كيف باتت تونس الوسطيّة المُعتدلة مصنعاً للانتحاريين؟

Tunisia Attack

رشيد خشانة

الحياة اللندنية

30-6-2015

مع توالي العمليات الإرهابية، وآخرها الاعتداء الذي استهدف عشرات السياح في فندقين بمدينة سوسة، تبدو تونس مفرّخة للانتحاريين الذين صاروا يتنافسون، في الداخل كما في سورية والعراق وليبيا، على إحداث أكبر عدد من الخسائر البشرية في عملياتهم. في السنة الماضية حاول انتحاري تفجير نفسه في أحد الفنادق في سوسة، فلقي حتفه من دون أن يُصاب أحد بأذى. أما في العملية الأخيرة فتصرّف القتلة الثلاثة بكامل الاحترافية لإيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا.

أين «يُصنّع» هؤلاء الانتحاريون؟ سؤال تردد مراراً قبل سوسة، خصوصاً في أعقاب تداول أسماء تونسيين «برزوا» بصفتهم يحتلون مواقع قيادية في جماعات مثل «تنظيم الدولة» و «أنصار الشريعة».

ففي الفترة الأخيرة قضى طيران التحالف على قيادي بارز في تنظيم «داعش» هو التونسي علي الحرزي. وأتى مقتل الحرزي في غارة على الموصل بعد أقل من عشرة أيام على مقتل مُواطنه أبو سياف وزير النفط والتهريب في التنظيم. واستفاد هؤلاء من غياب الدولة في ليبيا المجاورة ليتلقوا التدريبات لدي ميليشياتها قبل الانتقال إلى سورية والعراق. لكن الظاهر أنهم لا يستخدمون ليبيا معبراً إلى هذين البلدين فحسب، إنما هم يُقاتلون أيضاً في صفوف تنظيماتها، إذ يُقدّر عددهم هناك وفق مسؤولين أمنيين بحوالى ثلاثة آلاف مقاتل، بينهم سيف الله بن حسين أمير «أنصار الشريعة» الموالي لـ «القاعدة». وعلى سبيله كان علي الحرزي مُشاركاً في عمليات على الأراضي الليبية قبل الانتقال إلى سورية، إذ يتّهمه الأميركيون بالضلوع في الهجوم على قنصليتهم في بنغازي، ما أدى إلى مقتل السفير كريستوفر ستيفنز في 2012. وفي آذار (مارس) الماضي وزّع تنظيم «داعش» شريطاً مُصوّراً لشاب تونسي قُدِّم على أنه «أبو طلحة التونسي»، كان يتلو وصيته قبل تنفيذ عملية انتحارية على معسكر لقوات الجنرال خليفة حفتر في منطقة بنغازي. واللافت أن الانتحاري لم ينس قبل أن يُفجّر سيارته في الجنود الليبيين أن يتوعد أبناء بلده بالذبح، ويُبشرهم بالمُفخّخات التي ستنفجر من بنزرت شمالاً إلى برج الخضراء جنوباً. وكان ذلك قبل أسابيع من «غزوة» سوسة.

لكن الظاهرة اللافتة أكثر هي ارتفاع نسبة التونسيين في صفوف التنظيمات التكفيرية، إذ يُقدر مسؤولون أمنيون تونسيون عدد الذين قضوا منهم في سورية بحوالى 600 عنصر، فيما عاد قرابة 3000 إلى بلدهم، وما زال نحو 500 يُقاتلون هناك إلى اليوم. وتُروى قصص كثيرة عن شراسة هؤلاء الجهاديين التونسيين وقسوتهم على السكان المحليين في المناطق السورية التي يسيطرون عليها، ما حمل كثيرين على التساؤل: من أين أتى كل هؤلاء الانتحاريين؟ ومن أين جاؤوا بهذا التشدد وقد تربوا في مجتمع وسطي ومنفتح؟

 

الماضي الأفغاني

الحقيقة أن انخراط تونسيين في التنظيمات المسلحة ليس جديداً، إذ كان زعيم تنظيم «أنصار الشريعة» والمطلوب الأول للقضاء اليوم سيف الله بن حسين، الملقب بأبو عياض، يُدير معسكراً لتدريب المغاربيين في أفغانستان قبل الاجتياح الأميركي لهذا البلد في 2001. كما أن الذي اغتال الجنرال أحمد شاه مسعود القائد العسكري للقوات المناهضة لـ «طالبان»، كان انتحاريين تونسيين تم تجنيدهما في بلجيكا، وانتحلا هوية صحافيين للالتقاء به. وبحكم القبضة الحديد التي كان الرئيس السابق زين العابدين بن علي يُدير بها البلد لم تفلح التنظيمات المتشددة في زرع خلاياها في الداخل، إلا في السنوات العشر الأخيرة وبأعداد محدودة.

لذا، كان المتشبّعون بالفكر الجهادي يُفضلون الالتحاق بالبؤر الساخنة في العراق (بعد 2003) عبر الجزائر أو ليبيا، على التفكير في تنفيذ عمليات في بلدهم. وأهم عملية سُجّلت في تونس قبل الثورة تمثلت بالمواجهة بين الجيش وعناصر تنظيم «جند أسد بن الفرات» (قائد الفتح العربي لصقلية)، إثر انكشاف معسكر للتدريب في الجبل القريب من مدينة سليمان (30 كيلومتراً جنوب العاصمة تونس) في أواخر 2006. وكان يُدير المعسكر أسعد ساسي الذي تدرب لدى «الجماعة الاسلامية للدعوة والقتال» في الجزائر، قبل تغيير اسمها إلى «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي». وقد تسلّل إلى تونس مع مقاتلين تونسيين بقصد تنفيذ عمليات فيها. وفيما قضى ساسي مع من قضوا في المعركة، اعتقل الناجون ثم غادروا السجن بعد الثورة، لكن، لم يلبث بعضهم أن حمل السلاح مجدداً على الجيش التونسي.

تنامت الجماعات المتشدّدة في السنوات الخمس الأخيرة من حُكم بن علي واستقطبت أعداداً متزايدة من الشباب اليافع. ولئن تعذّر إحصاؤهم فإن الترجيحات كانت تقدّر أعدادهم بنحو ثلاثة آلاف، بينهم ألف في السجون وفق محامين. واعتمدت التنظيمات في استقطابها الشباب على حلقتين أساسيتين هما المسجد للإعداد الروحي والمعنوي، بخاصة بين صلاتَيْ الفجر والصبح حيث تغفو عيون الشرطة، والسجن لاستقطاب سجناء الحق العام بعد إقناعهم بالتوبة، وأخيراً تسفيرهم إلى «ساحة الجهاد» في العراق، لأن تونس لم تكن مُصنفة «ساحة جهاد» آنذاك.

غير أن القفزة التي حققتها الجماعات، خصوصاً «أنصار الشريعة» و «كتيبة عقبة بن نافع» التي بايعت تنظيم «داعش» بعدما كانت مرتبطة بتنظيم «القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي»، أتت بفضل مرسوم العفو العام الذي سنته حكومة الغنوشي بعد إطاحة بن علي (2011)، والذي أفرغت بموجبه السجون من الجهاديين وجميع أصناف الأصوليين المتشددين. لم يُميز قرار العفو بين سجناء الرأي ودُعاة العنف، فراح أعضاء التنظيمات يُعيدون تنظيم الصفوف ويستقطبون مئات الشباب بلا سُلطة أو رقيب، وسط شلل المؤسسة الأمنية التي عصفت بها الثورة وأبعدت قياداتها عن مواقعهم. أكثر من ذلك ضَرَبَ إلغاء جهاز أمن الدولة مناعة المجتمع في وجه رياح الإرهاب والعنف، وإن استحسنت الأكثرية حلّه بسبب ماضيه الطويل في قمع الأصوات المخالفة. ولم تمض شهور على إطلاق دُعاة العنف من السجون وحل أمن الدولة حتى أبرز تنظيم «أنصار الشريعة»، المُوالي لـ «القاعدة»، عضلاته باستعراض استفزازي في مدينة القيروان ضم ما بين 5000 و6000 عنصر موحّدي اللباس الأسود وجاهزين للقتال. بهذا المعنى شكّل ذلك التنظيم الخزان الذي زود الجبهات الخارجية في سورية والعراق بالمقاتلين، وهو الذي خطط عناصرُه ونفذوا العمليات الإرهابية التي ضربت تونس في السنوات الأخيرة، ومنها اغتيال القياديَّين المُعارضين شكري بلعيد ومحمد البراهمي.

 

احتلال المساجد

وبإضافة إلى إخلاء سبيل الجهاديين من السجون وشلل الأجهزة الأمنية، ثمة عنصر ثالث قد يكون أكثر أهمية في النمو السريع لظاهرة الانتحاريين ويتمثل في سيطرة السلفيين المتشددين على ما لا يقل عن 500 مسجد، بمحاباة من حكومة «الترويكا». وبين 2011 و2014 استطاع غُلاة الأصوليين عزل الأئمة المُعينين من وزارة الشؤون الدينية بالقوة وتنصيب «أئمة» همّهُم الأساسي الشحن الأيديولوجي للشباب، إذ ساد طيلة تلك الفترة خطاب إقصائي وعنيف، ما جعل كثيراً من الناس يهجُرون المسجد. هكذا باتت المساجد، بما فيها المخازن والفضاءات الخاصة التي حُولت إلى مساجد، مصانع لمئات من الانتحاريين. وأظهرت التحقيقات الصحافية التي بثتها في الفترة الماضية قنوات عدة أن هؤلاء تأدلجوا في مسجد الحي، حيث أخضعوا لغسيل دماغ باتت الشهادة بعده هي حُلمُهم الأول والأخير. ولوحظ أن من أولى القرارات التي اتخذتها السلطات التونسية بعد عملية سوسة غلق ثمانين مسجداً «تم إنشاؤها من دون تراخيص قانونية ويحُض خطباؤها على الإرهاب». غير أن هذا الإجراء، إذا ما كُتِب له التنفيذ فعلاً، أتى متأخراً جداً أي بعد تأهيل مئات من الانتحاريين. ووفق تصريحات مسؤولين أمنيين تونسيين، فإن عشرة آلاف عنصر من هؤلاء تم منعهم خلال العام الماضي من السفر إلى سورية والعراق وليبيا للانضمام إلى تنظيم «داعش»، من دون اتخاذ إجراءات قضائية في حقهم.

ويُعتبر المتشددون التونسيون الذين يُقاتلون اليوم في ليبيا مع «أنصار الشريعة» و «داعش» و «فجر ليبيا» مصدر الخطر الرئيسي على بلدهم، إذ ما فتئوا يعملون لإدخال كميات كبيرة من السلاح والمتفجرات إلى الجانب التونسي من الحدود، استعداداً لتنفيذ عمليات إرهابية أسوة بعملية متحف باردو في آذار الماضي وسوسة في الأيام الأخيرة. وضبط الجيش التونسي مخازن سلاح في مدن وقرى حدودية كان مُوجّهاً إلى الجماعات المسلحة المتحصّنة في جبال محافظة القصرين. ولعب المُهرّبون دوراً محورياً في نقل الأسلحة من ليبيا، إذ تعمل في المناطق الحدودية التونسية مع الجزائر وليبيا شبكات تهريب تجارية كثيرة وواسعة النفوذ. وأكد وزير الداخلية التونسي محمد ناجم الغرسلي في تصريحات أدلى بها أخيراً وجود تقاطع بين الإرهاب والتهريب على الشريط الحدودي، مُشيراً إلى أن الإرهاب «بات يتغذى من جميع الأنشطة التي يمارسها المُهربون، ومن بينها ترويج العملة المزورة والجريمة المنظمة».

وما من شك في أن تجفيف ينابيع الإرهاب باستعادة 500 مسجد من قبضة التكفيريين وتفعيل أجهزة مكافحة الإرهاب في المؤسستين العسكرية والأمنية، شكّلا خطوتين مُهمّتين لسحب البساط من تحت أقدام الجماعات الإرهابية ومحاصرة عناصرها التي تحصّنت بالجبال. غير أن الأهم هو إيجاد الخطاب المُعبئ للشباب الذي يُعاني من فراغ روحي وثقافي، خصوصاً في ظل المصاعب التي تمر بها التجربة الانتقالية على الصعيدين الاجتماعي والاقتصادي، والتي تشكل مصدر إحباط ليس للشباب فحسب، إنما لفئات المجتمع الأخرى أيضاً.