عن مؤتمر الدولة المدنية

محمد أبو رمان

بالرغم من السجال الأردني المحتدم والخلافات والاستقطابات والمقالات والخطابات النارية التي اجتاحت الشارع الأردني خلال الشهور السابقة عن الدولة المدنية وماهيتها ودلالتها، فإنّ الحضور الشعبي كان متواضعا في المؤتمر المهم الذي عقدته وزارة الثقافة، وبدأ أمس ويستأنف جلساته اليوم!
       ربما هذا "العزوف" النسبي هو في حدّ ذاته مربط الفرس في إشكالية النقاش العام في الأردن، وفي كثير من الدول العربية، فغالبية المثقفين والسياسيين الأردنيين، ومعهم العرب، الذين قطّعوا بعضهم فيمن يقبل أو يرفض القبول بـ"الدولة المدنية" وتراشقوا الاتهامات على خلفية ذلك، أغلبهم – كما أدّعي- لا يعرف معنى أو دلالة الدولة المدنية ولم يتعمّق بصورة حقيقية فيها، كما هي الحال عندما نتحدث عن الدولة العلمانية والإسلامية وغيرها من مصطلحات يتحدث بها الناس من دون تحديد وتعريف دقيق وعميق لمعناها.
      من أجل ذلك جعلت وزارة الثقافة الملتقى الحالي (وهو الخامس عشر) بعنوان "الدولة المدنية"، ودعت نخبة من المثقفين والمفكرين والأكاديميين العرب المتميزين ليحفروا عميقاً في المفهوم ودلالاته عربياً وفي الأدبيات السياسية الغربية حتى نفهم على ماذا نختلف ابتداءً، قبل أن نجد الأرض التي نتفق عليها!
 على أيّ حال - لأسباب عديدة- أقيم العرس وحضر الشهود ولم يأتِ العروسان، لكن دعونا ندخل إلى صميم بعض الموضوعات المهمة التي طرحت في جلسات أمس، وتحديداً إشكالية مصطلح الدولة المدنية وتعريفها ابتداءً، إذ أصرّ – محقّاً وعن علم ودراسة- الدكتور محمد صفي الدين خربوش  (رئيس قسم العلوم السياسية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة القاهرة) على أنّه لا يوجد في أدبيات العلوم السياسية الغربية مصطلح الدولة المدنية، هناك المجتمع المدني، الثقافة المدنية، بينما الدولة الغربية الحديثة، التي تأسست غداة الثورة الفرنسية، هي دولة علمانية.
        أمّا مصطلح الدولة المدنية- والكلام لأستاذنا صفي الدين خربوش- فهو ابن الجدال الفكري والسياسي العربي، ويحاول كل طرف من أطراف النزاع والصراع أن يسحبه باتجاهه ضد الآخرين، إسلاميين وعلمانيين وليبراليين ومدنيين ضد العسكر وهكذا، وربما يستخدمه البعض بديلاً من الدولة العلمانية خشية من "السمعة السيئة" للمصطلح الأخير!
         ذلك كلّه صحيح، في حدود معرفتي وقراءاتي، لكن (وذلك كان جوهر سؤالي للمحاضر) طالما أنّ هنالك ضرورة أو حتى حاجة في العالم العربي اليوم لمصطلح الدولة المدنية، نتيجة الظروف التي تمرّ بها المنطقة العربية، من تقهقر نحو الهويات الأولية والطائفية والعرقية والانقلابات العسكرية والخشية من "الأجندة الأصولية"، فلماذا لا ننتج هذا المفهوم عربياً، كرد وبديل عن تلك الأطروحات، ونحمّله من الدلالات ما يعطي ضمانات مرتبطة بإنشاء عقد اجتماعي مدني جديد في العالم العربي، يقوم على قبول التعددية والالتزام بمبدأ تداول السلطة واستقلالية المؤسسات وصون الحريات وحماية حقوق الإنسان، والاعتراف بالآخر، ورفض عسكرة الحياة السياسية، وتقنين دور الأمن خارج المجال السياسي.. الخ؟!
     وطالما أنّ هنالك سمعة سيئة قد تكون ظالمة للعلمانية (فهي ليست مدرسة أو نظاماً واحداً، بل هنالك عشرات التعريفات والصيغ للعلمانية)، فلم لا نستبدل الدولة المدنية بها، المهم ما هو المفهوم والدلالات والتطبيقات التي يمكن أن تنتج عن ذلك، هذا هو السؤال؟
    من الصعوبة أن نتحدث عن الدولة المدنية من دون الحديث عن موضوعة الدين والهوية، وهي الجلسة الساخنة اليوم، وتضمّ عدداً من الفقهاء والمفكرين العرب والأردنيين المتميزين، وهذه دعوة للحضور..