سجال ديني-علماني لا يشرّف تونس وثورات الكرامة العربية

رنا الصباغ- العرب اليوم

[caption id="attachment_736" align="alignleft" width="100" caption="رنا الصباغ"][/caption]

وصل السجال الاسلامي - العلماني الذي يجتاح تونس منذ خلع الرئيس بن علي ذروته هذا الاسبوع بعد اعتداء مجموعة ملتحين- يعتقد أنهم من حزب التحرير الممنوع- على محامين أثناء احتجاج للمطالبة بإطلاق سراح عناصر منهم اعتقلوا عقب الاعتداء على مثقفين ومتفرجين بقاعة سينما قبل بدء عرض فيلم للمخرجة الاشكالية نادية الفاني بعنوان "لا ربي ولا سيدي".

ذلك الاحتجاج ضد مخرجة تمثل منذ أعوام مشكلة حقيقية للتيارات الاسلامية في تونس والشتات بما يصدر عنها من مواقف يرون فيها استفزازا متعمدا للدين الحنيف ولمشاعر المسلمين انتقلت بسرعة البرق من وسط قلب العاصمة إلى العالم الافتراضي عبر صفحات الفيس بوك على شكل شتائم واتهامات أشد خطورة أحيانا من العنف اللفظي. فاضطرت الفاني إلى تبديل اسم فيلمها ب¯ "لائكية أنشاء الله" (كلمة معربة من الفرنسي تعني العلمانية) لتنفيس أجواء الاحتقان.

لكن المعارك الالكترونية ما انفكت تتخذ طابعا تأزيميا حالها حال مظاهر مألوفة في مصر بعد الثورة وغيرها من الدول العربية التي شهدت احتجاجات تطالب بالديمقراطية, مثل المواجهات التي دارت في الزرقاء قبل شهرين بين سلفيين تكفيريين وموالين للنظام. هذه الممارسات تشكل تحديا حقيقيا لمستقبل التحول صوب الديمقراطية بعد عقود على ترويج الانظمة العربية لبعبع الاسلاميين, وبالتالي وضع شعوبها والغرب بين المحافظة على أمر واقع استبدادي في مواجهة خطر الاسلام السياسي الصاعد.

الاسلاميون في تونس يرددون شعاراتهم التقليدية مثل مواجهة الماسونية, التطبيع والتمسك بتونس دولة "عربية إسلامية". ويعتبرون الفيلم والحضور ومن يتعاطف معهم من مثقفي اليسار المناهض للتيار الديني جزءا من الهجمة الالحادية المنظمة على بلادهم". في المقابل يشن أنصار المخرجة ومنظمو التظاهرة حملة على ما يرونه استفحال ظاهرة الارهاب الفكري والتخلف الذهني, ليس ضد حزب التحرير فحسب وإنما ضد التيار الديني العريض بما فيه حزب النهضة واسع النفوذ والاكثر تنظيما, وقد بات يهدد سائر الاحزاب التي تعايشت مع النظام السابق أو ترخصت أخيرا. (حزب النهضة دان الاعتداء الاخير وأعاد التأكيد أنه يقف ضد العنف مهما كان مصدره, لكنه قال أيضا أنه ضد الاستفزاز).

موجة الاعتداءات المتلاحقة المتزامنة مع انطلاق مهرجانات ثقافية اشتهرت بها تونس أثارت ردود فعل متباينة بين النخب, رجل الشارع, شباب التغيير والمجتمع المدني والاحزاب. الغالبية دانت أسلوب اللجوء إلى العنف ضد أصحاب الرأي الاخر, وسط ضعف الامن خلال الفترة الانتقالية, وطالبت الحكومة المؤقتة بالتصدي لهذه الجماعات ومحاسبتها.

في الخندق الاخر, علت أصوات تصر على ضرورة احترام التنوع وثوابت المجتمع التونسي, لكنها انتقدت اختيار الفاني عرض فيلم يحمل عنوانا استفزازيا في هذا الظرف الاستثنائي الذي تمر به البلاد من اضطراب وشد قبيل استحقاق انتخابات المجلس التأسيسي بعد ثلاثة شهور. ففي هذه الفترة المتأججة يشتد الصراع بين حزب النهضة وأحزاب إسلامية أخرى ترخصت حديثا يعد قمعها لعقود مقابل الاحزاب الحداثية, العلمانية, الديمقراطية, اليسارية والتقليدية. الكل يحاول ركوب قطار المزايدات قبل الانتخابات.

وهناك تداخل في المواقف, فالمفكر اليساري المعارض للنظام السابق توفيق بن بريك فجّر لغما في وجه العلمانيين عندما اعتبر فيلم الفاني "دعارة أيديولوجية". لكن غالبية مكونات المجتمع التونسي أجمعوا على أن "أساليب (الاحتجاج) المتخلفة" التي تشبه محاكمات تفتيش العصور الوسطى تشكّل تهديدا للمسار السياسي وضربة لعملية بناء الديمقراطية بعد ثورة أنهت سنوات من الكبت على يدي "نظام فاسد مستبد" في بلد متسامح نجح إلى حد كبير في فصل الدين عن الدولة واحترام التنوع.

أجواء الاعتداءات الجسدية واللفظية لا تختلف كثيرا عن ممارسات العهد السابق في لجم مبدعين ومثقفين عن نحت هوية بلادهم وإبداع حاضرهم ومستقبلهم ومنعهم من رفع سقف حرية الرأي والمعتقد والتعبير.

فبينما كانت قاعة سينما "آفريك أرت" على بعد أمتار من وزارة الداخلية تستعد لاحتضان تظاهرة "نحي يدك عن مبدعينا" اقتحمها عشرات الملتحين واعتدوا بالضرب والشتم على الحاضرين ورشوهم بالغاز المسيل للدموع, مواصلين مسلسل احتلال عدد من الفضاءات الثقافية والاعتداء على عدد من الشعراء والكتاب والمبدعين السينمائيين والمسرحيين الموسيقيين.

ظهر العلم الاسود المميز لحزب التحرير مكتوب عليه الشهادة بالابيض, وطالب رافعوه الجمهور بعدم مشاهدة الفيلم مرددين شعارات مثل "يا كفار... يا خماج" و "خيبر خيبر يا يهود جيش محمد سوف يعود". جرى ذلك أمام أعين قوات الامن قبل ان تتدخل لوقف الهجوم وتعتقل بعضهم.

الفيلم الذي اعتبروه يشجع على "الكفر والالحاد" كان جزءا من تظاهرة ثقافية نظمتها جمعية "لم الشمل" بالاشتراك مع المعهد العربي لحقوق الانسان. وكان مجرد فقرة ضمن فقرات من بينها فيلم آخر بعنوان "في انتظار ابو زيد" للمخرج محمد على الاتاسي ومحطات غنائية فضلا عن شهادات مبدعين تعرضوا منذ ثورة "يناير 2011" إلى جملة اعتداءات بسبب آرائهم على يدي "متطرفين". ومن هؤلاء المخرج نوري بو زيد, نادية الفاني التي وصموها بأنها "كافرة وملحدة", والممثلة سوسن معالج والشاعر منصف الوهابي ومحمد الصغير أولاد احمد والفنانة أمال الحمروني.

ورغم حالة الفزع التي أحدثتها غالبية "الملتحين" داخل وخارج المسرح تمسك الجمهور بمتابعة التظاهرة ومشاهدة الفيلم الثاني للمخرجة الفاني والتصفيق له بلا انقطاع.

الفيلم, بحسب معلقين سينمائيين محليين, هو رحلة في ثقافة التونسي وعلاقته بالدين الاسلامي وكيف ينظر إليه? هل يمارس شعائره? ما حكمه على غير المتدينين والمسيحيين وغيرهم من اتباع الديانات الاخرى كالبوذية? وكيف ينظر إلى العلمانية? هل هي إلحاد أم فكر بفصل الدين عن الدولة? فالفاني, تؤكد احترامها للدين, والاسلام والمسلمين وسائر الديانات والمعتقدات رغم أن والدها شيوعي ووالدتها أجنبية مسيحية. تطرح هذه الفنانة جملة أسئلة دون أن تجيب عليها. تتساءل مثلا في مشاهد صورت خلال شهر رمضان الماضي عن أسباب غلق المقاهي خلال هذه الشهر الفضيل وعما إذا كان هناك قانون يبرر ذلك تاركة الاجابة للمواطنين الذين يكشفون عن جهل كبير بالقانون وعدم المقدرة على التمييز بين أحكام الشريعة والقانون. تدعو أيضا في الفيلم إلى التسامح واحترام آراء الاخرين ومعتقداتهم- وهذا يظل في نظر الفاني من أهم ميزات تونس وصفات التونسيين. وتتساءل المخرجة في احد المشاهد: ألم تكن تونس جامعة لكل الاديان والجنسيات بين مسلمين ومسيحيين ويهود وعرب وفرنسيين وايطاليين ومالطيين ويونانيين?

ما حصل في تونس خلال الايام الماضية يتماهى مع حوادث تتكرر في مصر, وبصور أقل حديّة في دول عربية أخرى تتعامل مع مطالب تغيير أو إصلاح الانظمة الحاكمة. فهل سيكون الصراع القادم بين ما تسمّى بالقوى العلمانية والحداثية وبين التيارات الاسلامية بما فيها المعتدلة والتكفيرية والتحريرية التي ما تزال على الهامش?

شرارات الاحتقان المذهبي والايديولوجي التي تقدح بين الحين والاخر في عالمنا العربي تشكل خطرا محدقا أمام الاقليم المتغير حاضرا ومستقبلا. وتتحمل مسؤولية تداعياته الهدامة جميع الاطراف المتنازعة التي تستفز بعضها وتفجر ردود فعل غير مقبولة في القرن الحادي والعشرين.

يجب أن تقر بعدم احتكار الحقيقة, فالاعتراف بالاخر هي الحقيقة الوحيدة التي تجمع الناس على تنوع مذاهبهم, وأيديولوجياتهم ودياناتهم. الدين علاقة تواصل بين المواطن وخالقه والوطن للجميع. المرحلة الدقيقة والحساسة التي تمر بها المنطقة بعد سنوات من حكم أنظمة الاستبداد والقمع الناعم والخشن تتطلب من الجميع التخلي عن التشبّث بالفكر الواحد ورفض الرأي الاخر وادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة مقابل رص الصفوف لبناء مجتمعات حرة وتعددية بعيدة عن الموافق الاستبدادية أو الاقصائية.0