في غياب "النقد الحضاري" للمجتمع!

1122لا ينظر الناس لـ"النقد الاجتماعي" بارتياح وقبول، بل على النقيض من ذلك قد تؤدي كتابة البعض أو حديثه في هذا المجال إلى اتهامه بأنّه يريد تبرئة السلطة أو الحكومة من الفشل في علاج الأزمة الاقتصادية ومن تهم الفساد والتخبط وغياب الشفافية، وإلقاء المسؤولية على المواطنين، وتحميلهم وزر هذه الأزمات!

    مثل هذه الحساسية المبالغ فيها تجاه أي نقد يوجّه للمجتمع ولسلوك الناس، جعلت المجتمع محصّناً، وأي اقتراب نقدي من ثقافته وسلوكه، سياسياً وإعلامياً، غير مقبول، وهذا للمفارقة مناقض تماماً للأسس والأصول التي قامت عليها مقاربة المدرسة الإصلاحية الإسلامية العريقة، من محمد عبده ورشيد رضا وعبد الحميد بن باديس ومالك بن نبي، عندما أكّدت على أهمية الشأن المجتمعي والثقافي في الإصلاح والنهوض، وربطت التنمية الاقتصادية والتغيير السياسي بذلك.

    المشكلة أنّنا لم نعد نقرأ أو نسمع في خطابات الإسلاميين والمثقفين والمفكرين كلاماً نقدياً موجّهاً للناس أنفسهم، وكأنّ ذلك بات أمراً "محرّماً" أو ممنوعاً الاقتراب منه، من دون أن نعي أهمية التمييز بين نقد الحكومات والفساد والاستبداد وخطايا الإدارة العامة من جهة، وضرورة تطوير وتنمية المجتمعات لتقوم بواجباتها وتسعى في طريق التنمية والنهوض من جهة أخرى، وهذه مهمة حضارية أساسية تتكامل، ولا تتناقض، مع سعي الناس إلى الحرية والتحرر والديمقراطية والعدالة الاجتماعية!

   اضطررت لهذه المقدمة الطويلة لأن أدعو لتدشين خطابٍ إصلاحي وطني مجتمعي يدفع نحو النهضة والتنمية المحلية، عبر جهود المثقفين والمفكرين والاقتصاديين، وتأسس نقد حضاري للمجتمع الأردني لمواجهة أمراضه الثقافية والاقتصادية.

    من ركائز الخطاب الإصلاحي الجديد التركيز على أهمية التنمية الاقتصادية، ودور القطاع الخاص في تحريك عجلتها، وعدم الاعتماد على الدولة والحكومة في التوظيف والمشروعات الاقتصادية، بل دفع الشباب إلى البحث عن فرص عمل في القطاع الخاص، وحثّ المواطنين على المشاركة في إنجاح هذه التجربة، التي تعود على الجميع بفوائد جمّة.

   من ركائز هذا الخطاب التركيز على موضوع إعادة هيكلة سوق العمل، وتعزيز مشاركة الشباب في الأعمال الحرّة والقطاع الخاص، والخدمات والسياحة، وتأهيلهم لذلك، فليس طبيعياً ولا صحيّاً أن يكون دولة مثل الأردن، بما تعانيه من أزمات مالية واقتصادية، قرابة 100 ألف عاملة منزل، وقرابة نصف مليون عامل وافد، بينما تتكدّس المؤسسات الحكومية والبلديات والجامعات بأعداد كبيرة من الأردنيين برواتب محدودة، وربما الوصف الأدق لهم هو "البطالة المقنعة".

   من ركائز الخطاب المطلوب، أيضاً، حثّ الناس على بناء معادلة صحيّة ومعقولة بين معدل الانفاق والاستهلاك من جهة ومستوى الدخل من جهة أخرى، وتعريف الأولويات المطلوبة وتحديدها بصورة موضوعية، وبناء جماعات ضغط من أبناء الطبقة الوسطى للمطالبة بتحسين نوعيات الخدمات والتعليم والنقل العام، بما يستهلك جزءاً كبيراً من نفقات المواطنين، بصورة غير صحيّة.

  من ركائزه التركيز على التعليم العام وتطويره، وعلى نمط الحياة اليومية وإدارتها، وعلى القيم الوطنية والأخلاقية، وتعزيز المسؤولية الأخلاقية للفرد في المجتمع والجماعة والدولة، وترسيخ معنى الالتزام بالقانون وفهم أبعاد مفهوم المواطنة واستحقاقاته على الفرد والدولة على السواء.

   هذه الملفات المهمة تتطلب خطاباً إصلاحياً نقدياً يعزز دور المجتمعات المحلية والأفراد في التغيير والتطوير، بدلاً من حالة الكلالة والسلبية، والاكتفاء فقط بنقد الحكومات، وإلقاء المسؤولية عليها، فكما قال جمال الدين الأفغاني "الأمة العاقلة لا تقبل أن تُظلم"، أو كما تحدّث أحد المثقفين العرب مستغرباً: نطالب كنس الإمبريالية من بلادنا، ونحن لم نكنس أمام أبوابنا!