القيم الديمقراطية في أوروبا عاجزة عن مواجهة الإرهاب

صحيفة لوفيغارو الفرنسية – التقرير

11

كيف وصلنا إلى هذه الدرجة من العنف؟ فقد أثارت هجمات يوم الجمعة الدهشة، مع عدم قدرة الغرب على استيعاب ما يحدث، واتضح للعيان أن تنظيم داعش يتغذى من الفراغ الروحي الذي تعيشه المجتمعات الغربية.

البعض يتحدث عن إعلان الحرب، والبعض الآخر يحذر من خطر خلط المفاهيم؛ لكن الجميع يتفق على أن الإرهاب المعاصر يمثل خطرًا كبيرًا على المجتمعات الغربية.

ولكن هناك مسألة أخرى، فهجمات المتعصبين الدينيين لا تزلزل المجتمعات الغربية فقط بسبب فظاعتها ولكن أيضًا بسبب عدم القدرة على استيعابها؛ فمن الصعب فهم هذه الهجمات بالمنطق الغربي، فكيف يمكن فهم هذا القرار الذي يتخذه شاب ولد في فرنسا ويتمتع بالراحة التي تؤمنها الحداثة الغربية ليقلب حياته رأسًا على عقب ويتحول إلى رجل عنيف مخاطرًا بحياته ومنخرطًا في تنظيم إرهابي؟! وراء كل هذا يوجد سر كبير، ولا يمكن تفسيره فقط على أنه نوع من أنواع الجنون أو أنه نتيجة لضائقة اجتماعية.

ولا يمكن لأوروبا الغربية، في الواقع، فهم هذه الظاهرة، ناهيك عن الإجابة عنها فكريًا. فالمسألة الدينية تم تنزيلها تدريجيًا إلى مسألة اعتقاد شخصي: “خيار روحي”؛ فالمُقدَّس لم يعد مقدسًا، بمعنى أنه لا يجب تدنيسه.

و”الإصلاحات المجتمعية” تم تبنيها من دون حدود أو حكمة، وتم فرضها في تحدٍ للمنطق السليم؛ إذ تكرس أوروبا الغربية الحرية الفردية، التي تحرر الفرد من كل تأصيل؛ فالمواطن الأوروبي اليوم يعيش من دون أي سياق، ولا يمكنه مواجهة عودة رجل الدين في شكله المطلق والوحشي.

ويتغذى تنظيم داعش من الفراغ الروحي الغربي. ففي عدد للمجلة الدعائية التي يصدرها تنظيم داعش باللغة الفرنسية (دار الإسلام)، يمكن للمرء أن يقرأ هذا المقطع المذهل: “هذا البلد الصغير (فرنسا)، الذي يعيش أزمة اقتصادية ومعنوية، يعيش فيه الناس تحت ضغط الإشهار التجاري وتقرأ فيه صحف المنوعات أكثر من قراءة الصحف السياسية، هاهو يعلن الحرب على تنظيم داعش الذي كل فرد فيه هو مقاتل تلقى تدريبه العسكري ويشن الحرب دفاعًا عن إيمانه، ويأمل في الشهادة والجنة عند موته“، وفي شريط فيديو دعائي صدر في أبريل الماضي على الشبكات الاجتماعية، تم الترويج لجهادي أسترالي لم يكن يرغب في أن يعيش كوالده الذي يعود مرهقًا من العمل كل ليلة، موضحًا أنه: “لا يمكن اختزال الحياة في هذا النمط من العيش“.

سيكون من الخطأ اتهام العدمية، كما يفعل الكثير من المراقبين. حيث إن لدى العديد من المنضوين تحت لواء تنظيم داعش شكلًا من أشكال التصوف الذي يؤدي بهم إلى ارتكاب أبشع الجرائم. فالفعل العدمي يُرتكب من قبل شخص لا يعتقد في أي شيء؛ لأنه قرر الانتقام من عالم يعتبره سخيفًا، في حين أن الجهاديين يتصرفون من منطلق ديني.

عندما أعلن تنظيم داعش في يونيو 2014 تأسيس الخلافة، هذه المنظمة الدينية والسياسية التي انقرضت في عام 1924 والتي كانت تصل المسلمين بالعصر الذهبي للإسلام، عصر الدولة العباسية؛ لم يدرك وقتها الغرب ما تعنيه الخلافة، وما تحمله من تاريخ ورموز؛ فالخلافة هي دعوة إلى العودة لأيام الإسلام الأولى، أيام الرسول والصحابة والخلفاء الراشدين، وأيضًا هي دعوة للجهاد والانتقام من “الصليبيين”، وكل هذه المفاهيم لديها صدى كبير بين المسلمين المتطرفين.

وهكذا بات على الأوروبيين، بحسب المتخصص في الإرهاب “جان شارل بريسارد”، مراجعة التشريعات الغربية وإعادة تقييم الموارد في مجال مكافحة الإرهاب. وتوازيًا مع ذلك، ينبغي أيضًا النظر في استراتيجية جديدة ضد تنظيم داعش، مع الأخذ بعين الاعتبار الدور الاستراتيجي لإيران، وإلى حد أقل الدور الروسي، الذي أصبحت مصالحه الحيوية مهددة من قبل هذا التنظيم، مع التركيز على المسألة الطائفية في كل من سوريا والعراق، خاصة مع تزايد العداء بين السنة والشيعة، وهذا الاستياء السني هو الذي يغذي أيديولوجية تنظيم داعش، وتحديد هذه الاستراتيجية ليس بالمهمة السهلة، ولكن الأهم من ذلك هو مسألة الصراع الأيديولوجي الذي يطرح نفسه.

فهل سيظل الأوروبيون يعتقدون أن وحدها القيم الديمقراطية، والتي يرفضها المتطرفون أصلًا، كافية لتحويل المد ووقف منطق التطرف؟ ولنتذكر ما قاله المتحدث باسم تنظيم داعش عند إعلانه عودة الخلافة: “أيها المسلمون، اتركوا الديمقراطية والعلمانية والقومية وكل قمامات الغرب وعودوا إلى دينكم“.

وهكذا فإن التطرف الديني اليوم هو، من دون أدنى شك، الظاهرة الأكثر أهمية والأكثر حسمًا في عصرنا. ولا يمكن مجابهة هذا التطرف فقط بالقيم القانونية (الحرية والمساواة والعلمانية…)، بالرغم من أهميتها. والغرب اليوم في حاجة إلى شيء آخر، هذا “الشيء الآخر” الذي هو في علاقة مع المُقدَّس، الذي فقده الغرب