مذكّرات الأميرة بديعة؛ ما قبل مجزرة قصر الرحاب 1958

12

محمد أبو رمان

لم أستطع أن ألقي كتاب "مذكرات وريثة العروش"، الذي تروي فيه الأميرة بديعة مذكراتها عن العائلة المالكة في العراق خلال المملكة الهاشمية هناك، فأنهيته خلال أيام معدودة، وهو بالفعل، وكاتب المذكرات فائق الشيخ علي.

الكتاب، بالفعل، بمثابة وثيقة تاريخية على درجة عالية من الأهمية، يدخلنا بصورة ممتعة في أحيان وتراجيدية حزينة للغاية في أحيانٍ أخرى إلى حياة العائلة المالكة في العراق، إلى التفاصيل اليومية وما وراء النوافذ والجدران المغلقة، يعرّفنا عن قرب على شخصيات تاريخية لعبت دوراً كبيراً في التاريخ العربي المعاصر، والتاريخ العراقي تحديداً.

الكتاب هو عملية اقتحام، إن جاز التعبير، للهاشميين من أبناء وأحفاد وحفيدات الشريف الحسين بن علي، فالأميرة بديعة هي ابنة الملك علي بن الشريف الحسين، وعلي هو أحد قادة الثورة العربية الكبرى، وملك الحجاز بعد تنازل والده، حتى نهاية العام 1925، ليغادر بعدها إلى العراق ويستقر هناك في كنف شقيقه الملك فيصل الأول.

زوجة الملك علي هي الملكة نفيسة (وهي من الأشراف أيضاً)، وابنه هو عبد الإله (الوصي على عرش العراق بعد وفاة الملك غازي 1939، في حادث سير مؤسف، إذ كان الملك فيصل الثاني ما يزال صغيراً، وفي الوقت نفسه عبد الإله (كما تعرفون) هو خال فيصل الثاني، فشقيقته عالية هي زوجة الملك غازي.

يتحدث الكتاب عن الأمراء والأشراف عن حياتهم، وإن كانت زاوية الرؤية قد تبدو في البداية من منزل الملك علي وعلاقته بزوجته وأبنائه، إلاّ أنّنا سنجد أنفسنا في الكتاب نعيش مع العائلة المالكة وأسرارها وقصصها وطريقة نظرتها للأمور، والعلاقة بين الأشقاء الملوك (فيصل وعلي وعبدالله) وأبنائهم وبناتهم وتفاصيل الحياة الخاصة، التي تكشف بصورة واضحة وصريحة للمرّة الأولى عبر هذا الكتاب!

في الكتاب نبرة حزن ما تزال تحكم رؤية الأميرة بديعة (من مواليد الشام 1920، حينما كانت في زيارة مع أسرتها للملك فيصل الأول خلال حكمه الشام، قبل معركة ميسلون الشهيرة)، فبالإضافة إلى الأحداث الدامية التي شهدتها؛ وفاة شقيقتها عالية بالمرض 1950، وشقيقتها جليلة بحرق نفسها 1955، وكانت قد أصيبت بمرض نفسي، لكنّها كانت خلال تلك الحالات النفسية تحذّر العائلة من مصير القتل، وابن عمها وزوج شقيقتها غازي 1939 بحادث سيارة، إلاّ أنّ القصة الكبرى التي لا يمكن أن تغيب عنها بالرغم من هذه العقود الطويلة هي المجزرة التاريخية التي ارتكبها قادة انقلاب 17 تموز 1958 في العراق، بحق العائلة المالكة والأمراء، في قصر الرحاب (الذي بني في العام 1939)، إذ قتلوا شقيقها عبد الإله، وابن شقيقتها الملك فيصل الثاني، ووالدتها الملكة نفيسة، وشقيقتها الكبرى الأميرة عبدية.

لم تشهد بديعة مجزرة قصر الرحاب، إذ كانت هي وزوجها الشريف الحسين بن علي وأبناؤها في منزلهم، ونجوا من مصير العائلة المالكة، عبر اللجوء إلى السفارة السعودية، وبجهود ديبلوماسية تمكنوا من مغادرة البلاد إلى مصر، ثم سويسرا، وأخيرا الاستقرار في لندن، مع زوجها (الذي توفي بلندن في العام 1998)، ولها منه الأشراف؛ علي ومحمد وعبدالله.

مؤلف الكتاب هو الباحث العراقي فائق الشيخ علي، وبالرغم من غياب المخطط الزمني المتسلسل، إلاّ أنّ اللغة البسيطة الروائية الممتعة في الكتاب تجعله سهلاً محفّزاً على القراءة، بما يحتويه على كمّ كبير من المعلومات والتفاصيل، ووفقاً للمؤلف استغرقت المقابلات قرابة أربعة أعوام، حتى صدرت الطبعة الأولى في العام 2002، بينما الطبعة التي بين يدي هي السادسة (2014).

بقي أن أقول بأنّ الصور الموجودة في الكتاب هي بحد ذاتها إضافة نوعية رائعة، لقيمتها الأرشيفية وندرة بعضها الآخر.