أصوات السلفيين في المغرب

علي أنوزلا

علي انوزلا- العربي الجديد

31- اغسطس 2016

لا يوجد في المغرب حزبٌ معترف به خاص بالسلفيين. لكن توجد عدة تيارات سلفية. والحزب الإسلامي الوحيد المعترف به هو "العدالة والتنمية" الذي يقود الحكومة المنتهية ولايتها، انشقّ عنه أحد أعضائه، وأسس حزب الفضيلة، لكنه ظل مثل قوقعةٍ فارغة. ومع كل استحقاق انتخابي، يطرح السؤال لمن ستذهب أصوات السلفيين وأتباعهم، وتبدأ معركة السباق بين الأحزاب السياسية، بكل أطيافها، لاستمالة أصواتهم، فالسلفيون في المغرب تيارات وتوجهات مختلفة، وحتى من يؤمنون منهم بالمشاركة السياسية تتفرّق أصواتهم بين الأحزاب، كل حسب قدرته على استمالة عطفهم وكسب ودّهم.
وباستثناء تيار ما تعرف إعلامياً بـ"السلفية الجهادية"، وهو الذي يتبنى العنف، ولا يؤمن بالعملية الديمقراطية، فإن كل التيارات السلفية الأخرى لا تضع شروطاً للانخراط في العمل السياسي، وليست لها آراء قطعية تحرمه، أو مواقف مبدئية لمقاطعته، مثلما أمر جماعة كبيرة هي "العدل والإحسان"، وهي حتماً ليست سلفية، هي تقاطع العمل السياسي الرسمي من منطلقاتٍ مبدئيةٍ سياسيةٍ وليست دينية. ويمكن استثناء بعض السلفيين أتباع جماعة الدعوة والتبليغ الذين مازال بعضهم يضع مسافةً مع السياسة والعمل السياسي، على الرغم من وجود تقارير إعلامية عن وجود اتجاهات داخل صفوفهم، أدت إلى أن يختار بعض منهم العمل السياسي، بينما انخرط أفراد محسوبون على التيار نفسه في أنشطة "جهادية".
أما أغلب التيارات السلفية في المغرب فهي لا تعارض المشاركة في العمل السياسي، والعمل بآلياته، ليس إيماناً بالديمقراطية التي يعتبرها الفكر السلفي عموماً نظاماً كُفرياً، وإنما عملاً بالتبرير السلفي الذي لا يمنع أتباعه من استخدامها، إذا كانت ستؤدي بهم إلى تحقيق أغراضهم من ورائها. وبعد ثورات "الربيع العربي" التي تأثر بها المغرب، قام سلفيون كثيرون، خصوصاً من كانوا يتبنون الفكر "الجهادي"، أو فقط يُحرمون المشاركة السياسية، ويعادون الديمقراطية، ويعتبرون العمل بالدستور احتكاماً إلى غير شرع الله، بمراجعاتٍ فكرية جذرية. ومن بين رموز الحركة السلفية من سعى، ويسعى اليوم، إلى تأسيس حزب سياسي، لكن السلطة

"تشجع السلطة التوجه الساعي إلى إدماج السلفيين في اللعبة السياسية الرسمية"

في المغرب مازالت غير واثقةٍ من الترخيص لهم بالعمل بدون وجود "وصاية" عليهم، سواء منها أو من الأحزاب التي ينخرطون داخلها، فهي لا تريد أن تتركهم خارج اللعبة السياسية الرسمية، حتى لا يتحولوا إلى قوةٍ داخل الشارع، يصعب ضبطها والتحكّم فيها، وفي الوقت نفسه، لا تريد الاعتراف بهم لاعباً سياسياً مستقلاً داخل المربع الرسمي للعبة السياسية.
وفي ظل الاستحقاقات السياسية السابقة التي شهدها المغرب، كان السلفيون حاضرين، سواء بمواقفهم أو بأصواتهم. وخلال الحراك الشعبي الذي عرفه المغرب عام 2011، استعانت السلطة بالسلفيين الذين ظهروا آنذاك لاعباً جديداً على الساحة السياسية، لمواجهة كل القوى المعارضة التي كانت تحتج في الشارع. ومنذ ظهورهم لاعباً سياسياً، اختار السلفيون الاصطفاف خلف السلطة، كما اختارت السلطة توظيفهم لخدمة أجندتها السياسية، ورخصت لمظاهراتهم المؤيدة لمواقفها السياسية، وفتحت وسائل الإعلام الرسمية للأصوات المؤثرة في أتباعها، وسمحت لأحزابٍ سياسيةٍ مقربة منها، أو من صنيعتها بفتح أبوابها لاستيعاب رموزها، كما حدث مع حزب صغير أسّسه عميد شرطة سابق، ضم إلى صفوفه مجموعة من رموز الفكر السلفي، أغلبهم من المعتقلين السابقين على خلفية اتهامات بـ "الإرهاب".
وعلى غرار موقف السلطة، سعت الأحزاب السياسية الأخرى الكبيرة المعترف بها إلى استقطاب السلفيين، واستمالة أصواتهم المشتتة، بعدما نصح رموز هذا التيار أتباعهم بالمشاركة في الانتخابات، ودعوهم إلى التصويت لـ "الأصلح". ويعتقد مراقبون أن كثيراً من تلك الأصوات ذهبت إلى حزب العدالة والتنمية الإسلامي في أول انتخابات تشريعية يشهدها المغرب عام 2011 بعد رياح "الربيع العربي"، وإقرار دستور جديد. ويفسرون ذلك بحصول الحزب آنذاك على مقاعد نيابية في مدن تعتبر مركز حضور السلفيين في شمال المغرب (طنجة وتطوان) وفي مراكش جنوب وسط البلاد.
وفي الانتخابات المقبلة التي سيشهدها المغرب في أكتوبر/ تشرين المقبل، بدأ سباق الأحزاب

"سعت الأحزاب السياسية الكبيرة إلى استقطاب السلفي، واستمالة أصواتهم المشتتة"

لاستمالة أصوات السلفيين، وأعلن "العدالة والتنمية" عن ترشيح أحد رموزهم في مراكش على رأس إحدى لوائحه الانتخابية في المدينة نفسها التي سبق للحزب أن حصل فيها على أربعة مقاعد في انتخابات 2011، ويتولى، منذ الانتخابات المحلية التي جرت عام 2015 رئاسة عموديتها. وفي انتظار ما ستكشف عنه لوائح مرشحي باقي الأحزاب الأخرى، تتحدث وسائل الإعلام المغربية عن سعي أكثر من حزب سياسي إلى استقطاب رموز سلفيين في لوائحه، لاستمالة أصوات أتباعهم من الفكر نفسه.
هذا التوجه، الساعي إلى إدماج السلفيين في اللعبة السياسية الرسمية، تشجعه السلطة، وتسعى منه إلى "احتواء" فكرهم المتطرف و"تمرينهم" على الديمقراطية، كما تهدف منه إلى مواجهة المعارضة الإسلامية خارج المؤسسات الرسمية التي تمثلها جماعة العدل والإحسان العصية عن كل احتواء. لكن، إلى أي حد ستنجح السلطة في عملية "الهضم" هذه لجسم كبير يتشكل من عدة تياراتٍ متشعبةٍ، تتبنى أفكاراً متقلبة؟ -