دور تحولات اليمن السياسية في تشكل إصلاح الشوكاني ونفوذه واستمراريته

12

طارق حجي – التقرير

منذ أن بدأت محاولات الإصلاح الديني في الإسلام، في أواخر القرن التاسع عشر، ولم يتوقف الباحثون والمفكرون عن البحث في التاريخ الإسلامي عن أسلاف تاريخيين يمثلون سندًا رمزيًا لأفكارهم، تلك الأفكار التي تشكلت في سياقات تاريخية معينة وفي مواجهة إكراهات معرفية محددة ومن أجل الاستجابة لطوارئ ملحة جعلت خطاباتهم بعيدة كل البعد عن أسلافهم التاريخيين المستدعين؛ فهؤلاء الأسلاف المستدعون قد تحركوا تحت أسقف معرفية مختلفة وفي سياقات وإحراجات مغايرة عن أحفادهم الراغبين في الاستيلاء على رأسمالهم الرمزي، لقد كان الانتقاء والذرائعية، كما يرى البعض بحق، من محددات هذا الإصلاح، وربما يرجع هذا لشدة الإكراهات الموجهة من المستشرقين والتي دفعت المصلحين لبناء خطاباتهم فوق الإطار الضيق لهذه الإكراهات، وكذلك فإن شدة إلحاح قضايا مثل المواطنة والعلم ورفض التقليد والمساواة وتجاوز الطبقية دفعت رواد النهضة والإصلاح لصنع سند من التاريخ الإسلامي يستطيع أن يعطي الشرعية لهذه المفاهيم ويصلح كسلاح ضد رافضي هذه الإصلاحات، هذا يعني أن شخصيات ما في التاريخ الإسلامي أصبحت مع الإصلاح ساحة للصراع، نذكر مثلًا ابن خلدون الذي عده البعض ماركس قبل ماركس أو ابن رشد الذي أصبح علمًا على التنوير وفارسًا للعقل، وكما نقول فإن أمرًا كهذا لم يتوقف إلى الآن، فلايزال على لائحة نقاشاتنا الرئيسة عقلانية ابن رشد خصوصًا بعد الترسيمة الجابرية للتراث، أو عملية ابن خلدون خصوصًا بعد كتاب مهدي عامل.

وقد كان الشوكاني محمد بن علي شيخ الإسلام، إحدى هذه الشخصيات المستدعاة والمنزوعة عن سياقاتها لتؤدي أدوارًا محددة وتتفوه بمنولوجات معاصرة فوق مسرح تم إعداده في غيابهم ثم أسند إليهم أن يصرفوا من رأسمالهم الرمزي لتدعيمه، فأثناء فترة حكم حميد الدين في اليمن وتزامنًا مع حركات الإصلاح في مصر وغيرها من مناطق العالم الإسلامي، تم توظيف الشوكاني بأكثر من طريقة؛ فتم توظيفه مثلًا عن طريق نشر كتبه في القاهرة كدليل على كون المذهب الزيدي لا يخالف كثيرًا مذهب أهل السنة مما قد يجعله وكأنه مذهب سني خامس، كما تم استخدامه في ربط اليمن بغيرها من مناطق العالم الإسلامي بدمج إصلاح الشوكاني مع غيره من الإصلاحات تناسيًا للسياق التاريخي الخاص لإصلاح الشوكاني وافتراقه عن غيره، خصوصًا في قضية أثر الصدمة الأوروبية وسؤال تأخر المسلمين وتقدم غيرهم التي تصل حد العامل المحدد لتشكل بعض هذه التجارب والعامل الغائب تمامًا في بدء وتشكل تجربة الشوكاني الإصلاحية. التوظيف الأشد تجاهلًا للتاريخ كان من بعض الكتاب الثائرين على حكم الأئمة والداعين لجمهورية يمنية والذين رأوا في الشوكاني -شيخ الإسلام في حكم أبناء الهادوية- ثائرًا على الهادوية!، أو قحطانيًا سائرًا على أسيد الشمال، كما اعتبره قاسم غالب وزير التربية بعد ثورة 1962.

ويعد الكتاب الذي بين أيدينا “الإصلاح الديني في الإسلام.. تراث محمد الشوكاني” لبرنارد هيكل أستاذ الدراسات الشرقية في جامعة برنستون، محاولة لكتابة تاريخ الشوكاني بعيدًا عن كل هذه التوظيفات، من أجل الوقوف على السياقات التي تشكل فيها إصلاح الشوكاني، وإبراز خصوصية تجربته النابعة من تفاعل خطابه مع هذه السياقات.

لذا؛ فإننا في هذا الكتاب المؤرخ لحركة إصلاح الشوكاني، سنجد أنفسنا في الوقت ذاته أمام تأريخ سياسي واقتصادي لليمن، يتسع ويمتد ليشمل على الأقل نصف صفحات الكتاب الذي يبلغ أكثر من أربعمئة صفحة، والموضوع في سبعة فصول؛ ففقط عبر الوعي بهذا التاريخ وتطوراته يمكننا موضعة النشأة البطيئة لحركة أهل الحديث، تلك الحركة التي يعد الشوكاني إحدى قممها إن لم يكن القمة السامقة تمامًا لتطورها.

“الاجتهاد” هذا الخطأ الكاشف

الإشكال عند هيكل في ضم إصلاح الشوكاني مع غيره من التجارب خارج اليمن، ليس في تضييع خصوصية إصلاح شيخ الإسلام اليمني فحسب؛ ولكن أيضًا بسبب ما يصنعه هذا التعميم من تمييع تام لمفهوم الإصلاح؛ فمفهوم كهذا حين يذكر -وحتى لا نقول إنه لا يجد في ذهننا تحديدًا واضحًا- يستدعي للذهن عددًا من الأفكار التي حُمّل بها، والناتجة من ارتباطه بصدمة الحداثة وتشخيص الواقع كتأخر، لكن ليس مفهوم الإصلاح وحده هو الذي خضع لهذا التمييع والامتلاء بحمولات محددة تحجب عن الذهن مقاربة دقيقة لحالات إصلاح مختلفة بحيث تستعصي على التعميم؛ فمفهوم الاجتهاد هو الآخر قد خضع للأمر ذاته، حتى إن استدعاء المفهوم بحمولاته في حالة الشوكاني يسبب قدرًا كبيرًا من التعتيم على خصوصية اجتهاد الشوكاني ومعناه، والأهم على معنى معارضته من قبل علماء الزيدية، فبينما هذا المفهوم والذي ارتبط في ذهننا بالتحرر والعقلانية في مواجهة الجمود والانحطاط والتعصب، يجعلنا فورًا ندين علماء الزيدية الذي واجهوا الشوكاني ووقفوا ضد محاولاته في تأسيس قواعد خاصة للاجتهاد؛ فإن فهمًا لطبيعة الخلاف وسياقه وموضعه يدعو لتغير كبير في الرأي، فوفقًا لجاكسون وفضل واللذين يحيل هيكل على تحديدهما للاجتهاد والتقليد باعتباره متعلقًا في الأصل بمشكلة القضاء، يعتبر تجديد الشوكاني ذا خطورة غير هينة في زلزلة قواعد نظام التقاضي المسيّر للمجتمع اليمني، خصوصًا مع الغموض الذي يستقبل به زيدي فكرة الاجتهاد الشخصي للشوكاني، والذي سيموضعه فورًا في محاولة الاستيلاء على مواقع الأئمة المتبعين في آرائهم غير القابلة للخلاف، كذلك فإن تعدد الأئمة في التراث الزيدي كان سيسمح بوجود عدد من الآراء التي فندها الشوكاني وأحل محلها رأيًا واحدًا، فهذه المراجعة لمفهوم الاجتهاد كافية لتغيير نظرتنا لموقف فقهاء الزيدية تجاه إصلاح الشوكاني؛ فهي تحتم علينا على الأقل رفع الإدانة الفورية الآلية النابعة من حمولة كلمة الاجتهاد، تفيدنا هنا أيضًا الملاحظة الشهيرة لوائل حلاق في مسألة غلق باب الاجتهاد؛ حيث إن رؤيته عن كون غلق هذا الباب لم يكن تعصبًا بل كان إقرارًا لقواعد تقاضٍ مستقلة تمامًا عن الشيوخ؛ مما يعني إغلاق الباب أمام محاولة الساسة استمالة القضاء أو التعامل معه بذرائعية، يعمل أيضًا على رفع الإدانة المبدئية المتسرعة لوقوف فقهاء الزيدية ضد فتح هذا الباب خوفًا من تلاعب الساسة بالقضاء، في الحقيقة قد قام بالفعل أئمة “حكام” اليمن بهذا بعد تزلزل مبادئ القضاء الراسخة؛ فقد تلاعب هؤلاء الأئمة بآراء القضاة، ففي أثناء أزمة تفشي فكرة ظهور المسيح بين اليهود وما أسفرت عنه من مشاكل وما استدعت من استجابات مختلفة تتماشى مع تشابك المصالح مع اليهود وعدم حسم القرار بين طردهم والإبقاء عليهم، وفر تعارض القضاة من أهل الحديث والهادوية على رأي الشرع في هذا مرونة سياسة كانت مطلوبة لعدم الخسارة الاقتصادية.

مبادئ إصلاح الشوكاني والسياسة في اليمن

لو عددنا تلك المبادئ التي قام عليها إصلاح الشوكاني، فإننا سنجدها مفصلة تمامًا على مقاس المذهب الزيدي جملة وتفصيلًا؛ فإصلاح الشوكاني يقوم بالذات في مواجهة الهادوية، كما إننا سنجدها متماشية تمامًا مع التطور السياسي الذي تم في سياسة اليمن ونظام حكمها، فلم يكن ممكنًا إصلاح هذا النفوذ دون هذا “الظرف المحيط أو الوضع العام” الذي تحدث عنه برودويل.

يقوم الإصلاح عند الشوكاني على الدعوة إلى العودة للمصادر الأصلية للشريعة، وهي عنده القرآن والسنة فحسب، وكذلك على قراءة هذه المصادر قراءة حرفية تشبه إلى حد كبير القراءة الظاهرية، بهذا يرفض الشوكاني الإجماع وكذلك القياس كمصدر للتشريع، كما يرفع تمامًا من منزلة المجاميع السنية الكبرى كصحيحي البخاري ومسلم في الاستدلال، وحيث إن كثيرًا من الشعائر الهادوية كبعض جمل الأذان: “حي على خير العمل” مثلًا، يستند فيها الهادوية إلى الإجماع فحسب، فإن رفض الإجماع لا يعد رفضًا فقط لمعيار معرفي أو إعادة صياغة نظرية لعلم أصول الفقه؛ بل يعد ضربًا  للمذهب الهادوي في الصميم، في جزء من شعائره اليومية نفسها، أما الحديث عن حجية البخاري ومسلم وبالتالي الإمهار بالذهب لسلاسل أسانديهم، فقد كان يعني الإقرار بالعدالة التامة لرؤوس هذه السلاسل أي الصحابة، مما يعني دخول الشوكاني في خلاف آخر في عمق المذهب الزيدي؛ حيث إن عدالة الصحابة جميعهم لم تكن بحال موضع اتفاق من أئمة المذهب الزيدي، بل إنه قد عرف عن الهادي نفسه أنه كان يحكم بأن أبا بكر و عمر كانا يستحقان الإعدام، فضلًا عن مركزية قضية “فدك” عند بعضهم؛ بل والأسبق من كل هذا الاختلاف الكبير مع السنة في تحديد مصطلح الصحابي نفسه، وربما كانت هذه من أصعب المشكلات التي واجهها الشوكاني في ترسيخ قواعده الجديدة للاجتهاد المتأسسة على السنة في مواجهة عصمة الأئمة، وكان عليه محاولة إثبات أحقية مقولته بعدالة الصحابة جميعهم على رأي أئمة زيديين، ومن تلك الأدلة على صعوبة هذه المشكلة بالذات وكذا حيويتها وأهميتها للشوكاني أنه لجأ في إثباتها للإجماع الذي يرفضه ويعيبه على الزيدية، ولم يكن لهذا الإجماع المتخيل والمراد تحصيله بالاستحواذ على رأسمال الزيدية الرمزي نفسه أن يتم دون ممارسة عنف على تراث هؤلاء الأئمة بالنفي والسكوت عن مقولات بعضهم في الصحابة وتصوير الزيدية الصحيحة على أنها تلك التي لا تسب ولا تعلن أحدًا من الصحابة وتأمر بالترضي على الجميع.

كان على الشوكاني أيضًا من أجل أن يصوغ الاجتهاد لا التقليد كمبدأ أساس قي قواعده، أن يدين مبدأ عصمة الأئمة، وأن يعبتر أن للجميع متى حصل الشروط اللازمة أن يجتهد مباشرة من النصوص، ومن أجل أن يعطي الشوكاني -هذا الطَموح لنشر قواعده في أبعد أفق والذي صاحب لهذا أئمة الهادوية في حروبهم لإخضاع قبائل الجنوب الشافعية- لهذه الرغبة النظرية دفعة عملية كان عليه أن يحدد فورًا برنامجًا شاملًا لإعداد المجتهدين، وهو ما قام به بالفعل في “أدب الطلب ومنتهى الأرب”.

كان لتلك القضايا التي تمثل مبادئ لإصلاح الشوكاني مهمة أن تؤسس بيدٍ لقواعده الجديدة، وبالأخرى تهدم قواعد الاجتهاد القديمة.

ثمة موقعة أخرى كان على الشوكاني أن يخوضها من أجل تأسيس قواعده في الإصلاح والتجديد، وهي شديدة الأهمية بحيث أن وجود ما يسمى التجديد نفسه كان يفترض حسمها، فكما يلاحظ هيكل بذكاء، كان تجديد الشوكاني نفسه محالًا في وضع زيدي مثالي؛ فالمثال الذي يتصوره الزيديون عن حكامهم، والذي تحقق بالفعل في ظل حكم القاسميين الأوائل إلى ما قبل القرن الثامن عشر، هو كونهم فرسان سيف وقلم، كونهم مجتهدين وكون آرائهم مصدرًا للتشريع؛ لذا فإن تجديد الفقيه كان يفترض غياب المجتهد الأساسي، أي الحكام، فقد كان لابد لفصيلة المجتهدين من الأئمة أن تذوي حتى تبرز الحاجة لفقهاء، وكان لابد لهؤلاء الأئمة أن تنقص منهم كثير من شروط تولي الإمام في التراث الزيدي حتى تصبح هناك حاجة لفقهاء يجددون خصوصًا بفقه سني، لا يرى مشكلًا في تفويت شروط الإمام، بل و يؤمن بضرورة الطاعة للإمام وعدم الخروج عليه، واعتبار وجود الإمام لازمًا وإلا شاعت الفوضى، هذا على غير ما كان من تشدد هادوي في قضية الإمامة، كان يدفع لفترات ليس فيها إمام حيث لم تتوافر في أحد الشروط – وهي أربعة عشر شرطًا، لكن الاعتراف بها لم يكن في ذاته عاملًا في تثبيت الإمامة بل لابد أن يصبح القائم إمامًا بوعيه الشخصي بإمامته؛ لعدم مبايعة إمام و الاكتفاء بمحتسبين.

كان الانتقال من مرحلة الحكم الكاريزمي لأئمة من آل البيت يحاربون ويجتهدون و يؤلفون “دعوة”، والانتقال لبيروقراطية “دولة”، وهو ما يعني الفصل بين السلطة والحقيقة، أن يفسح المجال لإصلاح سني بالإساس، وإذا كان ما يعني أئمة هذا الوقت شرعنة أوضاعهم فحسب؛ فإن ما كان يعني الشوكاني ورفاقه هو نشر مذهب يرونه أقرب للصواب ولمراد الله. كانت المياه تجري في القناة نفسها؛ فالفقيه يشرعن وضع الحاكم الذي تسمى سلطانًا بعد أن كان إمامًا، والحاكم يعلي من وضع الفقيه ويميل إليه في مواجهة خصومه العقديين، مثل ما حدث في وقائع الشغب في صنعاء 1796 و1802 -التي يهددون هنا بزعزة الحكم كله كما فعل البعض بإعلان إمامات منفصلة بسبب فساد الأئمة- و يسهل له مهمة نشر آرائه.

حرفية النص بين الشوكاني و تجارب إصلاح أخرى

ثمة أفكار تمثل حجر أساس في دعوة الشوكاني الإصلاحية، تغري بربط تجربته بتجارب الإصلاح الأخرى خارج اليمن، حتى مع كامل التنبه لخصوصية هذه التجارب وخصوصية تشكل هذه المبادئ المشتركة نفسها في كل تجربة، بعيدًا عن أفكار مثل التقريب بين السنة والشيعة ومثل المواطنة والمساواة وهي أفكار ربما لم تخطر في بال الشوكاني الذي كان من حيث المواطنة شديد الصرامة تجاه بقاء اليهود داخل اليمن، ومن حيث المساواة ضمّن خطته التعليمية إقصاء فصيلة أفلاطونية للحرفيين كالجزارين وغيرهم من مدينة العلم الذي يقف هو على بابها، حيث استعداداتهم لا تؤهلهم للعلم، فإن فكرة الاقتصار على النصوص والأخذ بحرفيتها وكما تعد عنده ركنًا ركينًا في دعوته الإصلاحية، فقد كانت كذلك حجرًا رئيسًا عند غير الشوكاني من المصلحين أيضًا، نذكر مثلًا الكواكبي واهتمامه بالحنابلة وتفضيله للحنبلية على الشافعية في كتابه “أم القرى”؛ بل إننا نجد دعوات لإسقاط الفقه كله كتلك التي أطلقها الزهراوي بصوت أعلى كثيرًا من صوت الكواكبي المقتصر على العودة للنص وتلخيص كتب الفقه وتبسيطها، لكن وكما ذكرنا علينا تبين خصوصية كل تجربة من هذه التجارب، وهذه الخصوصية تتجلى في الدافع الذي حرك الشوكاني من جهة والكواكبي وغيره من جهة أخرى في طريق تأسيس مبدأ العودة للنص وجعله ركنًا أصيلًا في دعواتهم؛ فالذي يدفع الشوكاني لهذه الدعوة للعودة للأصول، هو الرغبة في التخلص من سلطة الآراء الفقهية للهادوية التي تخايل بعصمتها -و ربما تعمل عبر مثال الحاكم الزيدي على زعزعة الوضع السياسي كما ذكرنا-، كذلك من أجل التخلص من كل تكليف يُفرض على المسلمين ولم يأمر الله به، و لعل هذا يبدو في المثال الذي أورده هيكل عن رفض الشوكاني القياس “قياس الربا كمثال”، حيث هذا القياس سيمد حدود النصوص إلى ما لم يتكلم عنه صراحة ويخاطر بتكليف المسلمين بأمر لم يأمر به الله، وهو ما يعارض مبدأ فقهيًا أصيلًا يرى الإباحة أصلًا ما لم يرد التحريم، أما الكواكبي وغيره ممن تشكلت تجاربهم الإصلاحية تحت ضغط اتهامات الاستشراق بأن الإسلام علة الانحطاط، فانبنت أفكارهم ضمن إطار مشاغل النهضة وتحت ضغط سؤالها الأساس “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم”، فقد كانت دوافعهم منطلقة من هذا السياق المختلف بالتحديد، فكان في العودة للأصل نفي كون الإسلام علة للانحطاط، حيث انحطاط المسلمين راجع لما تم تزويده على النص حتى انحرف به عن مساره، من هنا نفهم تعليق الكواكبي بأن الشافعية يتساهلون في الترخيص بأمور لا يقبلها الحنبلية، فهذا الترخيص يدفع في رأي الكواكبي للابتعاد عن النص وروحه ويزيد على الدين خزعبلات ليست منه، بالإضافة لهذا فقصر الشرع على النصوص الأولى بكل حرفية وصرامة دون النصوص الثانوية أو دون توسيع حدود النصوص الأولى “القرآن” و”السنة” يفسح مكانًا لمساحة يقتصر فيها العقل وحده بالتشريع دون عودة للنص، فلو استعرنا من كانط بتعديل كبير فإن محاولة الكواكبي ممكن التعبير عنها بكونها تضييقًا للنص كي يفسح مكانًا للعقل، وهذه الدعوة الكواكبية تتجلى بقوة مع الجابري مثلًا بعد هذا، حيث يستعير ابن حزم الظاهري كي يفسح مكانًا لعلوم لا نعقلها بالضرورة عن الله، فاستدعاء الظاهرية ورفض القياس وحرفية النص غرضها صيانة العقل من الاستقالة، لعل هذا المثال يوضح الفرق بين تجربة الشوكاني وغيره رغم وجود أفكار تغري بتعميم سريع يتجاهل خصوصية كل تجربة، فلم يكن من ضمن خطط الشوكاني إعلاء قيمة العقل كما التنوير الأوروبي؛ بل هذا تم في تجارب أخرى انبنت بالاستناد لهذا النموذج العقلاني الإنسانوي للتنوير الأوروبي، مما يجعل نقد هيكل لأطروحة شولتز عن تنوير داخلي ولاهوت إنساني في إسلام القرن الثامن عشر نقدًا في محله؛ حيث يقع شولتز في التعميم والإسقاط.

العملة النقدية وصورة الشوكاني

في تقنية طريفة جدًا ولافتة يقوم هيكل بتتبع التحول الذي جرى في السياسة اليمنية بين القرن السابع عشر والقرن التاسع عشر، عن طريق تتبع المسكوك على العملات؛ فبينما في القرن السابع عشر يكشف الكلام المكتوب على العملة عن اكتساب الشرعية من الإمام علي، فإن المكتوب على عملة القرن الثامن عشر يكشف عن تأثيرات عثمانية، حيث تدب السلطنة في قلب الإمامة، هذا التحول الذي يراه هيكل كما قلنا من أهم محددات تشكل وبروز ونفوذ إصلاح الشوكاني السني، ورغم طرافة التقنية التي اتبعها هيكل؛ إلا أنها فقط تعضد ما أثبته هيكل من قبل وبطرق أكثر كلاسيكية عن التحول السياسي في اليمن من الكاريزمية للحكم عبر البيروقراطية، أي إنها فقط تقنية مساعدة، على عكس ما يلجأ إليه القارئ من تقنية البازل في محاولة تكوّن صورة الشوكاني؛ فالقارئ الراغب في تكوين صورة عن شخصية الشوكاني لن يستطيع هنا سوى تجميع ملحوظة من فصل ما عن غنى الشوكاني وبدانته مع ملحوظة من فصل آخر عن احتمال ضلوعه في إعدام السماوي، ليضعها جنبًا إلى جنب مع اعتداد بالنفس يظهر في تلميحه لذاته كمجدد القرن، لكن بعد هذا التجميع لصور البازل -هذا لو استطاع القارئ تجميعها في صورة مفيدة-، فإنه سيعود ليحتار أين هذه الصورة من الحديث عن رجل قوي استطاع التأثير وصياغة الخطط من أجل إحلال تلامذته في مناصب تكرس ما دعا إليه من إصلاح لأجيال مقبلة؟ صحيح أن الكتاب عن تراث الشوكاني لا عن شخصية الشوكاني، لكن رغم هذا فإن صورة معقولة وأكثر تماسكًا عن الشوكاني كانت قادرة على أن تكشف لنا عن الارتباط بين نفوذ واستمرار تراث هذا العالم وبين ملامح شخصيته، أو ربما كانت قادرة على أن تضيف لتاريخ العلماء والمفكرين مفارقة أخرى!