تعليق سريع على تقرير العربية عن كتاب "عاشقات الشهادة"

محمد أبو رمان

       أرسل لي عدد كبير من الأصدقاء رابط التقرير المنشور في العربية عن كتابنا حسن أبو هنية وأنا بعنوان "‘عاشقات الشهادة: تشكلات النسوية الجهادية من القاعدة إلى الدولة الإسلامية"، وهو تقرير هجومي اكثر منه نقدي وموضوعي، سواء في العنوان أو حتى في اللغة المستخدمة..

      لن أناقش التقرير فهو في النهاية وجهة نظر الكاتبة وهو حقّها، وثانياً أترك الأمر لمن قرأ الكتاب ليبني رأيه، وثالثاً لأنّ كل نقطة من النقاط الوارده فيه  تحتاج إلى رد مفصّل، وهنالك ردّ عليها جميعاً، من قبل الباحثين.

      لكنني أودّ أن أذكر رؤوس أقلام سريعة، على هامش التقرير المطول، الذي جاء على جزأين رئيسين؛

      الملاحظة الأولى؛ تتمثّل في الشخصنة الواضحة في لغة التقرير، ومحاولة الإساءة والتجريح، من دون أن أفهم السبب، بخاصة أن الكاتبة وهي صحافية سعودية سبق وأن تناقشنا معها – كما ذكرت هي في تقريرها- في سياق جمع المعلومات ومناقشتها في التفاصيل، وهذا وذاك برهان على عدم صحتها إدعائها بأنّنا لم نتجاوز محرّك البحث غوغل في كثير من المعلومات!

     إذا عادت الكاتبة نفسها إلى تقريرها وراجعت اللغة ستجد فيها الانفعال غير المبرر بنظري، والهجوم واللغة الحادة التي لا تنسجم مع منطق قراءة الكتب أو التحليل النقدي لها، حتى في عنوان التقرير المستوحى من عنوان مقال لي بعنوان "غرابيب سود.. محنة المعرفة"، لتكتب هي تقريرها بعنوان "محنة معرفة أم تزييف"!، وربما هذا يفسّر لي هذا الانفعال الشديد، بالرغم من أنّني متأكد من أنّها الكاتبة، وقد تناولت هي نفسها قصصاً عديدة للسعوديات الجهاديات، لو حكّمت خلفيتها المهنية وضميرها، فستكون رؤيتها للمسلسل المذكور كما كانت في مقالي، لكن..!

     الملاحظة الثانية؛ أنّ التقرير بنى كل مناقشته على فرضية غريبة وهي أنّ مؤلفي الكتاب أرادا اتهام الوهابية وتبرءة الإخوان من ظاهرة الجهاديات، في حين سعى التقرير على النقيض من ذلك إلى اتهام الإخوان وتبرءة الوهابية من هذه الظاهرة، ولعلّه وقع فيما لام فيه – جوراً- الكتاب، إذ دخل إلى الموضوع وكأنّ هنالك معركة تحميل مسؤوليات بين الوهابية والإخوان المسلمين.

    على أيّ حال، الكتاب تناول الظاهرة السلفيات الجهاديات من منظور علمي موضوعي، ومنهجي واضح وضوح الشمس، تتبع مظاهرها التاريخية وراوفدها الأيديولوجية والفكرية، من العصر الحديث، بداية من الدعوة الوهابية، التي تمثل جذور السلفية المعاصرة، فكان لا يمكن تجاوزها، مروراً بالإخوان المسلمين، من حسن البنا، إلى ما أسميناه "المناضلات القطبيات" (نسبةً إلى سيد قطب)، ثم الجماعات الجهادية المحلية، وصولاً إلى التجربة الافغانية فالقاعدة، وأخيراً تنظيم الدولة الإسلامية، لذلك لا أعرف شخصياً السبب في "التشنّج" داخل التقرير تجاه الوهابية، مع أن الكتاب مرّ عليها مثلما مرّ على المراحل جميعاً، إلاّ إذا كانت الكاتبة لا تريد ذكر الوهابية، بالرغم من أنّ ما ذكر حولها مادة محدودة أصلاً، وأتعبت نفسها في مناقشة قضايا لم تكن في اهتمام المؤلفين ولا الكتاب، وبنت الجزء الأول من التقرير في الرد على الكاتبة السعودية مضاوي الرشيد، بالرغم من أنّ الكتاب ذكر مرجعها بصورة محدودة، مقارنة بمئات المراجع التي عدنا إليها خلال فترة الكتاب!

     الملاحظة الثالثة، أخصها بإيمان البغا، تحديداً، والكاتبة تستشهد بما قالته إيمان بأنّ 90% مما ورد في الكتاب عنها غير صحيح، وكأنّها توافقها على ذلك، وأنا طبعاً أعلم تماماً أنّها – أي كاتبة التقرير- تعلم أن كلام البغا غير صحيح، لأنّ المصادر التي اعتمدنا عليها موجودة في السوشال ميديا، موقع إيمان البغا نفسه، أولاً، مواقع التواصل الاجتماعي المرتبطة بأشقائها، وثالثاً كما هو مثبت بالمصادر عدد من تلاميذ والدها ومعارفه، التقينا بهم بصورة خاصة، وتناقشنا في شخصية البغا، فهي معلومات من مصادر أولية ورئيسة متعددة، بعكس ما ادّعت الكاتبة!

     ثمة العديد من القضايا التي يطرحها التقرير عن فصل البغا في الكتاب، الأولى مرتبطة بعلاقتها بالشاعرة أحلام النصر، إذ أنّ الكتاب ذكر إنكار البغا بأنّها ابنتها، لذلك لم نجزم 100% بأنّها ابنتها، بالرغم من أنّنا رجّحنا بنسبة تصل إلى 90% ذلك، لكن لا نستطيع حتى لو كنا متأكدين من الجزم بصورة مطلقة، طالما أنّ البغا نفسها نفت عبر تواصل فريق الباحث معها من خلال السوشال ميديا، وإن كان ظنّنا بأنّها نفت ذلك من باب التمويه الأمني، وهي على صفحتها على الفيس بوك تذكر دوما ابنها الذي قتل في سوريا، ولا تذكر الشاعرة أحلام النصر على الأقل في كل المنشورات التي اطلع عليها الباحث، وعلى ما أظن أنّنا عدنا إلى كل ما كتبته، ومع ذلك غلّبنا الظن بأنّها ابنتها وأنّها من باب أمني تريد عدم ذكر ذلك، وتناولنا أبناءها وتأثيرهم على البغا.

    قصة والدها الأشعري الصوفي لم نقل أنّه معتدل، بل قلنا منذ البداية بأنّه معروف بأنّه محافظ، وكان ذلك من التفسيرات المرتبطة بتحليل الشخصية، أي أنّها عملياً لم تقطع مسافة كبيرة بين خلفيتها من أسرة أشعرية صوفية، تنتمي لمدرسة حسن حبنكة إلى التزامها بالسلفية كعقيدة دينية، تختلف ببعض القضايا الإلهية، وهذا ما ذكرناه مستشهدين بإجابة للبغا نفسها على أحد السائلين، فلا أعرف أين المشكلة عند كاتبة التقرير.

    في كل الأحوال، اهتممت مع صديقي حسن بالجهد الهائل الذي بذلته كاتبة التقرير في مناقشة الكتاب والردّ عليه، وكنّا نتمنى أن يكون جهداً منهجياً علمياً وموضوعياً، وألا يغرق في الشخصنة واللغة الهجومية والمواقف المسبقة، التي زعم التقرير أن الكتاب وقع فيها، بينما هو الذي وقع فيها بصورة جلية، منذ اللحظة الأولى، وكنتُ شخصياً أتمنى على كاتبة التقرير ألا تضيع ما بذلته من جهد بعنوان يكشف في ذاته مقاصد التقرير وخلفيته!

----------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------

        تالياً الجزء الثاني من التقرير..

 

 

 

-"هنية" و"أبو رمان" محنة معرفة أم تزييف؟ (2-2)

 
السبت 7 شوال 1438هـ - 1 يوليو 2017م
حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان

 

 

الرياض - هدى الصالح

لهذا الكتاب جانب شخصي بالنسبة لي. الباحثان "حسن أبوهنية ومحمد أبورمان" كانا على تواصل معي أثناء إعداد كتابهما بحكم أنني كتبت كثيراً عن النساء في حركات الإسلام الراديكالي، ولمست من خلال الأحاديث المتبادلة من البداية التركيز على إدانة ما سمّوه بالوهابية، واعتبارها طرفاً في ولادة الحركات والتنظيمات الإرهابية.

إلا أن ما أود التأكيد عليه أن الاختلاف في وجهات النظر الذي نراه سبيلا لإثراء الساحة البحثية، لم يكن الدافع لهذه القراءة النقدية، وإنما الإشفاق على القيمة العلمية، في تناول معضلات ومسائل، تحتاج للجدية والموضوعية في دراستها، لا أن تؤطر بهوى أو أزمة ما شخصية، تتطلب بالنتيجة إخفاء للمعلومات تارة، أو اعتسافا للحقائق تارة أخرى، وهو ما كان الدافع لتخصيص هذا الرد والذي لا يكفيه أن يكون في جزأين فقط.

زينب الغزالي والقاعدة وداعش

جاء في الكتاب في الصفحة 62 عن زينب الغزالي: "الأمر الذي جعل الغزالي أيقونة للنضال النسائي الإسلامي السياسي أكثر من كونها جهادية صريحة فهي حاضرة دوما في حركات #الإسلام_السياسي ولا تتمتع بحضور يذكر في سير جهاديات #القاعدة وتنظيم #داعش". المغالطات في هذه الفقرة كثيرة بدءاً بإسقاط الباحثين وصف "المناضلة السياسية" على الغزالي، لمغازلة القارئ الأجنبي والدار الألمانية، وهو ما لم تقله أبدا عن نفسها وانما كانت مشغولة بفكرة واحدة وهي "الجهاد" وتطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق الخلافة.

والمعروف أن مصطلح النضال لا يحمل مضموناً دينياً، واستبدله الأصوليون بمصطلح الجهاد، إلا أن المثقفين الإسلاميين سطوا على المصطلح لخلق جسور مع التيارات العلمانية، بغرض تسويق نفسه في السياقات غير الدينية ولتحاشي لفظة الجهاد لما لها من ذكرى سيئة في الميديا الغربية.

زينب الغزالي

 

المناضلة الغزالي وكما وصفها الباحثان شاركت في تشكيل #التنظيم_السري الذي عرف باسم "الفنية العسكرية" سنة 1968، والذي كان يهدف إلى قلب نظام الحكم بعد تولي الرئيس المصري #أنور_السادات، وكان اللقاء الأول لأعضاء هذا التنظيم برعاية وترتيب زينب الغزالي، ولينشأ هذا التنظيم العسكري من منزلها، حيث التقى كلا من طلال الأنصاري وصالح سرية برعاية الهضيبي.

لقاء الحج عام 1957

قبل ذلك، وباعترافات زينب الغزالي نفسها التي وردت في مذكراتها "أيام من حياتي"، تفاخرت بدورها في إنشاء التنظيم الخاص 1965، كان منه عندما التقت بعبد الفتاح إسماعيل في رحلة حج 1957، الذي وصف بكونه دينامو التنظيم الخاص وثالث ثلاثة أعدموا عام 1966.

وبحسب الغزالي: "جلسنا خلف بئر زمزم بالقرب من مقام إبراهيم، وأخذنا نتحدث عن بطلان قرار حل #جماعة_الإخوان_المسلمين ووجوب تنظيم صفوف الجماعة وإعادة نشاطها. واتفقنا على أن نتصل، بعد العودة من الأرض المقدسة، بالإمام حسن الهضيبي، المرشد العام لنستأذنه في العمل. فلما هممنا بالانصراف، التفت على عبد الفتاح وقال: يجب أن نرتبط هنا ببيعة مع الله على أن نجاهد في سبيله، لا نتقاعس حتى نجمع صفوف الإخوان، ونفاصل بيننا وبين الذين لا يرغبون في العمل أيًا كان وضعهم ومقامهم، وبايعنا الله على الجهاد والموت في سبيل دعوته".

حسن الهضيبي المرشد الثاني للإخوان المسلمين

 

من جهة أخرى، لم يفلح الباحثان بمحاولة تبرئة الغزالي من تأثيرها في التشكلات الجهادية النسوية، والذي يأتي على لسان صديقتها زوجة عبد الله عزام (أم محمد) التي تمتع زوجها بعلاقة فريدة مع سيد قطب واخواته حميدة وأمينة قطب.

وفي حوار أجري مع زوجة عبد الله عزام نوفمبر 2007 قالت: "ولكنِّي تأثرت بكثير من الشخصيات وأكثرهم السيدة زينب الغزالي، عليها رحمة الله وتغمَّدَها بعظيم رحمته، فقد تلقَّيت منها الدروس، والتقيت بها في أماكن متعددة، وكنت رفيقتها في الكثير من المؤتمرات في باكستان والأردن. جلستُ معها عدة مرات... واستمعت لها في عدة دروس ومحاضرات، وكانت سببًا لتوعيتنا على قصة الجهاد، تمنَّيْتُ أن أكون مثلها وأقدِّمَ لدين الله مثلما قدمت، وفي كل موقف في الجهاد وفي المحن كنت أتخيَّلها وأقول: سبحان الله، وعندما كانت تشتدُّ المحن علينا في أي وقت كنت أتذكرها وأقول: ماذا نحن فعلنا؟! فما زلنا لم نقدم شيئًا بالنسبة لما قدمته هي وغيرها، والأشياء التي تَحَمَّلوها في سبيل الله، كانوا دائمًا قدوتَنا، ولا أنسى أخواتنا: حميدة قطب، وأمينة قطب، وغيرهما الكثير".

إيمان البغا

استكمل الباحثان مهمتهما في ربط الدعوة الوهابية بالتنظيمات الراديكالية وعلى وجه الخصوص داعش من خلال الدمشقية "ايمان البغا" والملقبة بـ "فقهية داعش"، بذريعة إقامتها في #السعودية وبالتالي تأثرها بالسلفية الوهابية التي زعم الباحثان أن تنظيم داعش ينتمي لها.

لم يتوانَ الباحثان عن توظيفها في سبيل الترويج لدعايتهما حتى وإن تطلب الأمر اعتساف الحقائق المتوفرة عن فقيهة داعش والتي رفضت بنفسها ما جاء في دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتأكيد نقدها لها.

كان أساس البناء لقصة إيمان البغا وتنشئتها الاجتماعية فقيرا وسطحيا، حيث اقتصر جهد الباحثان على محرك البحث "غوغل" لما سبق ونشر عنها، الأمر الذي يجعلنا نوافق إيمان نفسها عندما علقت في صفحتها على الفيسبوك على بحث أبو هنية، أبو رمان، بأن 80 بالمئة مما جاء في البحث عنها غير صحيح.

محمد أبو رمان

 

البداية كانت بتشكيكهما بكون "أحلام النصر" شاعرة داعش هي ابنتها، فكان جديرا بالباحثين عدم الاكتفاء بما نشر عنها وانما البحث عن الإجابة، والتي سيجدانها ضمن مدونة إيمان مؤكدة ومعترفة أن أحلام هي ابنتها وسردها لبعض التفاصيل عنها، إضافة إلى تأكيد أحلام بكون إيمان والدتها.

هذا الضعف في جهد الباحثين انعكس على كامل قصة إيمان وأسرتها، وتحليلهما لنشأتها وموقف كل من الأب والزوج في قرارها.

شاعرة داعش أحلام النصر

وبإيجاز نوضح هنا أن أحلام النصر الملقبة بشاعرة داعش نشطت قبل خروجها إلى الشام بإلقاء الشعر والقصائد الثورية عبر غرف البالتوك لاتزال مواقع الشبكة العنكبوتية تحتفظ بها وذلك منذ العام 2013 وقررت أحلام الخروج إلى #سوريا وبعد إقناع والدتها في 2014 إلا أنها خرجت مع والدها الذي زوجها بأحد قيادي تنظيم "داعش" أبو أسامة الغريب"، في 2014 بعد أن وصلت بيومين، ولحقت بها إيمان ومعها باقي أفراد أسرتها، ومن قام بترتيب الزواج هي فتيحة المجاطي زوجة الهالك عبد الكريم المجاطي أحد عناصر تنظيم القاعدة قتل سابقا في احدى المواجهات بالسعودية، وشهد على الزواج ابنها الياس.

أما بشأن تحليل الباحثين المواقف الفكرية والثقافية والسياسية، وتأثير عائلتها الكبرى (والدها وأشقائها)، وهذا ما يهمنا أكثر في مناقشته لما فيه من مغالطات وتناقضات، ومن جانب آخر أحجام عن سرد حقائق استدعتها الفكرة التي حاول الباحثان جاهدين إقحامها وهو ما سنوضحه هنا.

قال هنية وأبو رمان عن مصطفى البغا والد إيمان: "من المعروف أن مصطفى البغا بأنه أقرب في آرائه ومعتقداته الدينية إلى المذهب الشافعي والعقيدة الأشعرية وأنه قريب من الطرق الصوفية المعتدلة، بخاصة الطريقة النقشبندية"، ثم يورد الباحثان في سلسة ما ذكروه عن الأب: "أما على صعيد التنشئة الدينية فهو معروف بتشدده الديني، إذ يذكر تلاميذه بأنه كان حريصا على الفصل بين الطلاب والطالبات حتى في المحاضرات وهي الثقافة التي ورثتها "إيمان" عن والدها أيضاً: "وهو أقرب إلى نموذج العلماء والمشايخ التقليديين الذين لا يميلون إلى فكرة التجديد أو إلى المواءمة بين مستجدات العصر والتراث الإسلامي".

حسن أبو هنية

 

ثم يتطرق الباحثان إلى المدرسة الدينية التي نشأت إيمان وسطها، وهي: "المدرسة الفقهية الشامية مدرسة حسن حبنكة التي تتسم بالتشدد الفقهي والديني والحرفية في قراءة النصوص".

تخبط وتناقض

هنا يظهر تخبط الباحثين فتارة يصفا والدها بأنه قريب من الصوفية المعتدلة بخاصة الطريقة النقشبندية، ومن ثم يصف الباحثان الأب بأنه "معروف بتشدده الديني"، ودون إيضاح البعد الصوفي المعتدل في شخصية الأب وانسجامه مع تشدده الفقهي والديني في نفس الوقت.

أما وقفتنا الأكثر أهمية باعتبارها ضمن سلسلة من التوظيفات المزيفة لدور الوهابية على حياة إيمان البغا بما سمّاه: "المرحلة السعودية والانخراط في الأجواء السلفية". وفيما جاء فيها: "عاشت إيمان في السعودية 15 عاماً، للتدريس في جامعة الدمام، ومن المعروف بأن المدرسة السلفية الوهابية هي المهيمنة على الوسط السعودي، في حين أن والدها وعلماء الشام ينتمون إلى مدرسة تطلق هي عليها اسم "مدرسة حسن حبنكة في دمشق وتقول إيمان بأنها تنتمي اليها وهي مدرسة أشعرية شافعية في المقابل فإن تنظيم الدولة الإسلامية ينتمي إلى السلفية الوهابية الصريحة".

هذا وقبل أن نأتي بالتفصيل على تفنيد ما ذكره بشأن انتماء تنظيم داعش إلى الوهابية، من الأهمية بمكان إيضاح حقائق بشأن جذور التطرف والتكفير الذي نهلت عنه إيمان البغا وأبناؤها بما في ذلك شقيقاتها.

لم يحرص الباحثان على العودة إلى رسالة الدكتوراه والماجستير لإيمان البغا والمشرفين عليها بما في ذلك شقيقتها سمية البغا والتي ورد اسمها فيما كتبه الباحثان والتي تجيب على سؤال لماذا قالت إيمان في مدونتها "أنا داعشية قبل أن توجد "داعش"، وقامت بتنشئة أبنائها على منهجه.

في 2005 نالت إيمان درجة الدكتوراه عن رسالتها والتي كانت بعنوان" ولاية المرأة دراسة فقهية مقارنة"، أشرف عليها أحد أبناء مدرسة حبنكة محمد فاروق العكام، أهمية هذا الاسم ستأتي بعد معرفة رسالة الدكتوراه لشقيقتها الدكتورة سمية البغا، والتي كانت بعنوان "السياسة الشرعية وأثرها في الحكم الشرعي التكليفي"، أشرف عليها العكام وهو نفسه مشرف إيمان إلا أنه كان إلى جانبه اسم مهم وهو "محمد خير هيكل"، أستاذ فقه الكتاب والسنة وفقه الأسرة المقارن في جامعة أم درمان الإسلامية فرع دمشق، (جميعهم أبناء مدرسة حبنكة الشامي).

لا أعلم إن كان الباحثان علما بذلك وتعمدا عدم المجيء باسمه أم أنه كان ضعفا شاب جهودهما البحثية.

هيكل اشتهر بمجلداته والتي أبرزها رسالة الدكتوراه "الجهاد والقتال في السياسة الشرعية", كتاب صادم لحجم التطابق ما بين منهجية داعش العملية وتنظير "هيكل" العلمي الشرعي الذي ورد في رسالته.

وخلافا لما ألصقه الباحثان بانتماء تنظيم داعش إلى الوهابية، لم يتطرق الكاتب في أي من هوامشه لشيء ورد على لسان محمد بن عبد الوهاب وانما جل إسناداته كانت من المذهب الشافعي وأقوال سيد قطب.

القطبية والسرورية

تقاطع مدرسة حبنكة مع القطبية الإخوانية والسرورية لا يكمن في هذا فقط وانما بالكثير من الشواهد منها، كان مصطفى البغا والد إيمان من ضمن الموقعين على بيان تزكية يوسف القرضاوي، وكذلك تعزية محمد عبد الكريم الراجح بوفاة محمد سرور وما كتبه من رثاء لهذه الشخصية الذي قدم تزكيته الخاصة في إيمان البغا حيث كما ذكرت في احدى مدوناتها.

ومن هنا تأتي مسببات اعتراف إيمان البغا بكونها "داعشية قبل أن توجد داعش"، حيث إن ولادة داعش لم تكن سوى من رحم المدرسة العلمية الشامية لحسن حبنكة حيث قالت: "إن علماء الشام دولاويون في علمهم وعلماء الشام هم طلاب الشيخ حسن حبنكة".

أما من جهة أخرى ولمناقشة ما حاول الباحثان الصاقه بتكلف تصويرهما وقوع إيمان البغا تحت وطأة التأثير المزدوج.

يتأكد هذا الاسقاط المزيف والمضلل مما قالته إيمان البغا نفسها والتي لطالما نظرت إلى الخط الوهابي بازدراء واتسامه بالجهل في المعطيات السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية وتقول في ذلك سبتمبر 2015: "في كتاب إسلامي هو متطلب جامعي في أرض الحرمين يدرسون طلاب الجامعة فيه أن على المسلم طاعة ولي الأمر الذي يحكم قطره وأنه من الحق أن نعيش اليوم في أقطار متفرقين، ويقولون أيضا إن عيشنا كمسلمين في دولة واحدة كالخلافة مثلا لا يتناسب مع العصر يقولون هذا في كتاب مادة إسلامية".

سيد قطب

 

بالإضافة إلى أن إيمان لا ترى بالوهابية إضافة جديدة قائلة: "لقد كان محمد بن عبد الوهاب حقا من المجددين، جدد الجهاد من أجل عقيدة التوحيد، وهو في هذا الجهاد لم يأت بجديد، فكل ما كتبه ودعا اليه موجود في أمهات كتب العقيدة، ولم يخالف السلف الصالح بشيء ولم يزد عليه وتتابع عن تأسيس الدولة السعودية: "فأقاموا دولة على أساس ديني سلفي في ظاهرها يشبعون بهذا فطرة التدين عند أهل الجزيرة العربية بينما هم في الحقيقة لا يبالون بأحكام الشرع في أمور مهمة مثل السياسة والاقتصاد ثم عملوا على عزل علماء الجزيرة عن غيرهم من علماء العالم الإسلامي".

وبالطبع يأتي غضب الفقيهة إيمان مطابقا لمفردات جماعة الاخوان المسلمين وما سبق أن أفصح عنه محمد سرور في لقاءات له من نقد للوهابية، التي لم تكن مكترثة بالخطاب الأممي وظهور المهدي المنتظر، ونظرية الخلافة.

ونحيل الكاتبان إلى رد إيمان على أحد السعوديين في صفحتها على الفيسبوك يعد اتهامه للبغا بمحاولة افساد طالباتها في السعودية بالفكر الداعشي، لتقول: "كنت أخفي عنهن شفقتي عليهن من غيري ومن المناهج ومن طريقة التدريس التي تحاول أن تبقي شعبكم أطفالا لا يعرفون شيئا أنتم مساكين والله حتى سايكس بيكو لا يعرفون عنها شيئا حتى العلوم الشرعية لا يعرفون إلا العناوين وعدة أدعية".

ويبدو أن سرد البغا لقصة نشأتها لم تنل رضا الباحثين كما لم تتفق مع رغبتهما مما دفعهما إلى الاجتزاء مما دونته ودون الإشارة إلى ما ذكرته فيها والتي كانت بعنوان "هذه نشأتي، "مؤكدة فيها مواظبتها على القراءة للندوي والمودوي، (مؤسس نظريات الجاهلية والحاكمية والخلافة، كما ويعد الأب الروحي لجماعات الإسلام السياسي الذي نهل منه البنا وسيد قطب والخميني أيضا).

محمد سرور

 

من جهة أخرى، وبسطحية بالغة ذهب الباحثين إلى تصوير انتماء تنظيم داعش بالوهابية لأحكام فقهية لا تتجاوز المظاهر الخارجية للتدين كارتداء العباءة السوداء والنقاب والفصل ما بين الجنسين وما إلى ذلك، رغم أنها لم تكن حكرا طوال القرون الإسلامية على مذهب أو مدرسة بعينها.

ورغم أن إيمان البغا لم تأتِ بأي عبارة عن "المدرسة السلفية السعودية" في أي مما كتبت عبر صفحتها على "الفيسبوك" وإنما كانت إسقاطا من قبل الباحثين، إلا أننا سنناقشها على علتها، لتوضح السلفية التي قصدت بها إيمان للباحثين.

ابن تيمية وبلاد الشام

من المعروف أن بلاد الشام لم تنقطع عن ابن تيمية المجدد للمذهب الحنبلي والمؤسس للسفلية التي نعيشها اليوم وهو الفقيه والشيخ الدمشقي الملقب بشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية، حتى أصبح هذا العالم رمزا في الخيال الشعبي في بلاد الشام وظل له أنصار وأعداء في بلاد الشام وخارجها، منذ لحظة وفاته وخلال حياته، وحتى عصور متأخرة، خاصة في دمشق وبالذات في معقل الحنابلة صالحية دمشق أو قاسيون المعقل الحنبلي طيلة قرون وقبل وجود الدعوة الوهابية.

فالاتجاه السلفي الحنبلي ومنهج ابن تيمية لم ينقطع أبدا من بلاد الشام، ولم يخترعه محمد بن عبد الوهاب ليكون المصدر بل إن حنابلة نجد ومنهم سلفيون قبل محمد بن عبد الوهاب كانوا يستقون من علماء الحنابلة في دمشق وغيرها من بلاد #الشام.

من جهة أخرى سعى هنية وأبو رمان إلى التلاعب بالمفردات، وفقا لما ينسجم مع أغراضهم بالبحثية فيما أورداه عن الداعشية المغربية فتيحة الحسني، أم آدم المجاطي، وعن نقطة التحول في حياتها يقول الباحثان: " زامن وجودهما في تلك الفترة في فرنسا مع انعقاد مؤتمر إسلامي، شاركت فيه فرقة اليرموك للنشيد الإسلامي، بالإضافة إلى دعاة ووعاظ دينيين"، ثم يضيفان: "التأثير الثاني للمؤتمر الإسلامي فقد تمثل في اطلاعهما على تجربة "الحرب على البوسنة" بين المسلمين والصرب والكروات، إذا تأثرا كثيرا بالخطاب الديني الذي كان يروى عن معاناة المسلمين في #البوسنة، بخاصة خطاب الشيوخ السعوديين".

هذا ما ذكره الباحثان، أما ما ذكرته فتيحة بنفسها في حوار صحافي أجري معها في صحيفة "الشرق الأوسط" يونيو 2005: "في أواخر عام 1991 سافرنا إلى باريس لمدة شهر، فحضرنا هناك مؤتمرا إسلاميا، اجتمعت فيه عناصر من جماعة حماس والمجاهدين الأفغان، وفرقة "اليرموك" للأناشيد الفلسطينية، وأعجبنا ذلك الجو". مضيفة: "وفي يوم من الأيام بعدما عدنا إلى المغرب قرر المجاطي الذهاب إلى فرنسا من أجل بيع بعض قطع الصناعة التقليدية بها، وبعدما عاد من سفره أخبرني بنيته الذهاب إلى البوسنة، وكان الأمر مستبعدا بالنسبة لي، لكن شاءت الأقدار أن أستمع لشريط للشيخ سعد البريك، الذي أثر فيَّ تأثيرا كبيرا جدا، وقلب حياتي رأسا على عقب".

ونرى هنا كيف تعمد الباحثين استبدال ما قالته فتيحة عن وجود جماعة #حماس والمجاهدين الأفغان وهو ما يعني في تلك الحقبة الزمنية "عبد الله عزام" ومخيم "صدى"، إضافة إلى تبديل وصف فرقة اليرموك من الفلسطينية إلى "الإسلامية"، مستبدلان ذلك كله وبصورة فاقعة في التزييف بعبارة "خطاب الشيوخ السعوديين". وهنا نسأل ما السبب في هذا التحريف هل الخلفية الإسلامية الحركية للباحثين، أم أنه تكليف خاص من قبل دار النشر الألمانية بربط الوهابية بحركات الإسلام السياسي الراديكالية؟

ومن أجل ذلك، عاد الباحثان إلى استخدام المخيلة الوصفية الخاصة بهما دونما أي مراعاة للحقائق، وهذه المرة لدى إطلاق وصفهما الذي أقحماه في حديث فتيحة بقولهما: "بعد أن شاهدت أشرطة أخرى للمعاناة واستمعت لشريط عاطفي للشيخ السعودي "السلفي" المعروف، سعد البريك، وهو يتحدث عن مذابح المسلمين هناك ويحث على نجدتهم".

سعد البريك سلفي؟

ومن المهم هنا التوقف عند وصف الباحثين للبريك بالشيخ "السلفي"، فمعروف لدى الباحثين السعوديين أن سعد البريك من رموز ما يسمى بالسعودية بتيار "الصحوة" وهو مصطلح سعودي للمنتميين للفكر الإخواني والسروري والتيارين على خلاف معلن مع السلفية السعودية التقليدية في المسائل السياسية ومصطلحاتها وبسبب الانتماء الصحوي الحركي للبريك ألقت السلطات السعودية القبض عليه وأفرج عنه مؤخرا.

هذا.. ولم يفلح الكاتبان في محاولتهما بإسقاط "خطاب" سامر السويلم على المرجعية الوهابية واعتباره المسؤول عن إدخال المرأة في الجهاد.

أسامة بن لادن

 

وكما جاء في كتابهما: "اللافت أن السلطة المرجعية العلمية الوهابية الأشد احتفاء بسياسات الهوية كانت أسرع في تبني تحول أدوار المرأة داخل الجماعات الجهادية، فقد كان تأثير قائد المجاهدين العرب في الشيشان خطاب (سامر السويلم) والمسؤول الشرعي أبو عمر السيف واضحا في إدخال المرأة في الجهاد، وقد تأثر كل من يوسف العييري وأبو مصعب الزرقاوي بمهما أكثر من تأثرهما بأسامة ابن لادن والظواهري".

إن مثل هذه الفقرة وللأسف لا تصلح حتى لأن تكون مسودة مقال قبل التنقيح، فكيف وأن يلقى بها فيما يوصف ببحث استثنائي عن الجماعات الراديكالية، وتتبناه دار ألمانية.

فخطاب الذي حاول الباحثان إسباغه بثوب الوهابية، والذي كان يطلق على السعودية "بجزيرة العرب"، لم يكن سوى صحويا، وسلفيا إخوانيا، اجتمع بابن لادن والظواهري في أفغانستان، وشارك معهما في معركة جلال اباد وخوست ومعركة كابول 1993.

انتقل إلى #الشيشان في عام 1995، بتوجيه من تنظيم القاعدة، بعد تجهيز الظواهري للمعسكر برفقته المصري "محمود هشام الحناوي" القيادي في جماعة الجهاد المصرية الذي انتقل بدوره مع خطاب إلى الشيشان ضمن المجموعة المكلفة حتى إن قتل معه هناك، قبل إقامته في السودان إلى جانب أسامة ابن لادن والظواهري.

وظل خطاب على تواصل مع ابن لادن والظواهري متلقيا الإمدادات المالية لمجموعته من مؤسسة عبد الله عزام، كما وجه خطاب نفسه في إحدى تسجيلاته الصوتية.

أيمن الظواهري

 

وخلافا لما ادعاه الكاتبان من أن العييري تأثر بخطاب، فالعكس كان هو الصحيح، حيث إن يوسف العييري الحارس الشخصي لأسامة ابن لادن والذي رافقه بالطائرة إلى السودان قبل أن تهبط لساعات في إيران كان هو الموجه والقائد لخطاب، كما لعب دورا بارزا في جمع التبرعات المالية للمقاتلين في الشيشان.

كان للعييري علاقة وطيدة بخطاب وتبادل الاثنان المراسلات في الشؤون العسكرية وكان منها أن راسله العييري لتوجيهه بعد انتهاء الحرب النظامية وبدء حرب العصابات، فكتب له العييري ثمانية عشر احتمالا للحرب، وماذا يصنعون في كل احتمال، وشكره عليها خطاباً.