طقطقات: المصري والسعود والنسور

12111111

 جمعت المقالات الأخيرة في هذه التدوينة، وتحتوي على تعليقات على أحداث متتالية؛ تبدأ بتغيير رئيس مجلس الأعيان وتمتد إلى توقيف يحي السعود فالإفراج عنه، ثم استطلاع المائتي يوم حول شعبية الرئيس عبد الله النسور والحكومة..

بين يدي هذه التدوينة، من الضروري الإشارة إلى أنّ السياق الذي يجمع بين جملة من الأحداث الأخيرة يكشف عن العقلية الرسمية التي بدأت تتعامل مع الحراك والمعارضة السياسية وحتى الأصوات المختلفة داخل السيستم نفسه بمنطق الولاء والعداء، ومعنا أو ضدنا، ويقف خلف ذلك شعور عارم يهيمن على "مطبخ القرار" بالانتصار والظفر في معركة الربيع العربي، بعدما أُسقط حكم الرئيس مرسي وتعثر الوضع السوري، واستعاد معسكر الاعتدال العربي، التقليدي، المبادرة السياسية بإعادة السياسة الخارجية الأيمركية إلى المقاربة التقليدية؛ الاستقرار، في مواجهة مقاربة "إدارة التغيير" التي بدت مع بدايات الربيع العربي، وكانت تدفع باتجاه إدماج الإسلام السياسي في المشروع السياسي الجديد في المنطقة..

المصري وحسبة "الأصول والمنابت"!

    محمد أبو رمان

    من الطبيعي أن تثير مقابلة موقع (CNN) العربية مع رئيس مجلس الأعيان السابق، طاهر المصري هذا الحجم من ردود الفعل في الأوساط السياسية والمجتمعية في البلاد، إلاّ أنّ المقابلة وجدت صدى غاضباً للغاية في الأوساط الرسمية العليا، وفتحت باباً  واسعاً لـ"المتصيدين في الماء العكر"!

    إلاّ أنّ موضوع "الأصول والمنابت"، الذي استولى على اهتمام النخب السياسية بالأمس، هو المدخل الخاطئ تماماً، بل ربما المعكوس لقراءة ما اعتبره الرجل "استبعاداً" له. فلم يذكره المصري سوى في إشارة "غامضة" خاطفة، تمّ تضخيمها وتهويلها، مع أنّه لم يوضّحها، وقد يكون قصده من ذلك عكس ما فُهم تماماً، بينما كان الجزء الكبير من المقابلة مكرّساً للحديث عن موقفه من الإصلاح السياسي والربيع العربي، فضلاً أنّ ذلك لا ينطبق تحديداً على المصري، الذي يحظى بمصداقية وشعبية كبيرة من مختلف الأوساط المجتمعية.

   على النقيض من "التحليلات السطحية"؛ فإنّ موضوع الأصول والمنابت هو الذي "أطال" في عمر رئاسته لمجلس الأعيان، بالرغم من عدم انسجام مواقفه وأفكاره مع مؤسسات القرار الأخرى، في أغلب الأحيان، فوزنه السياسي ورصيده الشعبي، على اعتبار خلفيته الاجتماعية، جعل من الصعوبة الشديدة على "دوائر القرار" تقديم بديل مقنع وكفؤ له، من الوسط الأردني- الفلسطيني، وباءت محاولة سابقة (كما أشار هو) بالفشل عندما دعمت بعض مراكز القرار ترشيح د. محمد الحاج رئيساً لمجلس النواب، لكنّه لم ينجح، وشعر حينها المصري بأنّ خيطاً بدأ يلتف حول عنقه من قبل "خصومه" في دوائر القرار الأخرى للإطاحة به!

   أيّاً كانت الرواية الرسمية لتغيير رئيس مجلس الأعيان؛ فمن الواضح أنّ العديد من الأوساط السياسية والشعبية، ولا حتى الديبلوماسية، لم تنظر إليه بوصفه تبديلاً طبيعياً، بل انعكاس بحالة عدم الارتياح لمواقف الرجل وتوجهاته الإصلاحية من قبل الطبقة السياسية المحافظة النافذة اليوم في دوائر القرار المختلفة!

     المفارقة تبدو بأنّ المصري لا يقدّم نفسه معارضاً، ولا حتى المعارضة تعتبره كذلك، ولا سياسياً متمرداً، وبقي يعمل ضمن الإطار التقليدي للاختلاف في وجهات النظر، بالرغم أنّ "الدولة" تجاهلت ما قدّمه، عبر لجنة الحوار الوطني، إذ حقق نجاحاً كبيراً بجهود متميزة منه لإدارة الاختلاف بين أكثر التوجهات السياسية المتطرفة المتبادلة، ونجح في الوصول إلى "وصفة توافقية" متميزة لقانون الانتخاب، لم يتم العمل بها، مع ذلك بقي الرجل يعمل بهدوء ضمن إطار السيستم، من دون أن يثير جلبة أو لغطاً بقدر ما يعبّر بحدود مؤدّبة، وخجولة في كثير من الأحيان، عن وجهة نظره تجاه ملفات متعددة!

   قيمة المصري تمثّلت في أنّه كان يقوم بدور "الوسيط" أو الصوت العقلاني- المعتدل في الدولة، ويمثّل مفتاحاً أساسياً عندما يتم التفكير في شخصية "تملأ الفراغ"، وتمثّل خياراً مقبولاً للدولة والمعارضة، للمواطنين من مختلف الأوساط الاجتماعية، بالإضافة إلى الحيوية التي أضفاها على دور مجلس الأعيان في التشريعات وتقييم سياسات الدولة، بالرغم من تركيبة المجلس الضعيفة غالباً، التي لم يكن له دور كبير فيها!

   وهنا تحديداً تبرز أهميته، وربما الدلالات، التي بدأ البعض يتداولها، من إخراج المصري من التركيبة الراهنة، بالتزامن مع الاعتقالات في أوساط الحراك، والانتقادات الدولية لتراجع مستوى الحريات العامة؛ كل ذلك يُقرأ في أوساط سياسية وإعلامية بدرجة كبيرة من القلق، ويطرح هاجساً كبيراً في هيمنة عقلية التصنيف؛ ما بين موالٍ ومعادٍ، مع أو ضد، لكل من يوافق أو يختلف مع السياسات الرسمية، في الإصلاح والاقتصاد!

    سواء كان الحديث عن المصري أو غيره من رجال الدولة، أو حتى قوى وشخصيات المعارضة؛ فإنّ النظام السياسي يكون أقوى وأكثر صلابة في مواجهة التحديات والتهديدات، كلما كانت مرونته وقدرته على إدارة الاختلاف في وجهات النظر داخلياً بسعة صدر واسعة ورحبة، من دون إقصاء أو استبعاد، ما  يخلق أزمات ويطرد أصدقاء ويستعديهم بلا داعٍ أو فائدة حقيقية تذكر!

***

هل هي "قرصة أذن"؟!

 

حسم النائب العام في محكمة الجنايات العليا السجال السياسي أمس، بإصداره حكماً بفسخ قرار الجنايات وعدم محاكمة النائب يحي السعود، بعد أن كان المدعي العام في محكمة جنايات عمان قد قرر (سابقاً) توجيه تهمة التحريض على القتل له، في المشاجرة المعروفة بين النائبين الشريف والدميسي، وبتوجيه تهمة القدح والذم في حق مجلسي النواب والوزراء، والاعتداء بجنح مؤثر على رئيس الحكومة وعضو في مجلس النواب.

 

على الصعيد القانوني والقضائي، تؤكّد مصادر خبيرة  بأنّ التهم التي كانت موجهة للسعود محبوكة جيداً، بخاصة ما يتعلق في التحريض على القتل، إذ لا تستدعي أن يكون هنالك "ادعاءً" عليها، بل شهود على ذلك توصلت إليهم التحقيقات الأولية. أما التهم الأخرى، مثل القدح والذم بحق المؤسسات العامة والأشخاص (مجلس النواب، الحكومة، رئيس الحكومة)، فتستدعي، وفقاً للخبير القانوني والنائب السابق، مبارك أبو يامين، "إخباراً" عنها أو شكوى بها.

 

المصادر الحكومية، على النقيض من القناعة السائدة في الأوساط السياسية والعامة كانت تؤكّد بأنّ الرئيس لم يكن يرغب  بتوقيف السعود، وشعر بالقلق مما يحمله ذلك من رسائل سياسية غير مقصودة، وربما ظهر ذلك جلياًَ في التصريح الصادر عنه، بأنّه لم يدَّعِ على السعود، وأنه لم يرغب بذلك، ولم يشعر بالارتياح مما حدث!

 

عدم الارتياح، الذي انتاب الأوساط الحكومية، يأتي في سياق توقيت التوقيف عشية افتتاح الجلسة العادية، يوم الأحد المقبل، ما يؤزّم العلاقة بين المجلس والحكومة، وخشية من أن تُحمّل الحكومة ذلك، بخاصة أنّ السعود هو أبرز نائب معارض، بل معادٍ لرئيس الحكومة، عبد الله النسور، ودخل في خلافات عميقة مع زملائه لهذا السبب. 

المفارقة أنّ السعود كان من بين مجموعة أخرى من النواب المشاغبين على الحكومة، الذين كانوا يقفون معه في خندق الموالاة، لكنهم لأسباب شخصية بالدرجة الأولى، مرتبطة بالعداء مع الرئيس النسور، والشعور بخذلان الدولة لهم، ذهبوا إلى طرف المناكفة، ليس من خندق المعارضة الإصلاحية الديمقراطية، بل من خندق محافظ مناكف معاتب، لا أكثر!

لم تقف مناكفة السعود مع الحكومة ومحاولته إعادة ترميم دوره أو هيكلته تحت القبة، بل اشترك مؤخراً في جهود احتواء الأزمة مع نشطاء الحراك في حي الطفايلة، بعد اعتقال اثنين منهم، فيما كان سابقاً يقف على الطرف الآخر المعاكس تماماً لهذا الحراك! 

سياسياً، وإلى الأمس، كانت هنالك نظرية أخرى في  أوساط نيابية وسياسية تنظر إلى تداعيات التوقيف على ثلاثة أصعدة، الأول ضبط قواعد اللعبة السياسية، ورد الاعتبار لهيبة الدولة في عيون الجميع، بمن فيهم النواب، والثاني تسهيل مهمة الرئيس، خلال الفترة القريبة القادمة، بالتخفيف من حدّة المعارضة النيابية المشاغبة، والثالث يتمثل في معركة رئاسة مجلس النواب، إذ أنّ السعود يقف إلى جانب عبد الكريم الدغمي، بقوة ونشاط، وهو الخيار الذي لا تريده "مؤسسات القرار" للمرحلة القادمة، لأسباب متعددة، من بينها مواقفه تجاه الملف السوري ومن دول الخليج العربي.

بالنتيجة؛ ما حدث مع الرجل كان جدلياً، حتى في مؤسسات القرار، وانتهى إلى الإفراج عنه ومنع محاكمته، بعد أن رُفِض طلب الكفالة له سابقاً، بالرغم من توسط عدد من النواب، وربما التطوّر الأخير يفتح الباب أمام جملة من التساؤلات التي سنتعرف على إجابتها لاحقاً، فيما إذا كان ما حدث معه قانونياً- قضائياً، لم يخرج عن هذا الإطار، أم أنّ هنالك سياقاً سياسياً يضاف إلى ذلك يرتبط برسالة واضحة للسعود، تقتصر اليوم على "قرصة أذن"، وهل سيلتقط الرسالة أم يصرّ على المضي قدماً في مناكفته للنسور، مما بات يزعج الدولة، أم أنّ النتيجة ستكون عكسية تماماً في تأزيم العلاقة بين الحكومة والمجلس في بداية دورة نيابية يتوقع أن تكون ساخنة أصلاً! 

***

الرئيس يحطّم الأرقام القياسية!

       ربما الإضافة النوعية التي يمكن أن يقدّمها استطلاع اتجاهات الرأي العام الاردني (بعد مرور مائتي يوم على تشكيل حكومة د. عبد الله النسور الثانية) على حاسّة الفكاهة المتصاعدة لدى الأردنيين هو أنّ الشيء الوحيد الذي فشل الرئيس في "رفعه" فشلاً ذريعاً هو شعبيته (وصلت إلى 48%)، فعلى النقيض من ذلك تهاوت بصورة سافرة ليحطّم الرقم القياسي الذي سجله قبله، رئيس الديوان الحالي، ورئيس الوزراء السابق، د. فايز الطراونة (49%)، بوصف حكومته الأقل شعبية منذ بدء إجراء استطلاعات الرأي قبل قرابة عقدين!

       بالضرورة مثل هذه النتيجة كانت متوقّعة، حتى لدى الرئيس نفسه!، وما يوضّحها بصورة فجّة هو حضور الشأن الاقتصادي في أرقام الاستطلاع. لكنّ حجم الخسوف أكبر مما كان منتظراً. والمفارقة التي يشير إليها الاستطلاع تتمثّل بأنّ شعبية الرئيس لم تنخفض عندما أعاد تشكيل الحكومة في شهر نيسان 2013، ولا في استطلاع "قضايا راهنة" أجري في ديسمبر 2012؛ بالرغم أنّ ذلك جاء بعد رفع أسعار المشتقات النفطية، وما تلاها من احتجاجات!

      ليس فقط الرئيس هو من حطّم الأرقام القياسية في تدنّي الشعبية، بل حتى الفريق الحكومي، هو أيضاً حاز على "أسوأ نتيجة" بين الحكومات، إذ وصلت نسبة من يعتقدون أنه قادر على القيام بمهماته إلى (40%) فقط، وهو ما نجد صداه في تقييم الناس لنجاح الحكومة في التعامل مع مشكلات البطالة والفقر والبنية التحتية وتحسين الخدمات!

      إذا تجاوزنا الحديث عن الرئيس والحكومة، فإنّ ما يستحق القراءة في الاستطلاع الحالي، وهو الأكثر خطورة وأهمية، يتمثل بأنّ نسبة كبيرة (64%) من العينة الوطنية ترى بأنّ الأمور تسير بالاتجاه الخاطئ، بينما فقط 29% ترى أنها تسير بالاتجاه الصحيح، وهو رقم قياسي آخر يحطِّمه الرئيس، مقارنةً برؤساء الحكومات السابقين، ويعكس حالة المزاج الشعبي العام، وبالضرورة فإنّ ذلك ينعكس في عدم شعور الناس بإمكانية تحسن الأوضاع الاقتصادية، إذ أنّ (50%) من العينة الوطنية يرون بأنّ ظروفهم الاقتصادية ستكون أسوأ، بينما فقط (19%) تتوقع بأن تكون أفضل مما هي عليه الآن.

       دلالة هذا المزاج السلبي تكمن في أنّ الحكومة أسبهت في تفسير قراراتها الاقتصادية وتبريرها، لكنّها لم تقدّم رسالة موازية تبقي باب الأمل مفتوحاً بانتعاش اقتصادي وتحسن الأحوال، بل على النقيض أصبح المواطن ينتظر دوماً ارتفاعاً في الأسعار والسلع، وهو الهمّ الذي هيمن على موقفه من الحكومة ورئيسها.

       على الطرف الآخر، لم يكن وضع البرلمان أفضل حالاً، بالرغم من أنّه جاء بعد التعديلات الدستورية، وإقرار قانون انتخاب جديد، فما يزال البرلمان يعاني من أزمة عميقة من الثقة مع الرأي العام، كما في الاستطلاع، إذ يبدو معدّل شعبية الحكومة مقارنةً به "مشرّفاً"، إذ لم تتجاوز علامات البرلمان، لدى العينة الوطنية حاجز الـ31%، في جميع مسؤولياته!

    من المعطيات المهمة اللافتة، فيما يتعلق بشعبية الحكومات على صعيد الأقاليم، فإنّ المعادلة قلبت منذ استقالة حكومة عون خصاونة، إذ أصبحت النسب المتدنية دائماً في الشمال مقارنةً في الجنوب، وهو ما قد يؤشر على أنّ الشعور بالمظلومية والاحتقان يسيل من إقليم إلى آخر.

    والشيء بالشيء يذكر فإنّ أفضل الأرقام حازتها حكومة عون الخصاونة، وهي الحكومة التي نجحت بعد مائة يوم في رفع نسبة تأييدها بعكس الحكومات الأخرى (باستثناء استطلاع المائة يوم على حكومة البخيت الثانية)، وحظيت بمستوى ثابت من الشعبية، وفق الأرقام، فهل يفسّر ذلك الانفتاح السياسي الذي حاول الرجل القيام به حينها؟!