ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية : جيل دولوز في الاختلاف والتكرار

فتحي المسكيني
 
بقلم : فتحي المسكيني 
جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (1)
يقرّ دولوز منذ تصدير كتاب الاختلاف والمعاودة (المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2009) بأنّ الموضوع المعالج إنّما "ينتمي..بشكل واضح إلى عصرنا"(ص37). وتشير "نحن" في عبارة "عصرنا" إلى جملة من الملامح جمّعها دولوز في: توجّه هيدغر نحو فلسفة في "الاختلاف الأنطولوجي"؛ واستثمار البنيوية للـ"سمات التفاضلية"؛ واعتماد الرواية المعاصرة على فنّيات "الاختلاف والتكرار"؛ وأخيرا اكتشاف عدّة ميادين لقدرات التكرار في اللاوعي واللغة والفن (ص37-38) ؛ وهي ملامح لم يجد لها دولوز شعارا يعبّر عنها أفضل من عبارة "هيغلية مضادة معمّمة" بمقتضاها يحلّ الاختلاف والتكرار محلّ الهوهو والسلبي ومحلّ الهوية والتناقض (ص38). 
إنّ نقطة البداية في بحث دولوز هنا هي طريقة معيّنة في التأريخ لمولد الفكر الحديث هي التي أملت عليه مهمّة فلسفية بعينها، لعلّ أعلى أسمائها هو "فلسفة الاختلاف".
قال: "إنّ الفكر الحديث وُلد من إخفاق التمثّل، كما من ضياع الهويات، ومن اكتشاف كل القوى التي تعمل تحت تمثّل الـ’’الهو هو’’ المتطابق. العالم الحديث هو عالم المظاهر الخداعة (simulacres). لا يبقى الإنسان فيه مع الله، كما لا تبقى هويةُ الذات الفاعلة مع هوية الجوهر. وليست كل الهويات سوى مصطنعة، نتجت بوصفها ’’أثرا’’ بصريا عن لعبة أعمق هي لعبة الاختلاف والتكرار. نريد أن نفكّر الاختلافَ في ذاته وصلةَ المختلف بالمختلف، بشكل مستقل عن أشكال التمثّل التي تعيدهما إلى الـ’’عينه’’ وتجعلهما يمرّان بالسلبي."(نفسه). 
ما يريده دولوز هو رصد لعبة الاختلاف والتكرار التي تعمل من وراء كلّ حجاب هووي، مهما كانت الطرق التي يلجأ إليها لتمثيل نفسه، أعني للانتصار المصطنع على تكثّره العميق وكأنّه مجرّد تناقض مؤقت وتحت السيطرة. إذْ تنزع كلّ هوية إلى حصر اختلافها مع نفسها في خانة السلبي الذي يمكن دوما التخلّص منه باسم ضرب أعلى من التطابق أو التماهي، يأتي في آخر المطاف لتأمين ضروب مخصوصة من التوحيد الزائف لشتات أنفسنا. 
والحال أنّ "حياتنا الحديثة" قائمة أساسا على أنماط متكثّرة من التكرارات والاختلافات، "خارجنا وفينا"، حيث أنّ "مهمة الحياة هي جعل كلّ التكرارات تتعايش في فضاء يتوزّع فيه الاختلاف"(ص39) الذي لا يمكن لأيّ مكر هووي أن يدجّنه. 
بذلك يكمن وجه الصعوبة في التفكير في الاختلاف ولكن ليس بوصفه ضربا محتشما من "اللاّ-هوية" أو ضربا من الهوية المفقودة أو المنفية أو المغتربة أو المتناقضة مع نفسها. إنّ المطلوب هو التفكير في "الاختلاف في ذاته"(ص38) وليس بالنسبة إلى أيّ هوية معطاة. كلّ اختلاف يواصل الخضوع لمنطق هووي ما، هو ليس اختلافا وإنما ضربا متنكّرا من السلب. ولذلك فإنّ كتاب دولوز يحرّكه منزعان كبيران:
أوّلا - تطوير مفهوم عن الاختلاف لا يحتاج في عمله إلى أيّ ضرب من "النفي" ؛ اختلاف لن يبلغ أبدا إلى حدّ التناقض ومن ثمّة لا يمكن لأيّة جدلية أن تزعم حلّه أو تدّعي تجاوزه.
ثانيا- بلورة معنى للتكرار ينفذ إلى ذلك النوع من التكرارات الخفية "حيث يتخفى وينتقل ’’تفاضليّ’’ ما" (ص39).
كيف برّر دولوز هذا الربط بين البحث عن " اختلاف بلا نفي" والتنقيب عن "تكرار مخبّأ" حيث يختفي تفاضليّ ما ؟ 
قال: "يلتقي هذان البحثان عفوياً، لأنه بدا لنا أنّ مفاهيم ’’الاختلاف المحض’’ و’’التكرار المعقد" هذه تجتمع وتختلط في كلّ المناسبات"( نفسه). 
ولكن ما الذي منعنا دوما من الإبصار بهذا الاختلاف في ذاته أو هذا التكرار الخفيّ الذين يشكّلان الوتيرة الأخصّ للحياة الحديثة ؟ - إنّه الهاجس الهووي الذي يعوّل دوما على فشل "الاختلافات المحضة" في التحرر من سلطة "الهوهو" أو في "الاستقلال عن السلبي" (نفسه)، وذلك يعني أنّه يعوّل على فشل الاختلاف في تكرار نفسه بلا أيّة وساطات خارجية. وشعار كلّ هوية تكره الاختلاف في ذاته هو "نحن مختلفون ولكننا لسنا متعارضين" (ص40). والحقيقة هي أنّها تراهن على بقاء الاختلاف مجرّد "مشكلة" قابلة للحلّ أي قابلة للعودة إلى القطيع الهووي، حيث "لا شيء إلاّ اختلافات قابلة للتوفيق والتآلف بعيدا عن الصراعات الدامية" (ص39-40). 
وفي المقابل فإنّ ما تراهن عليه الفلسفة هو أن "تبلغ المشكلات درجة الإيجابية التي تخصّها"، وأن ينقلب الاختلاف إلى "موضوع تأكيد": عندئذ لا يمكن لأيّة "نفس جميلة"، لا تزال تعوّل على "الإرادة الطيبة"، أن تصمد أمام قوة التدمير الذي تخرج من رحم المشكلات التي تنتج الاختلاف وتحوّله إلى قوة تدمير. الإشكالي والتفاضلي هما قوّتا الاختلاف الذيْن لا يمكن لأيّة "نفس جميلة" أو إرادة طيبة أن تدجّنهما. وعلينا أن نميّز بين صراعات هووية تعتاش على السلبي وتراهن على رغبة المصالحة التي تحرّك كلّ اختلاف زائف أو جزئي، وبين صراعات تفاضلية تنبع من القدرة على احتمال المشاكل ولكن بخاصة على احتراف الفكر بوصفه ضربا طريفا من "العداء" (ص40) لكلّ ما هو محتاج إلى مصالحة هووية مع نفسه. 
- يميّز دولوز بين التكرار والعمومية، بين ما يتكرّر وبين ما هو "عام" (ص45). ولكن بأيّ معنى ؟ - هو ينطلق من قولة أرسطية قديمة: لا علم إلاّ بما هو عام أو كلّي. والعام شيء يُفهَم عادةً بوصفه ما يمكن أن يتكرر في مجموعة كبيرة من الأفراد. لكنّ دولوز يعترض على هذه العادة القديمة في تفسير العام بوصفه ما يتكرر في أشياء عديدة. ما يتكرّر ليس العام، وذلك لأنّ التكرار ليس مجرّد تشابه بين أشياء كثيرة تتكرر. إنّه يقع على صعيد آخر.
ينطوي التكرار حسب دولوز على معنى يصبح فيه العام نفسه شيئا خاصا. إنّ ما يتكرر حقّا ليس العام بل "ما لا يمكن استبداله" (نفسه). ما يتكرر حقا هو فريد من نوعه. كيف ذلك ؟ 
مثلا: "ليس من إمكانية لمبادلة أنفسنا" (ص46). ما يمكن تبادله هو عمومية ما أي علاقة تشابه تربط بين أشياء جزئية لا وجود لأيّ فرق بينها. ولذلك يمكن تبادلها دونما حرج يُذكر. لكنّ التكرار كإمكانية عميقة لأنفسنا أو للأشياء المتحركة من حولنا، داخلنا وخارجنا معا، ليس موضوعا للمبادلة، بل هو أقرب ما يكون حسب دولوز إلى "السرقة والعطاء" (نفسه). نحن نعطي أو نسرق ما لا يمكن استبداله. ثمة "اختلاف اقتصادي" علينا الإبصار به، اختلاف بين "العمومية، بما هي عمومية الجزئي، والتكرار بما هو كلية الفريد" (نفسه). ويأتي دولوز بمثال جميل عن هذا الاختلاف: "الرأس هو عضو التبادلات، غير أنّ القلب هو العضو العاشق للتكرار"(نفسه).
كلّ قانون إنّما يستمدّ نظامه من عمومية ما أو من نوع ما من العمومية؛ ولذلك فمن يخضع للقوانين باستمرار هو لا يكرر شيئا؛ بل القانون يجعل التكرار مستحيلا، ذلك بأن القانون هو "شكل فارغ للاختلاف" (ص47). الخاضعون عاجزون عن التكرار، لأنّهم تعودوا أن يفرغوا أنفسهم من القدرة على تغيير أنفسهم. ولذلك "إذا كان التكرار ممكنا، فإنه يخص المعجزة أكثر مما يخص القانون. هو ضد القانون، ضد الشكل المشابه والمضمون المعادل للقانون"(ص48). من يكرر نفسه يصبح فريدا، لأنّه يفتح نفسه على "واقع أعمق وأكثر فنّية" (نفسه). وذلك يعني يكفّ عن أن يكون مجرّد "عادة" أي كائنا "أخلاقيا". إذ أنّ "الأخلاقي أساسا هو شكل العادة" (ص51). ولذلك "لم تشكّل العادةُ إطلاقا تكرارا حقيقيا" (نفسه).
كل تكرار هو ضد قانون ما. تمرّد عليه إمّا بـ"التوقّف التام عن العمل" أو بالخضوع له بشكل "ساخر ومازوشي". الأوّل دعابة والثاني "تهكم". وهما شكلان من التكرار المحض. إنّ التكرار "بطبيعته انتهاك واستثناء ويُظهر دوما فرادةً ضد الأشخاص الخاضعين للقانون"(ص52). 
وقد وجد دولوز في ثلاثية كيركغارد ونيتشه وبيغي (Péguy)، أي في ثلاثية القسيس البروتستانتي والمسيح الدجال والكاثوليكي، أبرز ورشات العمل على فكر التكرار بوصفه "المقولة الأساسية لفلسفة المستقبل"(ص53). مع هؤلاء أصبح التكرار "حرية ومهمة للحرية" و "موضوع الإرادة نفسه": لا نريد إلاّ ما يمكننا تكراره. إنّ التكرار هو ما سينقذنا من التكرار "الآخر" (نفسه). ولذلك ليس التكرار ظاهرة طبيعية. لا "التكرار الجمالي" لدى كيركغارد ولا "العود الأبدي" لدى نيتشه هو تكرار للقانون الطبيعي. إذ ثمة شيء "خصوصي" في التكرار لا يمكن لأيّ قانون سبره. ويدعونا دولوز إلى التعرف على الفاصل بين "المفكر الخصوصي..حامل التكرار" (نيتشه، كيركغارد) و"الأستاذ العمومي، دكتور القانون"، دكتور العمومية (كانط، هيغل..) (ص55).
التكرار الحقيقي هو التكرار المداعب أو المتهكم: أن نكرر ما نريد. إذ "يقول العود الأبدي: أيّا كان ما تريده، أرده بطريقة إنّك تريد أيضا العود الأبدي"(ص56). لا فرق بين أيّوب وإبراهيم: بين من يسخر من القانون ومن يخضع له بتهكّم، إذا كان القصد هو تكرار القانون على صعيد آخر، على نحو يؤدي إلى اختراع فرادة خاصة (ص55). 
كذلك ليس التكرار من خصوصيات الذاكرة بل هو قدرة طريفة على النسيان (ص56). وإذا كانت كلّ ذاكرة تحتاج دوما إلى عادات معيّنة، إلى "أنا" صغيرة يحدوها الطمع في العثور على علاقة "عامة" بهوية ما تخلّصها من التكرار الزائف للجزئيات، فإنّ النسيان قوة تكرار خلاّقة لأنّها لا تكرّر إلاّ ما تريد أي ما تنتخب وتنتقي من أشكال الإرادة ومن أشكال الاقتدار. "في التكرار وبالتكرار يصبح النسيان قدرة إيجابية، ويصبح اللاوعي لاوعياً أعلى إيجابيا"(نفسه). 
هنا يقدّم دولوز تخريجا طريفا لفكرة العود الأبدي بوصفه يفترض نوعا مخصوصا من التكرار الإيجابي: إنّ صيرورة العالم قائمة على عود أبدي لمعنى معيّن للإرادة، لكنّ هذا لا يحدث إلاّ بقدر ما ننسى ما نريد، أي بقدر ما نختار نسياننا ونمارسه بوصفه قوة تكرار حرة، أي خلاّقة للمستطاع الخاص بنا. في كل لحظة يعود شيء ما من إرادتنا إلى العالم، هو بالتحديد قدرتنا الخاصة على اختيار أنفسنا كإمكانية إيجابية محضة صنعناها من لحم أنفسنا، ولم نرثها من أيّ جهة كسولة. وبقدر ما يكون العود أبديا أي حرا، يكون تكرارنا لأنفسنا فريدا من نوعه.
بذلك ليس نقد الذاكرة أو نقد الهوية لدى دولوز موقفا عدميا بلا أفق. بل ثمّة "هوية" عُلينا أو إيجابية، لكنّنا لا نفلح في احتمالها من الداخل إلاّ متى أقدمنا على تكرار أنفسنا بشكل مختلف،- مختلف تعني هنا تمّ انتقاؤه من خلال أبديّة خاصة هي حريتنا كشكل أعلى من الانتماء إلى إرادتنا، حيث لا نسمح لأنفسنا بأن نكرّر أيّ شيء نخجل من أن يكون جزءاً من ماهيتنا. (ص57). تلك هي "الهوية المباشرة للعود الأبدي والإنسان الأعلى" (نفسه). 
إنّ نكتة الصعوبة تكمن هنا في محاولة دولوز الجمع بين اكتشافين كبيرين متباينين لموضوعة التكرار: من جهة، ما يسميه "فكرة نيتشه الكبيرة" أي "تأسيس التكرار في العود الأبدي في وقت واحد على موت الله وتحلل الأنا" (ص63)؛ ومن جهة، ما يعتبره شيئا "جديدا" تماما تحت قلم كيركغارد، ألا وهو أنّه قد ساهم مع نيتشه في ابتكار الفلسفة "معادلا عجيبا للمسرح" بل في تأسيس "مسرح المستقبل" (ص58) على موضوعة التكرار. كيف أمكنه أن يفكّر في نفس الوقت بتكرار "ديونيزوس زرادشت" على "مسرح عدم الإيمان" (نيتشه) وتكرار "إله إبراهيم" على "مسرح الإيمان"(كيركغارد) ؟ بين تكرار "العود الأبدي" و"التكرار الجمالي" ؟ 
لا يهتمّ دولوز بكلّ وجوه "الاختلافات" بين تكرار نيتشه وتكرار كيركغارد، رغم إقراره بها (ص58، 62). لكنّه يكتفي باستنتاج طوبيقي. قال: "يكفينا أننا وجدنا التأكيد المسرحي لاختلاف لا يُختَزَل بين العمومية والتكرار"(ص63). 
هنا يكشف لنا دولوز عن الرهان الكبير الذي يحرّك رصده لموضوعة التكرار لدى كل من كيركغارد ونيتشه: العثور على المسرح المناسب لتخريج مسألة الاختلاف بوصفها الغرض العميق للكتاب.
 
 
 
جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (2)
 
 
 
إنّ فشل التمثيل في فهم التكرار هو في واقع الأمر فشل يشير إلى فشل أكثر خطورة: إنّه الفشل في فهم الاختلاف المحض. إنّ جهاز التمثيل من ذاكرة وتفكّر ووعي وأنا متطابق مع ذاته وموضوع ومحمول وتعارض وتشابه وهوية ... هو جهاز لا يستطيع أن يرى من معنى الاختلاف إلاّ "الاختلاف المفهومي" أي مجرد "تفصيل التمثل كوسيط" بين متعارضين(ص64). وفي نهاية المطاف نكتشف أنّ التمثّل لا يفلح في فهم الاختلاف إلاّ بقدر ما يشوّهه ويحوّل إلى مجرّد "تشابه"، أي إلى شيء يمكن "تجميده بشكل اصطناعي"، إلى مجرّد فرق "منطقي" (ص65) أو "قدرة منطقية للمفهوم" (ص66). 
ما لا يفهمه التمثيل من الاختلاف هو أنّه وليد ضرب عميق من التكرار الانتقائي لشيء متعدد لا يمكن لأيّ جهاز هووي أن يستوعبه. ثمّة قسوة في التكرار لا يستطيع أيّ تمثيل أن يحتملها، أي أن يجمّدها في "مفهوم" واحد ووحيد. وطرافة دولوز تكمن في حرصه على إعادة مسألة الاختلاف إلى حضن مسرح التكرار الخفي الذي يسري تحت عقولنا بشكل سردابي لا يُسبر غوره. عندئذ نكتشف بجلاء أنّ التمثيل الذي قامت عليه الفلسفة أي جهاز تجميد الكينونة في مفاهيم موحّدة وهووية، هو عاجز بطبعه عن فكّ طلسم الاختلاف وذلك لأنّه عاجز قبل ذلك عن الوقوف على حقيقة التكرار العميق لصيرورة الأشياء فينا وخارجنا. وإنّ فشل التمثيل يكمن في أنّه لا يستطيع أن يحتضن الاختلاف إلاّ مشوّها (ص65) ولا يمكنه أن يحتمل التكرار إلاّ مرغما أي في شكل عودة متكررة للأشياء "عينها"(ص66). "المفهوم هو الـ’’عينه’’ " الذي يعود دونما أيّ قدرة على الاختلاف(ص67).
لذلك فإنّ ما يدافع عنه دولوز هو ضرورة "أن نعترف بوجود اختلافات ليست مفهومية" (نفسه). وذلك يعني أن نفهم كينونة أيّ كائن بوصفها "بيئة للتكرار" (ص67-68) كما فعل كانط مع المكان والزمان. وها هي أطروحة دولوز: إنّ التكرار "اختلاف بلا مفهوم" (ص68)، لكنّ ذلك لا يعني أنّه بلا حقيقة، بل فقط أنّه "يتهرّب من الاختلاف المفهومي" (نفسه) أو لا يريد أن يُختزَل في مجرّد تعارضات منطقية خاوية، لا قوام لها إلاّ الصدى الهووي الذي يعبرها. 
غرض دولوز إذن هو إعادة الاختلاف إلى كينونة كلّ شيء واستعادة التكرار من كلّ العودات الزائفة، وبخاصة تلك التي تتسلّح بالمنطق، أي بهيكل يريد أن يفكّر، أي أن يختلف، ولكن بلا ذاكرة، أي يرتدّ إلى ضرب من الطبيعة. لكنّ التكرار هو "لا وعي" كل ما يتمثّل نفسه وفق هوية لا يملكها. وها هي المفارقة التي يدرّبنا دولوز على المشي في نورها الخافت: نحن "نكرّر ماضينا كلّما قلّصنا من إعادة تذكّره"(ص69). بأيّ معنى ؟
كلّ تذكّر يميل إلى الانقلاب إلى قالب هووي جاهز لأنفسنا، ومن ثمّ هو يمنعنا سلفا من أيّ لقاء مباشر وحرّ بإمكانيات أنفسنا العميقة، تلك التي لم تقع في قبضة التمثيل. وليس التمثيل غير وسيلة الذاكرة المتعبة، الوسيلة السيئة، لنسيان نفسها من خلال نمط ميّت من تذكّر الماضي. لذلك فإنّ أخذ التكرار مأخذ الجدّ بوصفه نمط تحرّر داخلي لذاكرة في صحة جيّدة هو ما يقترحه دولوز. لكن التكرار ليس غاية في ذاته، إنّ الغرض البعيد هو استرجاع القدرة الفذة على الاختلاف المحض، ذاك الذي لا يمكن لأيّ هوية إلاّ أن تعمل عنده دون أن تستطيع أبدا أن تتمثّله أي أن تحوّله إلى جهاز تمثيل بلا ذاكرة خاصة.
وعلينا أن ننتبه إلى أنّ دولوز يميل إلى فهم "الهوية" بوصفها مشتقة من معنى "الهوهو" الميتافيزيقي. وهو يستعمله في نوع من التوازي مع الـ"عينه" في التمثيل (ص71). تخفي كل هوية حنينا إلى ماهية ما. ولم يفعل المفهوم بالمعنى الأفلاطوني غير خدمة هذا النوع من الهوية.ولهذا يقترح دولوز أن نبحث عن اختلاف بلا مفهوم أو بلا نفي، أي عن اختلاف لا يحتاج إلى التوكّل على هواجس هووية لم تشف من الحنين إلى الهوهو أو إلى الماهيات المعطاة سلفا. 
ليس الاختلاف مجرّد تنفيس لكبت ما. بل هو ضرب من اللاوعي الذي هو وحده ما يمكن أن يمدّ حرية ما بقدرتها على تكرار نفسها بكل مرح. إذ يدين التكرار بوجوده لعدم ما: عدم تذكّر، عدم وعي، عدم معرفة،... والقصد هو الكفّ عن تأسيس الأشياء على "شكل الهوية"(نفسه) لأنّ كلّ هوية تطمع بطبعها إلى الانقلاب إلى "اختلاف مفهومي" أي مجمّد أو سجين ذاكرة لم تعد قادرة على تذكّر نفسها. ووراء كلّ مصالحة مع النفس، ثمّة رغبة ما في التضحية بالتكرار. يتحوّل التكرار إلى "تسوية" كما مع فرويد (ص72-73). والحال أنّ التكرار قد لا يجد تأكيده الأكبر إلاّ في غريزة الموت، التكرار الخام والعاري (ص72). 
إنّ القصد هو فضح فكرة تكرار "الأصول" مهما كان نوعها. إذ "لا وجود لحدّ أوّل يتكرر، بل إنّ حبّنا البنوي للأمّ يكرر أشكالَ حبّ أخرى لبالغين نحو نساء أخريات"(ص73). نحن لا نكون أنفسنا إلاّ بقدر ما نكرّر أنفسنا ولكن ليس كأصول وحيدة عنّا. نحن لسنا مصادر أنفسنا. بل تكرارات لتكرارات لا نملك قدرها. ولهذا تحديدا نحن مشاريع اختلاف محضة، سوف تعمل كلّ مؤسسة هووية، أكانت في عقولنا أو في لغاتنا أو في دولنا أو في آلهتنا، على تحويلها إلى صيغ تمثيلية لشخصية تقع علينا أو تأتي من داخلنا، ولكن لا تثبتنا. وذلك أنّ كلّ هوية هي قناع شخصي لأشخاص مصنوعين من أنماط تشخص موروثة عن آخرين مرّوا بنفس التجربة: تجربة القناع. ولكن "لا تغطي الأقنعة شيئا باستثناء أقنعة أخرى" (نفسه). 
هنا يستنتج دولوز أنّ التكرار هو أمر "رمزي أساسا، والرمز أي المظهر الخداع هو حرفية التكرار عينه."(ص74). هذا يعني أنّنا لا نكرر ما نعرفه أو نعي به. وحدها الهوية تظن أنّ ما يتكرر لا يمسّ جوهرها. أو هي في مأمن من أيّ اختلاف محض. لكنّ دولوز ينبّه إلى أنّ كلّ تكرار هو في واقع الأمر "يخدم كغطاء لتكرار أعمق...حيث تتغذى الأدوار والأقنعة من غريزة الموت" (نفسه). الموت بوصفه ما لا يُمثّل. ولذلك هو تكرار عار أو خام. ضدّ فرويد الذي يقول : "نكرر لأننا نكبت"(ص72) يقول دولوز : أنا " لا أكرر لأني أكبت. أكبت لأني أكرر وأنسى لأني أكرر."(ص75). لا يُعاش إيروس إلاّ مكرَّرا. الحب تكرار عار لما لا يُمثَّل. 
من أجل ذلك "ليس فعل الوعي أمرا مهما" (ص76). فلا أحد يمثّل نفسه حقا. لا يكفي أن نتذكّر كما لا يكفي أن ننسى: "لا تشفينا الذاكرة كما لا يمرّضنا النسيان" (نفسه)؛ بل المشكل هو في مدى قدرتنا على "رحلة في عمق التكرار"(نفسه)، أي في عمق الحياة التي تعبرنا ونعبرها دون أن ينتمي أحدنا إلى الآخر ضرورةً، أي بشكل هووي ومن خلال أجهزة تمثيل مستقرة لدى أهلها. إنّ الأهمّ ليس الدفاع عن هذه الهوية أو تلك، لأنّ النقاش الهووي هو بطبعه نقاش تمثيلي. ومن ثمّ يدين بكلّ وجوده إلى مفهوم مجمّد عن الوعي. إنّ الأهمّ هو فقط "تأصيل الأدوار وانتقاء الأقنعة" (ص77)، كأقصى محاولة لاحتمال غريزة الموت ولكن مع التحرر منها بواسطة التكرار الذي يحرص على ألاّ يزيّف بواسطة "عمومية" ما: إذ لا أحد يموت بشكل "عام". ولذلك ثمة بين الموت الخاص (دون أن يكون شخصيا بالضرورة) وبين الحرية من الهواجس التمثيلية للهويات رابطة سابقة هي وحدها ما يمكن أن يجعل التكرار "مبدأ أصليا إيجابيا...يختلط فيه الرعب بشكل دقيق بحركة الانتقاء والحرية"(نفسه). 
لذلك ينبغي التمييز بشدة بين تكرار "يحيل إلى مفهوم بعينه، ولا يحفظ سوى اختلاف خارجي بين نسخ عادية لهيئة ما" وبين "تكرار اختلاف داخلي، يضمّه في كل لحظة من لحظاته، وينقله من نقطة بارزة إلى أخرى"(ص79). وحيثما لا يجد السلبي موضعا، "تنسج المخلوقات تكرارها" (ص81) أي اختلافها الخاص عن التكرار الخارجي والزائف الذي تعيّنه لها هوية ما.
إنّ الناس مثل "القوافي" يتكرّرون في إيقاع لا يمكن لأي مفهوم أن يستبقه أي لا يمكن لأيّ سلطة هووية أن تجمّده. وثمّة "تكرار يكبّل وتكرار يخلّص- يخلّص في البداية من التكرار الذي يكبّل" (نفسه). لكنّ الذي يتكرر كالقوافي عليه أن يتكلّم "لغة فجْرية" (ص82) تعرف الطريق إلى فضائها الخاص بلا أيّ إملاء هووي. علينا المحافظة على الفرق بين "حركة السابح وحركة الموجة" (ص83) والفرق بين من يقول "اعمل مثلي" والذي يقول "اعمل معي" (نفسه). 
طرافة التكرار العميق أن لا نكرّر شيئا بعينه؛ بل أن ندخل في "فضاء تكراري" (ص84) حيث يمكن لعدد لا يُحصى من "الآخرين" أن يكرروا، أي يختلفوا عنّا من جهة ما يفعلون معنا وليس مثلنا. هنا لا يعني "التعلم" من الآخرين أكثر من "تكوين فضاء للقاء" (نفسه) حيث يصبح كل شيء علامة، أي "ضائعا في البعيد ويضربنا بشدة السوط" سوط "المسافة الصحيحة" التي تجعل "التكرار المحرّر" (نفسه) ممكنا.
هذا الحديث عن الحرية في قلب التكرار كضرب من "العود الأبدي" الخاص هو أمر مثير هنا. إذ حيثما يكون حديث عن حريتنا لا يمكن الاستغناء عن تصوّر ما لأنفسنا أو لنمط أنفسنا. ولا يشذّ دولوز عن القاعدة: إنّه لا يعلي من شأن التكرار أو الاختلاف من أجل استكمال جهد المضادين للحداثة للقضاء على نموذج "الذات". بل فقط إنّ دولوز مثل نيتشه أو هيدغر أو فرويد هو يريد أن يكتب تاريخ الوعي الحديث على ظهره. إنّ الكتابة على ظهر الوعي هي التفكير من داخل غيهب "اللاوعي" كورشة داخلية وحميمة لأنفسنا العميقة، تلك التي تقوم كلّ ذات تمثيلية على طمسها وتعويضها بجهاز الوعي. ولذلك "علينا أن نميّز ذاتاً سرية تتكرر من خلالها، ذات التكرار الحقيقية. يجب أن نفكر التكرارَ في صيغة الضمير، وأن نجد ذات (le Soi) التكرار والفرادة في ما يتكرر" (نفسه). 
ليس التكرار حالة خارجية تقع على أجسامنا كضرب من الكسل الانطولوجي، بل هو دوما تكرار في صيغة ضمير المتكلم. وذلك "لأنّه لا وجود لتكرار من غير مكرِّر"(نفسه).
لكن حذار أن نحكم على دولوز بأنّه لا يزال سجين براديغم الذات أو الوعي، كما يطيب لمتفلسفة المنعرج الألسني أن يصنّفوا الفلاسفة منذ نيتشه. إنّ ما يقترحه دولوز هو تحديدا أن نستعيض عن التمييز بين "الذات والموضوع" بتمييز آخر أكثر قربا من المشاكل التي طرحتها الحياة الحديثة، ألا وهو "التمييز بين شكلين من التكرار" (نفسه). تكرار زائف لأنّه يعمل خادما لجهاز الوعي الذي لا يعرف من علاقة باللاوعي إلاّ التمثيل أي صناعة الهوية بواسطة المفاهيم الجامدة، وتكرار يسمه دولوز عديد المرات بأنّه "اختلاف بلا مفهوم"(ص84-85). 
"بلا مفهوم" تعني هنا بلا ردّ هووي إلى "هو هو" جاهز وسابق. بلا مفهوم أي "غيري" و"لا متجانس" و"تأكيدي" و"دينامي" و"اشتدادي" و"بارز وفريد" و"عامودي" و"مغلّف ويجب تفسيره" و"لامتساو ولا مشترك" و "روحي بل في الطبيعة وفي التراب" و "يمتلك سرّ ميتاتنا وحيواتنا وتكبيلاتنا وتحريراتنا" و"متقنّع " و" متخفّ" (ص85) و"يجري إفرازه كالصَدَفة" (ص87). 
وحسب دولوز فإنّ "خطأ فلسفة الاختلاف من أرسطو إلى هيغل مرورا بلابنيتز أنّها خلطت مفهوم الاختلاف بمجرد اختلاف مفهومي"(ص90). بذلك صارت المهمّة الموجبة لبحث دولوز واضحة: ما هو الاختلاف الذي "لا يُختزل" في مفهوم من فرط أنّه "فرادة" تطالب بأن تكون "فكرة" حرة ؟ وبما أنّ الفريد هو وحده القادر على التحرر من ربقة التمثيل والتدرب على "تكرار حقيقي" للفريد، فإن علينا أن نسأل : "ما هي ماهية التكرار التي لا تُختزل إلى اختلاف بلا مفهوم" ؟ (ص90-91)
ثمة "لقاء" (ص91) لا يمكن أن يطرح منذ البداية بل علينا أن نفاجئه متلبّسا بالاختلاف منغمسا في فضاء التكرار بكل ما أوتي من فرادة أي من قدرة على "الفكرة"، فيما أبعد من كلّ تمثّلات "المفهوم".
 
 
 
 
جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (3)
 
 
 
- ليس الاختلاف معطى جاهزا مثل الهوية. لكنّ خطر كلّ هوية أنّها سريعا ما تنقلب إلى "هوّة بلا تمييز"، إلى "حيوان لا متعيّن" (ص93) ولذلك فإنّ الاختلاف هو فقط ما يعيّن، أي ما يخرج من "القعر إلى السطح" دون أن يحتاج إلى أيّة وساطة مع شبيه ما. لا معنى إذن لتعيين الاختلاف "بين" شيئين: الاختلاف فعل محض فريد و"وحيد الجانب". إنّ "ما يتميّز عنه لا يتميّز عنه" (نفسه). ولذلك ينطوي الاختلاف على شيء من "القسوة العنيفة" (ص94). القسوة هي التي تعيّن ولكن بلا هوية، "مرآة حيث يتفكك الوجه البشري" وتظهر "المسوخ"، أي الاختلافات "الملعونة". يبدو الاختلاف لأوّل وهلة بوصفه "إنتاجا للمسوخ" ولذلك ظلّ في كل مكان شيئا "ملعونا". وحسب دولوز "لا يجب أن نندهش من أن يبدو الاختلاف ملعونا، ومن أن يكون الغلطة أو الخطيئة، هيئة الشر المحكوم عليها بالتكفير" (ص95). 
يشير الاختلاف إلى خانة اللا-متعيّن وعلى ذلك فهو نمط القسوة الوحيد القادر على إنتاج "التعيينات". نمط القسوة الذي يحاول جهاز التمثّل ( الذي بنى عليه الوعي الكلاسيكي تصوّره لنفسه) أن يلغيه أو على الأقلّ أن يحدّ من غموضه وتوحّشه، من خلال أربع حيل رئيسية يستعملها التمثيل لإخضاع الاختلاف لسلطة "التفكّر" : "هوية المفهوم وتعارض المحمولات وتماثل الحكم وتشابه الإدراك"(ص105). والخطة العامة هي: "إنقاذ الاختلاف بتمثّله" (ص96) أي بتحويله إلى "مفهوم" يمكن للتمثيل أن يستخدمه استخداما "هوويا". حينئذ يُخيَّر الاختلاف بين الإقصاء وبين أن "يخرج من كهفه ويتوقف عن أن يكون مسخا" (نفسه). إنّ فلسفة التمثيل بما هي في الأساس فلسفة هوية هي "لقاء سيء"(نفسه) بالاختلاف لأنّها لا تستطيع احتماله إلاّ حين يقبل الانحطاط إلى مجرد "تعارض" يمكن للتفكّر حلّه. فإذا امتنع عن ذلك لحقته "لعنة" الهوية: ألاّ ترى فيه سوى "كارثة" (ص105). 
من أجل ذلك يقول دولوز: " إنّ انتزاع الاختلاف من حال لعنته هو مشروع فلسفة الاختلاف" (ص95). ويعني ذلك بالتحديد تحرير الاختلاف من لعبة الهوية التي ستقوده حتما إلى التحلّل في أشكال هووية من اللاّ-هوية من قبيل "التعارض" و"التضاد" و"التناقض". ولذلك علينا أن نحترس من فهم الاختلاف بوصفه مجرّد فقدان أو غياب أو نفي للهوية. ذلك أنّ ما يدمّر كلّ ضرب من "فلسفة الاختلاف" هو "الخلط بين تعيين مفهوم الاختلاف وإدراج الاختلاف في هوية مفهوم لا متعين" (ص100). علينا أن نكفّ عن الخلط بين أن نفكّر في الاختلاف في ذاته وبين أن نفكّر فيه ضمن منطق الهوية أي في خدمة التمثيل. إنّ كلّ دفاع عن الاختلاف باسم الهوية هو ضرب سيّء من خداع النفس. إذ ما يلبث "الهوهو" أن يطلّ برأسه "ضاحكا من تزاحم الأضداد" كما تهكّم المعري ذات يوم. ويبدو أنّ دولوز يتّخذ من "فلسفة الاختلاف" كما طوّرها أرسطو مثلا قويّا على "اللقاء السيّئ" الذي وقع في تاريخ الفلسفة بين الاختلاف والهوية (ص96-104).
لا يسعى دولوز إلى الدفاع عن حق الاختلاف في أن يكون "كارثة"، أي أن يبقى شيئا لا يمكن لأيّ "تفكّر" أن يدمجه في اللعبة التمثيلية للهوية،- بل أن يلفت نظرنا إلى هذا الاحتمال الآخر: هل يكون الاختلاف كارثة ليس لأنّه ضدّ الهوية بل لأنّه يشهد على وجود "أساس عصيّ لا يُختزَل ويستمرّ بالعمل تحت التوازن الظاهر للتمثل" ؟ (ص105). هو كارثة لأنّه يأتي من منطقة تقع خارج المنطق التمثيلي للهوية. 
إنّ الأمر يدعونا إذن إلى التفكير في معنى آخر للهوية نفسها. وعلى كل حال هو معنى لا-تمثيلي بامتياز. كيف ذلك ؟
لقد وجد دولوز طريقا إلى هذا المعنى الآخر للهوية في قضية أنطولوجية عثر عليها لدى دنس سكوت (ص106): إنّ الكينونة تُقال على معنى واحد؛ إنّها لا تبالي بالكائنات الفردية ولا تختلف من واحد إلى آخر. ذلك بأنّ الاختلاف هو تفرّد يقع في نسيح الكائنات فحسب. ربّ قضية صارت مع سبينوزا موضوعا لإثبات محض (ص114). أمّا مع نيتشه فقد تحوّلت إلى شبه ثورة كوبرنيكية (ص115). 
إنّ القصد الأنطولوجي هو أنّ الكينونة ليست جنساً. ومن ثمّ أنّها هي هي في كل كائن. ليس ثمّة صوتان للكينونة : أحدهما صادق والآخر كاذب. صوت الكينونة واحد لكن الكائنات التي تخاطبها الكينونة هي التي تختلف. كل كائن مختلف لأنّه يأخذ صوت الكينونة على طريقته (ص107). 
ولذلك علينا أن نميّز بين توزيعين للكينونة: من جهة، توزيع التمثيل القائم على "الامتلاك" الحضري للمكان وعلى "التقسيم" بواسطة تعيينات ثابتة؛ ومن جهة، توزيع الكينونة ذات المعنى الواحد في كل كائن، فهو "توزيع بدوي بلا ملكية ولا تسوير وبلا قياس"(ص108). هنا ينفتح أمامنا حقل اختلاف بكر وطريف: "لا شيء يعود ولا هو ينتمي إلى أحد، إنما كل الأشخاص ينتشرون هنا وهناك، بطريقة تمكنهم من أن يغطوا أوسع ما يمكن من المكان."(نفسه) ولذلك تبدو الكينونة بمثابة "توزيع بدوي وفوضى متوّجة" (ص110).
من الممكن عندئذ أن نرى إلى الفرق بين "الاختلاف النوعي" الأرسطي وبين الاختلاف الذي يفرّد نفسه ويتأسس على فرادته، من فرط أنّه يسمع صوت الكينونة على طريقته. بذلك يتبين كيف أنّ الاختلاف الحامل لفرادته "سابق في الوجود" على " الاختلافات في الجنس والنوعية" (ص112). 
ولأنّ الاختلاف سابق على أيّ "فرق نوعي" فإنّ الهدف الفلسفي الأساسي لدى دولوز هو قلب العلاقة بين الهوية والاختلاف: 
"ألاّ تكون الهوية أولى، أن توجد بمثابة مبدأ إنما مبدأ ثان، مبدأ صائر، وأن تدور حول المختلف، هذه هي الثورة الكوبرنيكية التي تفتح على الاختلاف إمكانيةَ مفهومه الخاص، بدلا من الاحتفاظ به تحت سيطرة مفهوم سبق وطُرح بوصفه ’’هو هو’’ بشكل عام" (ص115). 
كلّ طرافة كتاب الاختلاف والتكرار توجد في هذا الإعلان الرشيق: على الهوية أن تفقد أوّليتها بالنسبة إلى الاختلاف، عليها أن تخضع لما سمّاه كانط ذات مرة "ثورة كوبرنيكية". ولكن ما معنى أن نقوم بثورة كوبرنيكية في فهم الهوية ؟ 
اعتمد دولوز في تخريج هذه المسألة على فكرة "العود الأبدي" كما طرحها نيتشه. ولكن على عكس هيدغر الذي وجد في هذه الفكرة أمارة على بقاء نيتشه سجينا في براديغم الذات الحديثة، حيث تأوّل العود الأبدي بوصفه "عودة للهوهو"، فإنّ دولوز قد أكّد أنّ العود الأبدي "لا يمكن أن يعني عود الهوهو، لأنّه يفترض على العكس من ذلك عالما تتقوّض فيه كلّ الهويات القائمة وتتحلّل"(ص116). ولكن لنحترس من فكرة تقوّض الهوية، لأنّ ما يتقوّض هو التصوّر التمثيلي للهوية وليس كلّ معنى للهوية. 
ذلك بأنّ عودة الأشياء لا تعني سوى الصيرورة، ومن ثمّ يمكن لدولوز أن يقول :"إنّ العودة هي إذا الهوية الوحيدة، انما الهوية بوصفها قدرة ثانية، هوية الاختلاف، الهوهو الذي يقال عن المختلف الذي يدور حول المختلف.وتتعيّن هوية كهذه تنتج عن الاختلاف بما هي ’’تكرار’’."(نفسه).
ليس ما يصير شيئا هباءً بلا وجود؛ بل هو الشيء "عينه" الذي يصير. هو "عينه" الذي يصير ومن ثمّة هو له "هوية" فريدة من نوعها لأنّها مستمدّة من اختلاف خاص ومحض. وهكذا "يقوم التكرار في العود الأبدي على التفكير في الـ’’عينه’’ انطلاقا من المختلف." (نفسه).
إنّ الهوية الأصيلة هي انتقاء فريد لاختلاف خاص. ولذلك فإنّ "ما يعود ليس الكلّ أو الـ’’عينه" أو الهوية القائمة مسبقا بشكل عام" بل إنّ ما يعود هو "الأشكال القصوى وحدها" و "وحده يعود الحدّ الأقصى" (نفسه) لكل اقتدار. إنّ المطلوب ليس إلحاق الاختلاف بهوية معطاة سلفا، بل "إلحاق الهوهو بالمختلف" (ص117) ولا يعني ذلك سوى "إنتاج التكرار انطلاقا من الاختلاف وانتقاء الاختلاف انطلاقا من التكرار"(نفسه). إنّ المطلوب هو الكفّ عن تزييف الاختلاف "بإخضاعه للهوية بما هي جنس"(ص129). "أن نجعل الأشكال القصوى تظهر وتنتشر" (ص118). "أن تفلت الفرادة الأصيلة من النوع" (ص120). 
وفي مواضع لا تحصى نرى إلى دولوز كيف يخوض صراعا جذريا مع كل مفاعيل "مبدأ الهوية" المتفشية في بنية العقل الغربي بما هو عقل تمثيلي بامتياز. وهو يجد في هيغل الممثّل الشرعي الأكبر للمسخ الميتافيزيقي لمعنى الاختلاف. 
كلّ ما عرضه منطق هيغل عن الاختلاف تحت عنوان التناقض هو "مسوخ منطقية في خدمة الهوية" (ص131). والنتيجة العليا هي الدفاع عن هذه الدعوى : "إنّ الاختلاف هو السلبية" (نفسه). لكنّ هذا "ليس صحيحا إلاّ حين يكون الاختلاف قد سبق ووُضع على الطريق، على خيط مشدود بالهوية."(نفسه). مع هيغل "يبقى الاختلاف خاضعا للهوية، ومختزَلا في السلبي، ومحتجزا في التشابه وفي التماثل"(نفسه).
إنّ على الفلسفة إذن أن تبحث عن الاختلاف الآخر أو عن "الاختلاف في ذاته" أي الاختلاف كما يمكن التفكير فيه انطلاقا من نفسه بعيدا عن أيّ حاجة هووية. في تلك المنطقة المتوارية عن أيّ هواجس هووية مسبقة، يمكن للفيلسوف أن يلقي ببصره على "ازدحام الاختلافات وتعددية الاختلافات الحرة والمتوحشة وغير المكبوحة"(ص132). 
هناك بدلا من القبض الهووي على الاختلافات والزجّ بها في سجن المفهوم التمثيلي الكسول، يجدر بنا أن نعمل على "توزيع التباينات في كثرة ما" (نفسه). إنّ رحم الاختلاف ليس الهوية الأنانية بل الكثرة الحرة.
وحدها الكثرة يمكن أن تؤلّف حضنا واسعا لشيء مثل "العمق الأصلي والاشتدادي" حيث تنتشر "اختلافات طليقة"(ص132)، تتعايش فيما بينها في شكل "مسطّحات متحركة" (ص133). إنّ ما يخشاه كل اختلاف حقيقي هو السقوط في "سطحية السلبي" (نفسه). كل المعارك السالبة هي معارك زائفة. قد يكون السلبي "أساسا زائفا للمعركة، إنما تحت المعركة، هناك فضاء لعب الاختلافات. السلبي هو صورة الاختلاف، إلا أنّها صورته المسطّحة والمقلوبة" (نفسه).
 
 
 
 
 
جيل دولوز: ثورة كوبرنيكية في فهم الهوية (4)
 
 
 
كلّ معارك الهوية معارك سالبة. ولا يحرّكها الاختلاف إلاّ عرضاً. ولأنّ السالب لا يعرض من عدوّ سوى ما يعارضه، فإنّ الهوية تنتهي غالبا إلى فهم الاختلاف بوصفه "تعارضا" أو هي لا تفهم الاختلاف إلاّ بقدر ما تنجح في تحويله إلى تعارض مع مبدأ الهوية. لذلك يحرض دولوز على التنبيه إلى ضرورة قلب العلاقة الهووية بين التعارض والاختلاف : إذ "ليس الاختلاف الذي يفترض التعارض، بل التعارض الذي يفترض الاختلاف" (ص134). ولا يمكن تحويل الاختلاف إلى تعارض أو تناقض إلاّ متى تكلّمنا منطق الهوية. في كل مكان أو خطاب حيث تهيمن إرادة الهوية يُساق الاختلاف إلى الخيانة والتشويه. ولكن متى وقع ذلك ؟
"عندما وُضع قسريًّا في هوية قائمة مسبقا، عندما وُضع على منحدر الـ’’هوهو’’ هذا الذي يحمله بالضرورة حيث تريد الهوية ويجعله ينعكس حيث تريد الهوية، أي في السلبي"(نفسه). 
بذلك لم يكن الاختلاف دوما مخيّرا إلاّ بين أن يعترف بالهوية وبتمثيلها له أو أن يقف في خانة السلبي. "ولكن هناك دوما فرادة غير ممثّلة لا تعترف" (ص135). تعوّل الهوية دائما على "كلّي" ما قادر على امتصاص كل ما جزئي. لكنّ ما يفوت هذا الكلي هو "الفرادات" الحرة، تلك التي ترفض الابتزاز القديم للهوية: أنّه لا يمكننا أن نقول "نعم" لأنفسنا إلاّ بعد "المرور ببؤس الانقسام والتمزّق" (ص137). كأنّ التفكير ضرب من "التكفير" عن سلب ما أو "لعنة" ما (نفسه).
ما يخيف في كلّ هوية هو تحوّلها من حيث لا ندري إلى "ذاكرة ضخمة" تعمل كدائرة لا متناهية لها "في كل مكان مركز وحيد يحفظ في ذاته كل الدوائر الأخرى"(ص 138). هي ذاكرة "الثور الجدلي" أو "حمار" زرادشت: ذاكرة العبد الذي يظنّ أنّ "حمل الأثقال" هو فضيلة. ولذلك "ليست عبقرية العود الأبدي في الذاكرة، بل في الإسراف، في النسيان الذي صار نشطا"(ص140).
وبدلا من ذاكرة هووية، يقترح علينا دولوز "هوية خاصة مغمورة في الاختلاف، بما أنّ كل واحد لم يعد إلاّ اختلافا بين اختلافات" (ص142). هنا يصبح الاختلاف عملا "تفاضليا" رائعا: "مسرحا حقيقيا، مكوّنا من التحولات والاستبدالات. مسرحا بلا أيّ شيء ثابت أو متاهة بلا خيط (شنقت أريان نفسها)"(نفسه). 
لا تقف هوية خاصة على حقيقتها القصوى إلاّ عندما "تجرّب" على نفسها من الداخل، أي تقف خارج ميدان وحاجات "التمثّل". حين لن يعود أمام "موضوع" تتمثّله أو "باطنية" تعمل على الوعي بها. بهذا الثمن فقط هي تصبح ضربا من "التجريبية المتعالية". تلك التي تعلّمنا "المتكثّر وكاوس الاختلاف (التوزيعات البدوية والفوضويات المتوّجة)" (ص143). 
ما ينبغي على كل هوية خاصة أن تقرّ به هو أنّها ليست "أولى" ولا "أصلية" بل مشتقة من غور سحيق من الاختلاف والتكرار. عليها أن تقرّ بأن "الاختلاف وراء كل أمر إنما وراء الاختلاف ليس هناك أي أمر" (نفسه). 
لذلك على "الأنا" أن يقف على الصدع العميق الذي يحمله في نفسه. وهو أمر ندين به حسب دولوز إلى كانط معيّن حتى كانط نفسه لم يقف عنده (ص146، 194). ليس الأنا كوجيطو جاهزا أو معطى بلا رجعة، يؤسس ما يريد ويحوّل العالم متى أراد إلى موضوع. في حقيقة الأمر ليس الأنا غير بنية هووية تمّ اختراعه من "الهوهو" المفترض في طبيعة الأشياء. كلّ أنا هو حصيلة متأخّرة عن عملية إلغاء للكثرة الداخلية لأنفسنا وردّ اختلافها الشديد إلى "الهوهو". لذلك ينبّهنا دولوز إلى أنّنا لا يمكن أن ننقد "إله" الفلاسفة دون أن ننقد جهاز "الأنا" الذي يشدّه. طالما هناك "أنا" بشري مطابق لذاته بشكل هووي، سيكون هناك على الدوام "إله" ليعبده. أحدهما لا يُحفظ بدون الآخر (ص145). 
من أجل ذلك فإنّ استيلاء الإنسان الحديث على مكان الإله التقليدي وبسط سيادته المتعالية على الطبيعة هو حسب دولوز موقف "مخيّب" للآمال: "إنّ التبديلات بين الإنسان والله مخيّبة ولا تجعلنا نتحرك خطوة واحدة"(نفسه). 
إنّ عصر ديكارت لا يزال هو عصر الهوية. إذ "أنّ إحلال وجهة نظر الأنا محل وجهة نظر الله هي أقل أهمية بكثير مما يقال مادات الواحدة تحفظ هوية يجب أن تكون بالضبط للأخرى. ويستمر الله بالعيش مادامت الأنا تتمتع بالبقاء والبساطة والهوية، التي تعبر جميعها عن تشابهها مع الإلهي."(ص194). 
ورغم أنّ كانط قد أخرج الأنا والإله من نطاق العقل النظري فهو سريعا ما رأب هذا الصدع الذي أدخله فيهما من خلال حلّ أخلاقي لوجودهما، وذلك "بواسطة شكل جديد للهوية"(نفسه). وماذا ترك لنا كانط : إلها "ميّتا" تأمّليا و"أنا مصدوعة" أو "متحللة" (ص 195، 201). "أنا" صدعها "الزمن" الذي "خرج عن طوره" وصار "شكلا فارغا ومحضا ومتخلصا من محتوياته" (ص232). 
كلّ هوية هي "أنا نرجسية" لئن كانت تعيش في الزمن إلاّ أنّها ممنوعة من "الزمن" أو هي "لا تكوّن إطلاقا محتوى زمنيا" (نفسه). لا تقوى الأنا النرجسية على ملء زمنها بل هي تقف قبالته بشكل كسول. ولذلك فكلّ ما هو نرجسي أي هووي لا يحرّره إلاّ "غريزة الموت" (ص233). لذلك تحاول كل أنا نرجسية أن تملأ الزمن بالذاكرة، أن تختزل الموت في السلبي، أن تخضع تكرار الاختلافات الحيوية إلى "الهوية الخارجية لمادة ميتة أو للهوية الضمنية لنفس خالدة"(ص235). 
والحال أنّ الموت لا يمكن اختزاله. "الموت هو بالأحرى الشكل الأخير للإشكالي، مصدر المشكلات والأسئلة، سمة دوامها فوق كل إجابة"(نفسه). وحده الحرّ والفريد يمكن أن يسخر من موته الخارجي، أي من كوجيطو الموت : "أنا أموت". ما يموت فينا شيء مختلف عن "الأنا". و "هناك دوما امرؤ ما ’’يموت’’، أعمق من الـ’’أنا أموت’’"(ص237). 
ولذلك فأكبر رهان هو التحرّر من موتنا. ونحن لا نفلح في ذلك إلاّ متى صرنا "اختلافات حرة" (ص236) لا يختفي وراءها أيّ "أنا فاعل" مزعوم. 
ولذلك فأكبر ما فعله كيركغارد هو تجنيد نوع من "كوجيطو الإيمان" من أجل "تجاوز موت الله التأمّلي وتغطية جرح الأنا"(ص206). أجل، يستطيع الإيمان أن يهدم "أنا العادات وإله التذكّرات"(نفسه). لكنّ المؤمن لا يستطيع أن يمنع نفسه من الإحساس بأنّه ليس فقط خاطئا أو محروما بل أنّه كذلك بوجه ما "هزلي ومهرّج، مظهر خدّاع لذاته، بما أنّه منشطر" من الداخل. ولذلك يعلّق دولوز قائلا : "لا ينظر مؤمنان أحدهما إلى الآخر من غير أن يضحكا"(ص207). ولذلك فإنّ المؤمن متى ذهب إلى أقصى تجريبه على ذاته، فهو لا يستطيع أن يمنع "محاكمة المؤمن من قبل الملحد العنيف الذي يسكنه، المسيح المضاد المعطى بشكل أبدي في النعمة" (نفسه) ذاتها. 
ينبغي الاعتراف بأنّنا "ّذوات يرقانية"(ص180) لا توجد إلاّ بقدر ما تتعدّل وتتحوّل أي تتكرّر بشكل نشط، في معنى عود أبدي لا يعود الشيء "عينه" إلاّ "مختلفا" كأشدّ ما يكون، أي "أعلى" و"أقصى" و"تفاضليا" و"إشكاليا". إذْ "لا تمتلك الأنا تعديلات، بل هي ذاتها تعديل"(نفسه) و"اختلاف منتزَع"، ذلك بأنّنا "لسنا إلاّ ما نمتلك" (ص181). إنّ الأنا "قناع لأقنعة أخرى" (ص231). "ذرة أبيقوية"(ص356). فرادة بلا هوية :" فرادة ما، وصولا إلى مجاورة فرادة أخرى" (ص384)، وذلك بعد أن تكون "كل الهويات القائمة" قد تحللت وفتحت الوجود على "التكرار" أي على "إعادة بدء الكائن" (ص385) من جديد. 
لكنّ الأنا التي صارت "فرادة" حرة ليست "نفسا جميلة" لا ترى إلاّ "اختلافات، ولا شيء إلا اختلافات"(ص395) ولا هي أنا هووية تعيش في "مجتمع أبيض" وتتكلم "لغة بيضاء" (ص393) بل هي أنا "تفاضلية" من فرط "المحتوى الافتراضي" للفكرة التي تعبرها بقدر ما هي أنا "تخالفية" من فرط "ترهين هذه الافتراضية في أنواع وأجزاء متنوعة" (ص393). مع تمييز "الافتراضي" عن مجرّد "الممكن" (ص401). 
هي أنا "ثورة" لأنّ "الثورة هي القدرة الاجتماعية للاختلاف"(ص396) ولكن ليست ثورة "السلبي" الذي يقول لا حتى يقول نعم، السلبي الذي لا "يؤكد" شيئا (نفسه) لأنّه ثورة حزينة تعتاش من نزاعات الاعتراف. فالمطلوب البعيد هو "قلب خضوع الاختلاف للهوية"(ص402). في انتظار ذلك "يتابع الاختلاف حياته السفلى"(ص451). قد يُلغى الاختلاف بشكل "هووي" لكنّه يعود في شكل تكرار متنكّر. وحين يعود هو لا يعود عودة الشبيه والهوهو بل عودة المختلف، ذاك الذي "لا يفترض مسبقا أية هوية" (ص453). لأنّ ما يعود ليس له هوية بل هو محض "شدّة" اختلافية لم تعد "تخضع لشرط الهوية" (ص456) ومحض "مكان اشتدادي للاختلافات الإيجابية" (ص457). لكنّه لا يدعي أبدا أن يملك اختلافاته: "يحمل الفرد كلّ الاختلافات، إلاّ أنها ليست لهذا فردية"(ص463، 469).
وحده المفكّر يمكن أن يحاول حقا أن يعرف ماذا يستطيع "اختلاف فردي" أن يكون (ص464) لأنّ "المفكر هو الفرد عينه"(ص471) أو "من يجعل من كلّ الأشياء اختلافاته الفردية" وهو "الفرد، الفرد الكلي" (ص473).
----------------------------------------------------
المصدر : http://www.ahewar.org