعة، حتى لو أدّى الأمر – في نهاية اليوم- إلى "حرق" المبادرة نفسها والشخصيات القيادية فيها!

   على الطرف الآخر، بالرغم من "غضب" قيادة الجماعة الحالية المحسوبة على التيار المعارض لمجموعة "زمزم"،  من المبادرة وقيادتها،  وإصدار أوامر لأفراد الجماعة بالابتعاد عن المبادرة، وعدم المشاركة فيها، فهم حريصون على عدم فصل المشاركين فيها، إلاّ إذا أعلنوا نيّتهم تأسيس حزبٍ سياسي.

    القرار، إذاً، هو "التعايش" بين الجماعة وزمزم، مرحلياً، بعد أن فشلت الجهود الدائمة خلال السنوات الماضية في رأب الصدع داخل الأطر القيادية وتقريب المسافات بين أجنحة الجماعة المختلفة، وبصورة رئيسة بين الحمائم- الإصلاح والتيار الآخر الذي يوسم بالتشدد (وهو وصف بالمناسبة لم يعد دقيقاً ولا معبّراً عن جوهر الاختلاف الراهن)، لكنه تعايشٌ محدد بما ستؤول إليه مبادرة زمزم.

   داخل الجماعة، أيضاً، لا تحظى مبادرة زمزم بموافقة وقبول من قبل قيادات جناح الحمائم أجمعين، بل إنّ جيل الشيوخ يعارضون إطلاقها، مثل عبد اللطيف عربيات وعبد المجيد ذنيبات وعبد الحميد القضاة وإسحاق الفرحان، خشيةً من أن تؤدي إلى الانشقاق، وينضم إليهم سالم الفلاحات وعبد الهادي الفلاحات، وغيرهم من قيادات الحمائم، بينما يتبنّاها ويبرمجها كل من رحيل غرايبة ونبيل الكوفحي ونائل مصالحه وجميل دهيسات، ومعهم نخبة من الشباب الصاعد في الجماعة، من الطاقات التكنوقراطية والمثقفة الفاعلة والناشطة.

     ربما هذا يقودنا إلى الطرف الثالث، أي ماذا يريد أصحاب المبادرة أنفسهم؟ فمن الواضح أنّ المبادرة تعكس أولاً شعوراً بعدم جدوى الدوران في طاحونة "الأزمة الداخلية"، التي تستهلك الجماعة منذ سنوات، بلا مخرج حقيقي، ما أدى إلى استنزاف هذه الطاقات من دون القدرة على إحداث اختراق جوهري في طريقة عمل الجماعة وخطابها السياسي.

    لذلك لجأت مجموعة "زمزم" إلى التفكير "خارج الصندوق" عبر مبادرة تتجاوز الإطار التقليدي- التنظيمي إلى المجال الوطني العام، في محاولة لبناء "أرضية مشتركة" مع كل من يتوافق مع هذه الأفكار الإصلاحية للعمل العام، خارج دائرة الاستقطاب السياسي والصراعات الراهنة، بخاصة في الأردن، على خلفية ما يحدث في مصر وسورية، لتجنّب الأخطاء التي وقعت بها الجماعة في مصر، وهي الأخطاء التي تنبّه لها قادة المبادرة في مرحلة مبكّرة جداً.

-2-

       مبادرة زمزم، إذاً، تشكّل "فرصة" مهمة لمجموعة من الشباب للانطلاق نحو التفكير الإبداعي الخلاّق، للتفكير مع الآخرين في الوطن، وليسوا بالضرورة حزبيين، وفق منطق الشراكة الوطنية، ليس فقط في مسار الإصلاح السياسي، على أهميته البالغة، بل حتى في الشأن الأكثر أهمية اليوم، الذي تتجاهله الأحزاب والقوى السياسية، بالرغم أنّه يمثّل الشغل الشاغل للمجتمعات العربية، ألا وهو الاقتصادي والتنموي، فنحن بحاجة إلى انخراط المجتمع المدني بصورة أكثر عمقاً وحيوياً وتدفقاً في التطوير والعمل التطوعي والخيري والأفكار الخلاّقة في تخليق التنمية وتدوير العجلة الاقتصادية والتعليم والصناعات الصغيرة والوسطى في المجتمعات المحلية.

      في هذا السياق تمثّل زمزم خطوة نوعية، على صعيد الفكرة ذاتها، وهو ما تعيه قيادة المبادرة، التي رفعت شعار "الشراكة" مع الجميع، فلم تطرح  نفسها، ابتداءً،  على صيغةِ حزبٍ سياسي، بل بوصفها مجموعة من المبادرات والشبكات التي تسعى إلى تحقيق تغييرات على أرض الواقع، بعيداً عن الأطر الأيديولوجية التقليدية المهترئة، مع عدم تجاوز مشروع الإصلاح السياسي، لكن برد الاعتبار لدور المجتمعات والإنسان في النهوض والتطوّر، وهو ما يُلزم أصحاب المبادرة بطرح تصوّر أكثر وضوحاً وتماسكاً للأهداف التي يسعون إلى تحقيقها عبر الاندماج بالمجتمع المحلي وإدماج الشباب في إطار هذه المبادرة.  

     على هذا الأساس من التفكير الجديد، فإنّ نجاح المبادرة يتوقف ابتداءً على التريث في تأسيس حزب سياسي، والتركيز حالياً على إنتاج وتطوير الشبكات الخدماتية والتطويرية، وإنضاج خطّة عمل برامجية، لكن أحد أهم شروط الإنجاز يتمثل في عدم وضع "وصاية" من القيادة على جيل الشباب، وإطلاق طاقاته للعمل والإبداع والبناء، وربما تمثّل هذه القضية إحدى المشكلات التقليدية المعروفة التي عانت، وما تزال، منها جماعة الإخوان المسلمين، كما يعرف قادة الجماعة أنفسهم، إذ تمثّل مخزناً كبيراً للطاقات البشرية والخبرات التكنوقراطية، لكنّها جميعاً مقيّدة ضمن تنظيم هيراركي- حديدي، وفق مفاهيم تقليدية سطحية من البيعة والطاعة، شكّلت بحد ذاتها عائقاً كبيراً أمام انفجار الطاقات الشبابية في الاتجاهات التنموية والإبداعية المفيدة!

     على أصحاب المبادرة التفكير حالياً في اليوم التالي لـ(5) حزيران- أي ما بعد الإعلان الاحتفالي عنها، أولاً على صعيد بناء تصوّر خطّة العمل والتجنيد والاستقطاب والتعبئة، تنظيم الأفكار وتطويرها وبرمجتها على أرض الواقع، وثانياً الانطلاق في مشروعات التنفيذ والتطبيق، والخطط السنوية، وثالثاً تطوير مركز الدراسات (الذي سجّله د. رحيل غرايبه) ليكون بالفعل مؤسسة استراتيجية مهمة في رفد المشروعات الواقعية برؤى وأفكار وتقييمات مفيدة.

    وربما هذا يعود بنا إلى الأطراف الأخرى المؤثّرة في رسم مستقبل المبادرة ومخرجاتها، وهما الدولة والإخوان، فعلى صعيد الدولة، فإنّ مهمتها الرئيسة انتهت يوم الإعلان عن زمزم، في "العرس الوهمي"، الذي أقامته، وستقتصر جهودها لاحقاً على تعزيز نزوع الانشقاق لمجموعة زمزم، وتقديم "الإغراءات" لهم للقيام بذلك، وترويج هذه الفكرة إعلامياً وسياسياً!

     هذا التوجّه الرسمي يمثل استمراراً لسلسلة الأخطاء الرسمية والرهانات البائسة، التي تعوّدنا عليها، لكن إن كان ثمة مفيد ووطني بحق يمكن أن تقوم به مؤسسات الدولة، فيتمثّل بالتعاون ما بين صندوق الملك عبد الله، برئاسة د. عمر الرزّاز، وعبر مشروع التمكين الديمقراطي، فهذه المبادرة أهم مشروع للتمكين الديمقراطي يمكن أن يتبنّاه الصندوق، وربما من المفيد إيجاد صلات قوية وتنسيق بين المبادرة والصندوق، خلال الفترة القريبة المقبلة..

-3-

    جوهر فكرة زمزم، التي تقوم على الانعتاق من التفكير التنظيمي الحديدي إلى الوعاء الوطني الجامع، ومن سياق الصراع الثنائي- الصفري مع الدولة إلى قيمة الشراكة الوطنية، ومن سياق العمل السياسي إلى إنتاج والانخراط في شبكات تعزز العمل التنموي والتطوعي.

      من المفترض أن تؤول أهداف هذه المبادرة إلى تأسيس إدراك جديد لمفهوم المواطنة يقوم على علاقة الإنتاج والعطاء، وتشكيل  إضافة نوعية للعمل العام.

      مثل هذه الأفكار هي بحد ذاتها تمثّل قفزة مهمة وحيوية في طبيعة مشروع الإسلام السياسي نفسه، إذ تتجاوز المنطق الأيديولوجي- الصراعي، و"الهاجس الهويّاتي" (أن مقولة الإسلام هو الحل، في مواجهة العلمانية والتغريب)، الذي حكم تصور الإسلاميين خلال العقود الماضية، وجعل الحركات الإسلامية أسيرة للشعارات والعاطفة الجيّاشة والروح التعبوية، بدلاً من التفكير الخلاّق الإبداعي والانخراط في المجتمع مع الفئات المختلفة. 

      مثل هذا التفكير المختلف إذا وجد طريق النجاح، ما يعتمد على ذكاء إدارة أصحاب المبادرة، فإنّه يمثّل "نقطة تحوّل" تاريخية ليس في خطاب الحركات الإسلامية فقط، بل حتى في مسار المجتمعات العربية، في تطوير فهم الإسلام ودوره في الحياة العامة والخاصة، بوصفه محفّزاً على التنمية والنهوض والعمل العام والتغيير والمستقبل، والانطلاق نحو روح الشريعة ومقاصد الدعوة، لا الدوران حول الذات والوقوع (بالتخصص) في "الشِراك"، والتمسّك بالرسوم والشكليات على حساب الجوهر والمعنى!

     بالضرورة، فإنّ هذا السياق الجديد يطرح سؤال العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين؛ فبالرغم من تأكيد القيادة الحالية للجماعة أنّها لن تأخذ خطوات حاسمة بحق أفراد زمزم، مثل الفصل، إلاّ أنّ العلاقة مأزومة بين الجماعة والمبادرة، وفي حال تمّ التصريح بتأسيس حزب سياسي ستقوم الجماعة بفصل أعضاء المبادرة فوراً!

       إذا كانت زمزم تعكس فشل النخب القيادية في طيّ خلافاتها وتحجيم الأزمة الداخلية، خلال السنوات الماضية، فإنّ الوجه الآخر للمبادرة يمكن أن تمثّل، على النقيض من ذلك، حلاّ وأفقاً واسعاً للخروج من هذه الأزمة، بل وتطوير خطاب الحركة الإسلامية وممارستها، بالانتقال من الهرمية إلى الشبكية، ومن قيود التنظيم إلى شوارع الوطن والمجتمع المحلي، والاستفادة من "الدرس المصري".

     النقلة النوعية التي نتحدث عنها هنا، وتمثّل تحولاً بنيوياً في طبيعة الجماعة، تتلخّص بأن تكون جماعة الإخوان مظلة روحية ومدرسة فكرية عامة، لأبنائها وأنصارها، تمثّل مرجعية دعوية وأدبية، لكنّها في الوقت نفسه تترك المجال للأفراد للانطلاق في أعمال تنموية وخدماتية وتطوعية باستقلالية كاملة عن "قرار الجماعة"، أو التداخل معها، ومن ضمن ذلك ميدان العمل السياسي وتأسيس الأحزاب المختلفة، أي الفصل بين الدعوي والسياسي بصورة واضحة وصريحة أولاً، وتحرير طاقات أبناء الجماعة للعمل العام والتطوعي والمدني. 

      بالطبع مثل هذه الفكرة ستكون ثقيلة على قلوب أبناء الجماعة، الذين تعوّدوا على دفء العمل التنظيمي الصلب، لكنّها تمثّل مفتاحاً للمستقبل، لتطوير الجماعة وأدواتها وأساليب عملها، بما يتوافق مع المتغيرات الهائلة التي حدثت خلال السنوات الماضية، فنجاح أي فكرة أو مؤسسة يكمن في قدرتها على التطوّر والتكيّف والتجديد والإبداع، فهذا سرّ العبور إلى المستقبل، لا التكلّس والتقوقع والإصرار على الموجود خوفاً من التغيير!  

       في نهاية اليوم؛ يمكن أن تصبح زمزم نقطة تحول في العمل الإسلامي، مثل حزب العدالة والتنمية في تركيا وحركة فتح الله كولن، أو نموذج مستنسخ من انشقاقات فاشلة؛ إذ يبقى التحدّي البنيوي للفكرة في القدرة على بناء "خطة عمل" وتنفيذها على أرض الواقع عبر تصوّر ناضج نظرياً وواقعياً!