المواجهة بالكتابة

محمد أبو رمان

 

     محمد أبو رمان

    في كتابه الأخير "المواجهة بالكتابة: من ملفاتي السياسية والصحافية" يقدّم لنا طاهر العدوان - وزير إعلام أسبق، ورئيس تحرير صحيفة العرب اليوم لفترة طويلة، وأحد أهم الكتّاب الأردنيين، والروائي الأديب- وجبة دسمة مذهلة، بلغة رشيقة جميلة، عن مرحلة مهمة تموج بالتحديات والتحولات في تاريخ المملكة، منذ العام 1997-2011.

      لا يقدّم العدوان نفسه كمؤرخ، ولا يتناول الأحداث من زاوية سياسية بحتة، بل من خلال تجربته الصحافية في العرب اليوم، ثم وزيراً للإعلام في حكومة الدكتور معروف البخيت، التي جاءت مع الربيع العربي، وانتهت بتقديم استقالته احتجاجاً على سياسات اعتبرها مناهضة لحرية الإعلام والرأي، ولا تتماشى مع أسباب دخوله للحكومة، من أجل المضي في مشروع الإصلاح السياسي.

      الكتاب يحتوي على أكثر من قيمة؛ فهو يقدّم لنا مادة معرفية وكواليس مهمة للعديد من الأحداث، وما كان يدور في الغرف المغلقة سواء على صعيد السياسات أو علاقة الإعلاميين بالسياسيين والحكومات، من خلال ملفات عديدة تناولتها صحيفة العرب اليوم خلال حقبته، وثانياً يضيء لنا على مستوى مغاير مختلف في نمط إدارة العلاقة بين الإعلام والحكومات، أو بعبارة أدق الصراع بين حربة التعبير والسلطة ومحاولة قمعها، من قبل حكومات عديدة.

     والكتاب، كذلك، يقدّم لنا نموذجاً مهماً اسثنائياً في الحياة السياسية والإعلامية الأردنية، وهو المؤلف نفسه، الذي خاض سابقاً معارك سياسية لما يؤمن به، ثم معارك إعلامية في مواجهة الفساد وحماية لحرية التعبير، ثم وزيراً متمسّكاً بقيمه وأفكاره، ومستعدّاً لتقديم استقالته دفاعاً عمّا يؤمن به، وهو نموذج مغاير تماماً لكثير مما طفا على السطح من صورة مشوّهة للإعلاميين والكتاب!

     وإذا كان الكتاب يتناول صراع الزميلة السابقة العرب اليوم خلال حقبة مهمة (1997-2011)، مع الحكومات، وفي مواجهة ملفات الفساد، ويؤرخ لملفات عديدة، فإنّه يضع ذلك في إطار غير معلن رسمياً، في نصّ الكاتب، إنّما يمثل النص الموازي- من الكتاب- الذي يمكن أن يفهمه القاريء خلال مروره بين كلماته وسطوره، ويتمثل في المعركة التي خاضتها الزميلة العرب اليوم مع من أسماها مجموعة "الليبراليين الجدد"، التي بدأت تدخل إلى مراكز القرار، وتركّز على مشروعات اقتصادية معينة، وتحمل مشروعاً سياسياً يقوم على نزع الولاية العامة من الحكومة، وربما الشخصية البارزة في هذا التيار، كما يقدّمها العدوان – في ثنايا كتابه- هو الوزير ورئيس الديوان الأسبق، باسم عوض الله!

      يتناول الكتاب – في سياق هذا الصراع- ملفات عديدة، تنتهي بالصراع المعروف بين مراكز القرار، ويكشف عن حجم الضغوط التي تعرّضت لها العرب اليوم، ومسّت بصورة مباشرة العدوان وزملائه فهد الخيطان وسلامة الدرعاوي، ومالك الجريدة العين رجائي المعشّر، وفي هذه الفصول كثير من الكواليس والقصص والخبايا التي يخرجها العدوان من الأدراج إلى الملأ.

      الجميل في الكتاب أنّه يبدأ بصورة معاكسة تماماً، أي عندما تولّى حقيبة وزارة الإعلام، خلال حكومة البخيت، التي جاءت بعد حكومة سمير الرفاعي، ويضعنا في أروقة القرار والنقاشات في كيفية التعامل مع الربيع العربي، والعلاقة بين مراكز القرار، ثم استقالته وحيثياته، ثم يعود بنا إلى بدايات الصراع الإعلامي- السياسي للعرب اليوم، منذ 1997، مروراً بتغيير ولاية العهد، ثم حكومات أبو الراغب، وبدران، والعلاقة مع الدوائر الأمنية، ثم بروز الليبراليين الجدد، وصولاً إلى العام 2011.