هل يبتسم "وجه الزمان" للأردنيين؟

محمد أبو رمان

 

    محمد أبو رمان

    "أشعلت حريقاً أضاء النفوس ودفّأ الضمائر".

     "كل مجتمع يرتكب الأخطاء أثناء مسيرته.. وقبل أن ينتبه إلى أخطائه، ويفوق من غفلته يكون آخرون  قد دفعوا الثمن.. إنّهم كبش الفداء لهذه الأخطاء، إنهم المشاعر التي تضيء تاريخه.."

***

    لم أكن قد اطّلعت على رواية "وجه الزمان" لطاهر العدوان، الإعلامي المرموق ووزير الإعلام السابق، إلى أن تحدثنا معاً عن مقالةٍ سابقة لي (كتبتها عن كتاب عبدالله التل لمؤرخ إسرائيلي) عن "معركة كفّار عصيون" في الـ1948، التي استطاع الجيش الأردني فيها قتل وأسر مئات الإسرائيليين، فأخبرني بأنّ والده قد استشهد في تلك المعركة، وأنّه دُفن في القدس بجوار المسجد الأقصى، وأنّ روايته "وجه الزمان" تناولت تلك المعركة ودور الجيش الأردني فيها.

     طلبتُ منه الرواية، التي أنهيتها خلال أسبوع، وكم شعرتُ بالخجل بأنّني لم أقرأها قبل ذلك، بالرغم من أنّها أُلّفت في العام 1987، وأُنتجت كعمل درامي تلفزيوني، وعٌرضت على العديد من الشاشات العربية. لكن القيمة الكبرى للرواية لم تكن فقط في تناولها لمعركة كفّار عصيون، بل ما هو أبعد وأعمق من ذلك بكثير، فهي تكاد تكون من الروايات النادرة التي كُتبت بأسلوب سرديّ مبسّط وممتع، لكنها شرّحت شرّحت التحولات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي مرّ بها المجتمع القروي والبدوي الأردني.

    تدور أحداث القصة، في البداية، حول حياة عشيرة أردنية في سهل البقعة، في أربعينيات القرن الماضي، ونمط حياتها الاجتماعي والاقتصادي، واهتماماتها وحياتها اليومية، ثم تنقلنا بالتدريج إلى الصراعات الأولية والهموم اليومية، مروراً ببروز الجيش كمؤسسة عسكرية، ذات أبعاد اجتماعية واقتصادية، كان لها دور كبير في التأثير على حياة المجتمع الأردني وديناميكيات التحول التي أصابته، وصولاً إلى الصراع العربي- الإسرائيلي، عبر اندماج بعض شباب العشيرة بالجيش، واستدخال معركة كفار عصيون، ودور الجيش الأردني البطولي فيها، قبل حرب الـ48، ثم دوره في معارك اللطرون وباب الواد.

    قيمة الرواية، كما أشار إلى ذلك الروائي الراحل، مؤنس الرزاز، في تعليقه عليها بأنّها قد تكون من الروايات النادرة التي تتناول "رائحة ونكهة الريف الأردني"، ويشبهها الرزاز برواية "الأرض" لعبد الرحمن الشرقاوي، ويصفها بأنّها "وثيقة اجتماعية عن الحياة في الريف الأردني".

     لم يبتعد الرزاز عن الدقّة في تقدير ما أنجزه العدوان، فأغلب الروايات الأردنية (على قلّته للآسف الشديد في هذا المجال) تناولت حياة المدن، وربما عمّان تحديداً، سواء ما كتبه عبد الرحمن منيف (بصورة سردية عن عمّان في الأربعينيات) أو ما كتبه زياد القاسم في "أبناء القلعة"، أو حتى أغلب الروايات التي تدور حول الحياة السياسية والحزبية والاجتماعية، وروايات ليلى الأطرش، وجوانب من روايات الراحلين الكبيرين غالب هلسا ومؤنس الرزاز.

     بدأت تظهر روايات أخرى وأنواع متنوعة من الأدبيات التي تتناول حياة الريف الأردني، مثلما كتب الصديق والباحث محمد رفيع  في "عام الجراد في مأدبا 1930 (أوراق سامح حجازي)"، وقرأتُ عن رواية "الفلوتي" لمحمد عبدالله الطاهات، ولم يتسنّ لي بعد قراءتها، تتحدث عن الريف الأردني أيضاً، كما تؤشر القراءات عنها، وهنالك اليوم العديد من كتب "السير الذاتية"، التي يمكن أن تساعد على تقديم إضاءات مهمة وتوثيق التاريخ الشفوي.

    لكن تبقى للروايات نكهة خاصة، فهي وإن كانت لا تعتبر تأريخاً علمياً أو توثيقاً فنياً، إلاّ أنّها تغوص إلى أبعد من ذلك، وهي أكثر شفافية وصدقاً وحياديةً في متابعة التفاصيل النفسية والاجتماعية والثقافية المهمة، وتظهيرها لنا فيما تحاول الأدبيات الأخرى إخفائها أو التحايل عليها!