العبادي مقابل سليماني: من سيتفوق على من؟

12

ميديل إيست بريفينج – التقرير

من المدهش أن يفقد جنرال الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني حضوره في العراق. فقد وقعت في الفترة الأخيرة ثلاثة أحداث تبين المدى الذي تضاءل إليه نفوذ سرايا القدس الإيرانية. وشهد اثنان من هذه الأحداث صدامات مباشرة مع السلطات العراقية، بينما الحدث الثالث اشترك فيه الجنرال مع القوات الأمريكية في العراق. وسوف نذكر هنا ومضة عن كل حدث، وقراءة لأهمية هذه الأحداث بشكل عام.

وقع الحدث الأول في منتصف شهر أغسطس، عندما أمر رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي سلطات مطار بغداد أن يتم إخضاع الاستخدام الإيراني للمطار إلى القوانين العراقية. وقبل إصدار هذه التعليمات، عمل الحرس الثوري الإيراني عادة بموجب تفاهم غير رسمي يسمى “الاستخدام المجاني”. وقد سمح بروتوكول “الاستخدام المجاني” لشحنات الأسلحة الإيرانية بالوصول إلى بغداد. وكانت تلك الشحنات من الأسلحة، المحصنة ضد التفتيش العادي، يتم تحميلها إما على متن الطائرات العراقية ومن ثم تستأنف رحلاتها إلى دمشق، أو على شاحنات ليتم إرسالها لقوات الحشد الشعبي الموالية لطهران.

وفي حوالي منتصف شهر أغسطس، تم تطويق طائرة إيرانية بشكل مفاجئ بواسطة موظفي مطار بغداد. وطالب موظفو المطار بتفتيش الحاويات الموجودة على متن الطائرة. ورفض الطاقم الإيراني وغيره من القادمين مع حمولة الطائرة أن يفتحوا الحاويات. وفي وقت قريب، حضر ممثلون عن السفارة الإيرانية والحرس الثوري الإيراني إلى الموقع للمطالبة بالإبقاء على الصناديق مغلقة. وحدثت مشادات كلامية انتهت بفتح الحاويات على أية حال. ولكن، جاءت تعليمات من سلطات حكومية غير معلومة أنهت عملية التفتيش بشكل مفاجئ. وتم إغلاق الحاويات مرة أخرى وتحميلها على متن الطائرة للذهاب لوجهتها. ولكن، كان من الواضح بالفعل أن هناك شيئًا أعمق من تعنت بيروقراطية المطار من وراء “سوء التفاهم” القصير.

أما الحدث الثاني، وهو أكثر أهمية بكثير، لم ينطو على عدد قليل من البيروقراطيين في المستويات المنخفضة، ولكن كان على أعلى مستوى سياسي في البلاد وهو رئيس الوزراء العبادي.

فقد سربت إحدى القنوات العراقية تفاصيل الاجتماع الذي جرى قبل أيام قليلة بعد عودة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي إلى بغداد عائدًا من زيارة لمدة خمسة أيام إلى إيران. ويقال في العاصمة العراقية إن المالكي خلال زيارته إلى طهران حصل على تأكيدات إيرانية كبيرة بأن إصلاحات العبادي لن تطال فساده الشخصي أو المزاعم بالإهمال. وقال العبادي للإيرانيين إنه لا يكنّ أي عداء شخصي ضد المالكي، ولا يملك أي أجندة خاصة تجاهه.

وكان موضع الحادث الثاني هو الاجتماع الذي ضم جميع قادة الكتل الشيعية السياسية في العراق، والذي عقد في 20 أغسطس بدعوة من إبراهيم الجعفري رئيس التحالف الوطني العراقي والذي يعمل أيضًا وزيرًا للخارجية في حكومة العبادي. ووصل رئيس الوزراء متأخرًا بعض الوقت. وعندما دخل غرفة الاجتماع، وجد ممثلين عن جميع الكتل موجودين هناك، بما فيهم المالكي. ولكن، كان هناك ضيف إضافي مفاجئ وهو قاسم سليماني.

لم يعلق العبادي. وبعد دقائق من بدء الاجتماع، بدأ سليماني في الحديث أولًا من خلال مترجم، ثم تحدث بعد ذلك بلغة عربية ضعيفة. وعمد سليماني مباشرة إلى ما يريد قوله. حيث أخبر العبادي أن الإصلاحات التي يريد رئيس الوزراء أن ينفذها سوف تؤدي إلى نتيجة واحدة: إضعاف الشيعة في العراق وخدمة هؤلاء الذين يريدون الضرر للبلاد. وتساءل سليماني بحدة: “كيف هددت أبا إسراء (المالكي)؟ ما الذي فعله طوال حياته أكثر من محاربة أعدائنا؟ هل تشاورت مع أي أحد من هؤلاء السادة قبل اعتماد إصلاحاتك؟ لا يمكنك أن تفعل شيئًا بدونهم؟ كيف يمكن أن تتصرف بمفردك دون أن تستشيرهم حتى؟ وأضاف الجنرال: أنت لم تتشاور حتى مع حزبك، أو كتلتك، أو مع مجلس الوزراء قبل أن تعلن إصلاحاتك“.

وخلال محاضرة سليماني، لم يتوقف المالكي عن الإيماء برأسه مشيرًا إلى موافقته على الحديث. ثم سأل العبادي: هل انتهيت من حديثك؟ فأجاب سليماني بأنه قد انتهى من حديثه. فسأل العبادي: هل تتحدث نيابة عن الحكومة الإيرانية، أم أن هذا هو رأيك الشخصي؟ فأشار سليماني إلى أنه حاضر بصفته الشخصية وما قاله يعبر عن وجهات نظره كمستشار لقوات الحشد الشعبي.

فقال العبادي: “حسنًا، الإصلاحات التي اعتمدتها ما هي إلا الجولة الأولى. وسوف تكون هناك جولة ثانية وثالثة ورابعة. وهذا هو ما يريده الشعب العراقي. وهذا ما يريده المرجع الديني السيستاني. ولا تملك أنت ولا أنا ولا يملك أي أحد آخر أن يوقف ذلك الأمر. ووجودك في هذه الغرفة لا مبرر له على الإطلاق. وإذا ما كنت قادمًا تحمل رسالة إليّ، فقد أديتها بالفعل وقد استمعت إلى ردي. ويكفي أن أقول لجميع الموجودين هنا إن الشعب العراقي والمرجعية يريدونني أن أترك التحالف الوطني وحزب الدعوة. وفي الواقع، أنا مستعد للقيام بذلك. أنا مستعد للتخلي عن عضوية الحزب والكتلة كي لا أخسر ثقة الشعب والمرجعية. وهذه هي رسالتي لك ولجميع الموجودين هنا“.

ولم يكن لسليماني خيار آخر سوى مغادرة الغرفة. وكان أول شخص يتحدث بعد مغادرته هو نوري المالكي قائلًا: “لا يريد أحد هنا أن تترك أي شيء. نحن ندعمك ونقف وراء إصلاحاتك. نحن فقط أردنا أن نرفع إليك بعض الملاحظات والتحفظات“.

فسأل العبادي عن طبيعة هذه الملاحظات والتحفظات. فقال المالكي: “هناك تحريض إعلامي مستمر يحث على الاغتيال ضد العديد من الشخصيات السياسية، بما فيهم أنا. وهناك ما يبدو وكأنه تحضير لاتخاذ خطوات ضدهم أو مقاضاتهم على نحو غير عادل. ولكن الهدف الحقيقي لأعدائنا جميعًا هو تقسيم معسكرنا، ولا يوجد أحد يفعل أي شيء من أجل أن يوقفهم“.

فقال العبادي: “وسائل الإعلام لديها حقوق دستورية وهي تباشر تلك الحقوق. وإذا ما خالفوا القانون فسوف نقاضيهم. ولكن، ما دام أنهم يعملون وفقًا لحقوقهم الدستورية فلا يمكننا أن نفعل لهم شيئًا. وهذا هو الدستور الذي توافقنا جميعًا على احترامه. ولكن الشيء الوحيد الذي يجب أن أؤكد عليه هو أن الإصلاحات سوف تستمر“.

ولم يعلق أحد سوى أمير الكناني، ممثل التيار الصدري، قائلًا: “يجب عليك أن تستمر في إصلاحاتك. وسوف ندعمك بجميع الطرق. وبالنسبة لأولئك المتهمين بالفساد، فإن العدالة سوف تقول كلمتها”.

وقد كنا قادرين على التأكد من هذه القصة من مصادر مختلفة، وقمنا بكتابة ما قيل كلمة بكلمة تقريبًا.

أما الأمر الثالث ذو المغزى، فهو البيان الصادر يوم 30 أغسطس بواسطة نائب المتحدث باسم قوات الحشد الشعبي، كريم نوري، قائلًا: “نحن ننكر وجود أي توترات بيننا وبين القوات الأمريكية الموجودة هنا. ونحن لن نسحب قواتنا خارج الأنبار. وإذا قمنا بذلك، فسوف يترتب على ذلك انهيار دفاعات المحافظة، ولن يكون الأمريكيون قادرين على وقف ذلك أو منع تنظيم الدولة الإسلامية من السيطرة على الأنبار. الجنود الأمريكيون ليست لديهم القدرة على حماية شبر من أرض العراق دون مساعدتنا“.

وقد جاء بيان نوري بعد تكهنات كبيرة بأن قوات الحشد الشعبي، التي يقودها بالفعل قاسم سليماني، تهدد بالانسحاب من منطقة شرق الرمادي؛ وبالتالي فرض قرار تأجيل المعركة المقررة لاستعادة المدينة من يد تنظيم الدولة الإسلامية.

ولكن، في أعقاب بيان نوري، ذكر خالد فهداوي -أحد قادة قوات الشرطة العراقية في الأنبار- رواية مختلفة، قائلًا: “العلاقات بين الأمريكيين وقوات الحشد الشعبي متوترة للغاية الآن، وخاصة حول مدينة الرمادي، ويتبادل الطرفان إشارات اليد المعادية، وتقريبًا العملية العسكرية لتحرير الرمادي من الدولة الإسلامية مجمدة“.

وهذه هي الأحداث الثلاثة. والآن، دعونا نضع بعضهم إلى جوار بعض وننظر فيهم مجتمعين. وإذا ما أمعنا النظر فيهم فسوف نجد صورة واحدة هي لقاسم سليماني.

ويبدو أن الجنرال مشدوه بالحقيقة القائلة إن العراق يظهر إشارات لاتخاذ مسار مختلف عن مسار الجنرال. وليس هذا هو العراق الذي يعرفه. حيث ينتهي مشروعه بالسيطرة الكاملة على بغداد بمشهد تفتيش شحنات طائراته، والرسالة غير المشجعة من رئيس الوزراء، وبادرة العداء من الجنود الأمريكيين. وهناك أمور كثيرة على الجنرال أن يتعامل معها.

في الأول من شهر سبتمبر، أرسل سليماني تقريرًا عاجلًا إلى مجلس الخبراء، وهو أعلى هيئة للأمن القومي في طهران. ونحن لا نعلم ما كتبه في هذا التقرير، ولكن يمكننا أن نخمن.

ومع ذلك، فمن السابق لأوانه أن نعرف من سيفوز في المعركة: العبادي أم سليماني. ومن الصحيح أن سليماني لديه القدرة على الإطاحة بالعبادي. حيث تتمتع قوات الحشد الشعبي بقاعدة شعبية نسبية ويمكنها، على الأقل نظريًا، أن تطيح بالعبادي. ولكنهم يفهمون أن هذه سوف تكون خطوة خطيرة للغاية.

أولًا: هناك السيستاني، الذي لديه دعم غير مشروط في المجتمع الشيعي والذي يقدم دعمًا كافيًا للعبادي. وقد ذهب سليماني مباشرة لرؤية السيستاني بعد اصطدامه مع رئيس الوزراء في بغداد. وليست لدينا فكرة عما دار في النجف. ولكن، يمكن للمرء أن يفترض أن سليماني قد حاول بالتأكيد أن يبعد المرجع بعيدًا عن العبادي، أو على الأقل عبّر عن مخاوفه تجاه سياسات رئيس الوزراء. ويعتقد سليماني -كما قال- أن رئيس الوزراء يضعف المعسكر الشيعي ويتخلى عن المشاورات اللازمة مع زملائه.

ثانيًا: هناك صحوة بين الطبقة الوسطى العراقية، وكانت دائمًا هذه الطبقة من المجتمع العراقي صانعة المناخ العام. والآن، يدعم المناخ العام العبادي، الذي ينظر إليه على أنه مناضل يحاول تنظيف الحكومة من الفساد. وإذا ما تحرك الحشد الشعبي ضد العبادي، فسوف يظهرون على أنهم حماة المسؤولين الفاسدين وشبكات الفساد.

ثالثًا: هناك المساعدة الأمريكية للعراق. ولا يجب أن ننسى أن قوات الحشد الشعبي لم تكُ قادرة على تحرير تكريت بدون المساعدة الأمريكية. ولا يستطيع آلاف المقاتلين بالحشد الشعبي أن يهزموا بمفردهم مجموعة مكونة من 400 مقاتل من مقاتلي الدولة الإسلامية. وسوف تجد الولايات المتحدة صعوبة في دعم حكومة جاءت بانقلاب عسكري. وأي تقدم خطير بواسطة الدولة الإسلامية سوف يجعل إيران مشاركة في رد فعل عنيف في العراق. ولكونها على علم بتلك العواقب؛ فليس من المؤكد أن تعطي طهران الضوء الأخضر للتحرك ضد العبادي في الظرف الراهن.

رابعًا: هناك التيار الصدري. وقد دعم هذا التيار العبادي علنًا. ومن الصحيح أن تناسق المواقف لم يكن دائمًا من خصائص التيار؛ حيث قبِل في اللحظات الحرجة تنازلات ضد موقفه المعلن، ولكن سوف يكون من الصعب اتخاذ تحول سياسي والانقلاب ضد العبادي إذا كان مهددًا.

أصبح أعداء العبادي أكثر وضوحًا: الوقت، والخطوات المدروسة في خطة الإصلاح الحكومي، المالكي، قوات الحشد الشعبي وبالطبع قاسم سليماني.

ولكن الشيء المنتظر هو ما إذا كان سليماني سيتخذ خطوات للإطاحة بالعبادي أم لا. وهذا من شأنه أن يغير الكثير من الأمور في العراق. ولا يمكن لسليماني أن يتخذ هذه الخطوة دون الضوء الأخضر من طهران. وإذا ما تم منحه الضوء الأخضر، فسوف يدخل العراق في فورة غضب غير مسبوقة.