مأزق الثورات العربية ومحاولة لتشخيص الأزمة

2251

حمزة يايسين- التقرير الالكترونية

يبدو المشهد السياسي اليوم، وبعد مرور أربع سنوات من قيام الثورات العربية، مخيبًا للآمال بالنسبة لعدد كبير من الفاعلين السياسيين في العالم العربي، فقد سيطر اليأس والإحباط على هؤلاء الفاعلين، فالآمال التي كانت معقودة على ثورات الربيع العربي قد آلت إلى ضدها؛ إما بإعادة إنتاج الأنظمة المستبدة القديمة، أو بدخول البلاد حربًا داخلية غير معلومة النتائج.

وعلى الرغم من الإحباط الذي يثيره هذا الواقع، فإن مسيرة التغيير لم تتوقف بعد، فنحن ما زلنا في عنق الزجاجة، وما زال الواقع مفتوحًا على مسارات جديدة؛ فهذه هي طبيعة التغيرات الكبرى، لا نرى أثرها إلا بعد مدة طويلة من الزمن.

وإذا كانت هناك واجب أخلاقي وسياسي للفاعلين السياسيين، ولكل مهتم بواقع الأمة، فهو تعلم الدروس من الواقع، ومحاولة استدراك ما فات في اللحظات القادمة، والبحث في الأسباب الموضوعية التي جعلت الواقع يؤول إلى ما آل إليه.

ومن هذه الفكرة، سنعرض في هذا المقال كتابًا مهمًا يعرض لمجموعة الأسباب الموضوعية التي ساهمت في إبعاد الثورات عن الوصول لهدفها، وعنوان الكتاب هو ” لعنة الألفية: لماذا يفشل النشاط التغييري”، لمؤلفه الباحث، والناشط اللبناني الشاب طوني صغبيني، الحائز على ماستر في العلوم السياسية حول أزمة الطاقة، وعالم ما بعد النفط.

إن مقولة “لعنة الألفية” تعبر عن الثقافة السياسية التي تتسم بها هذه المرحلة؛ أي مجموعة الأفكار والاستراتيجيات التي تقود وترسم شكل النشاط التغييري في العديد من الحركات، والأفراد الناشطين في المشهد السياسي بعد عام 2000، وهي أفكار ضارة وخطيرة ومعتنقة من قِبل معظم الحركات والناشطين، بحيث تعطل فعاليتهم بشكل شبه تام، يطلق الباحث على الحركات التي تتبنى هذه الأفكار اسم “حركات الألفية”.

ولمعرفة مدار عمل الكتاب وغايته، يطرح الباحث سؤالاً حساسًا وحرجًا؛ بخصوص النشاطات السياسية القائمة؛ وهو: لماذا في عصر يستحوذ فيه النشاط السياسي على أكبر تغطية واهتمام إعلامي، نجد أن معظم – إن لم يكن كل – نشاطاتنا التغييرية تؤول للفشل؟

ومن هنا، وكمحاولة لمعرفة أسباب الفشل، يأتي الكتاب لتشخيص الأفكار التي تهيمن على الثقافة السياسية السائدة لدى حركات الألفية، ونقد “التكتيكات الهزيلة للنشاط السياسي” التي تعبر عن نفسها في مجموعة أفكار وأشكال؛ هي كالتالي:

– التكتيكات العقيمة للنشاط السياسي.

– محورية الإنترنت في النشاط السياسي.

– اللابنيوية أو اللاتنظيم.

– انتظار القيامة الجماهيرية والاعتماد على الحلول الفردية.

– غياب المقاربات المنهجية الكبرى في الحركة التغييرية.

– مركزية اللاعنف.

وسنفصل الآن هذه الأفكار، والأشكال كلاً على حدة.

**  **  **

1- التكتيكات العقيمة للنشاط السياسي

تتحول مجموعة من التكتيكات الاحتجاجية إلى غاية وهدف في حد ذاتها عند الحركات الألفية، بحيث تتقلص أشكال النشاط السياسي إلى ثلاثة أنواع؛ هي: تكتيك الاحتجاج، تكتيك التخريب العشوائي، تكتيك القرصنة الإلكترونية، مما يُقزم فعالية النشاط السياسي.

ويمثل الاحتجاج بالنسبة للحركات الألفية أداة أساسية في النشاط السياسي، بل هو أعلى نقطة تصل إليها هذه الحركات في مسيرتها السياسية، ويعتقد ممثلو هذه الحركات أنه أداة لا تُقهر لتحقيق التغيير السياسي، وإذا مررنا على مُختلف الحركات والنشاطات السياسية التي قامت، من ثورات الربيع العربي عام 2011، إلى حركة احتلوا وول ستريت، مرورًا بحركات مكافحة التغيير المناخي، فسنجد أنها تعتمد الاحتجاج كأداة سياسية مفضلة.

في حين أن الاحتجاج كتكتيك سياسي يعتمد نجاحه على السياق؛ أي السياق الذي يظهر فيه هذا النشاط، والذي يجعل لمثل هذا التكتيك قيمة مؤثرة على الصعيد السياسي، فالاحتجاج لا يحمل في ذاته قيمة سلبية أو إيجابية “وهنا لب المشكلة: الاحتجاج كتكيك سياسي يُستعمل -من قِبل الحركات الألفية- من دون أخذ السياق بعين الاعتبار”.

والسياق يعبر عن الظروف التي تؤثر في النشاط السياسي، مثل طبيعة القضية، الهدف التكتيكي للحركة التي تقوم بالاحتجاج، عدد الناس الذين يمكن تعبئتهم وتحركيهم للنشاط، طبيعة القوى المنخرطة في الصراع، طبيعة وفاعلية العمل السياسي مع الناس والسلطات في الأيام العادية، والنتائج السياسية المُحتملة لمختلف أطراف الصراع.

وتعتبر قدرة منظمي الاحتجاج على متابعة قضيتهم، والتصعيد إلى أشكال أخرى من السياق عاملاً مهمًا لإنجاح النشاط السياسي، بمعنى أن هناك حاجة لوجود مجموعات منظمة تتابع القضية على المدى الطويل، غياب هذه المنظمات سيحول الاحتجاج إلى ضجة من دون نتيجة سياسية، ولـ “جون مايكل” تعليق مهم على المشهد السياسي الأمريكي، فيقول إن “الناشطين لا يعطون السياسيين أي سبب لينتبهوا لهم؛ فهم بكل بساطة يصدرون بالضجيج، والسياسيّون أصبحوا واثقين بشكل متزايد من أنه يمكن لهم تجاهل الضجيج بحصانة كاملة”.

ويشير الباحث إلى الآلاف من التظاهرات والاحتجاجات التي تحصل كل عام، لكنها لا تُحقق شيئًا على الإطلاق، وتعمل الحركات الألفية في المقابل على الإشارة إلى الاحتجاجات النادرة التي نجحت في تحقيق مطالبها، من دون دراسة السياق الذي جعلها تحقق النجاح. وعملية إغفال السياق لا تتوقف عند ذلك، بل تتبدى في صورة أكثر تأثيرًا؛ فعندما تفشل الاحتجاجات في تحقيق أهدافها، يعتقد رواد الحركات الألفية أن الحل هو القيام بالمزيد من الاحتجاجات.

وللتمسك بالاحتجاج كمحور للعمل السياسي نتئاج سلبية على حركة التغيير على المدى البعيد، وهو إهمال العمل البنائي طويل الأمد، الذي يهدف للتفاعل البنّاء مع الأرض والناس، “العمل الذي يتمحور حول التثقيف، التعبئة، التنظيم، والدعم وبناء الشبكات السياسية الضرورية في أي مواجهات سياسية مستقبلية مع السلطات أو قوى الأمر الواقع”.

في المقابل، يضرب لنا الباحث مثال الثورة المصرية عام 2011، كثورة استطاعت التعامل مع الاحتجاج كتكتيك ضمن سياق أوسع، فالثورة كانت نتيجة صراعات سياسية وثقافية طويلة، كما أنها لم تكتف بالاحتجاج كتكتيك وحيد، فكان هناك إضرابات العمّال، المواجهات المباشرة والعنيفة مع السلطة ومرتزقتها في الشارع، احتلال الشوارع والتعطيل الاقتصادي، وغيرها من النشاطات. ولا ننسى الحركات الشعبية التي كانت تُواجه السلطة، وتنشر الوعي قبل قيام الثورات الاحتجاجية، مثل حركتي 6 أبريل وكفاية، نقابات العّمال، وروابط الطلاب.

” نجاح الانتفاضة المصرية لعام 2011 ارتبط بالعديد من العوامل المحلية والدولية، وبطبيعة ردة فعل الناس وتحرّكهم الذي قاد في نهاية المطاف إلى تجميد البلد بالكامل وإعطاء نظام حسني مبارك خيارين لا ثالث لهما: التنحي، أو بدء حرب أهلية “.

**  **  **

 

2- محورية الإنترنت في النشاط السياسي

احتل الإنترنت مكانة مركزية في النشاط السياسي عند الحركات الألفية، فقد أتاح للناشطين سهولة التواصل، وجمع المعلومات ونشرها، وسهولة التنسيق من دون الحاجة لمركز قيادي، وبنى تنظيمية بيروقراطية.

وبالرغم من أن الحركات الألفية تُجمع على أن نوع النشاط الجديد الذي سببه الإنترنت هو الأفضل، إلا أنها لا تتمكن من تحقيق أهدافها، ويقول الباحث إن معظم الخصائص التي اكتسبها النضال بتأثير من الإنترنت سلبية.

و”محورية الإنترنت هي التفكير، التخطيط والعمل ضمن سياق الإنترنت بدل سياقات العالم الحقيقي”.

ويذكر الباحث مجموعة من الآثار السلبية لمحورية الإنترنت؛ وهي:

  • أولية النشاط الفردي على حساب العمل الجماعي، فالإعلام الاجتماعي يقوي الفردية، ويعزز من قيمة المكافأة الفدرية، والإنجازات الشخصية، وبالتالي فهو يشجع صورة “الناشط الفرد” على حساب العمل الجماعي، والمنظم.
  • قولبة الأدوار الاجتماعية، فبالرغم من الانطباع الذي تثيره الفردانية من تنوع، وتعدد وحرية الاختيار فإن هناك أدوارًا اجتماعية مقولبة، ومحددة مسبقًا في النشاط السياسي على الإنترنت، فهناك الناشط والفنان والمثقف، والمتحمس السياسي، وغيرها من الأدوار.

وجود هذه الأدوار يعزز سلوك الجماعة – العصابة، وهو ما نراه عندما تنفجر قضية عامة ما على شبكات التواصل العامة، بحيث تمتلأ هذه الشبكات لأيام بنفس المضمون، والفيديوهات والستاتوسات مع غياب للأفكار، أو الآراء الأخرى؛ وهو ما يغيب التفكير النقدي.

  • تعزيز النقص الحاد في الثقافة السياسية، فبدلاً من القيام ببناء ثقافة سياسية واعية عبر شبكات التواصل الاجتماعية، تنتشر ستاتوسات وفيديوهات وأخبار متفرقة تعرقل مسيرة بناء الثقافة السياسية، كما أن الإعلام الاجتماعي يركز على اللحظة الحالية، مما يلهي عن تذكر تاريخ النضال السياسي، والاستفادة من دروس التجارب السابقة.
  • تشظي الجهود والقضايا، فقد أتاح الإعلام الاجتماعي وشجّع عددًا لا يحصى من المبادرات والمجموعات التي تحمل هدفًا ما، تتنافس على الظهور الإلكتروني، وأهملت التفكير الاستراتيجي المنطم ذا الأهداف الواضحة.

 

**  **  **

 

3- اللابنيوية أو اللاتنظيم

لعل أهم ما اتسمت به الثورات العربية عام 2011 وما بعده هو طبيعتها اللابنيوية، وأكثر ما لفت المهتمين والباحثين بالقضايا السياسية؛ هو غياب البعد التنظيمي، وغياب القادة والبرامج والرؤى عنها. وكانت هذه السمة ميزة لتلك الثورات، ومعبرًا عن أن أنها جاءت من “الشعب”.

لكن الواقع أثبت أن اللابنيوية كانت من نقاط الخلل التي أدت إلى فشل الثورات في تحقيق أهدافها، من خلال عرقلتها أو تعجيل نهايتها، والأهم من ذلك هو السماح للسلطات وبقية الأحزاب السياسية “المنظمة” بالاستيلاء على الثورات، وأخذها في اتجاه مختلف.

“فالرابحون الوحيدون من الانتفاضات اللابنيوية كانوا القوى السياسية البنيوية والمنظمة”.

وبالنسبة للحركات الألفية، فإن أمور كالبنية والتنظيم تُعامل على أنها مرادفة للقمع والسلطوية والبيروقراطية، وانعدام المساواة، في حين أن اللابنيوية تُقدم على أنها مرادف للحرية، والفردانية والفعالية.

من هنا، ينتقل الباحث للحديث عن سلبيات اللابنيوية؛ وهي:

  • اللابنيوية تجعل من التخطيط الاستراتيجي والتطبيق المنظم للاستراتيجية عملية شبه مستحيلة.
  • الحركات اللابنيوية أقل قدرة على التحكم بالاتجاه الذي تأخذه، وبالتحركات السياسية التي تشارك فيها.
  • غياب القيادة له مؤثرات على مدى قدرة الحركة على تحقيق نتائجها، والحفاظ على وجودها لمدى طويل، “فنحن نحتاج لمنظمين واصحاب رؤى، ومحرضين وأشخاص ماهرين في خلق وإدارة الطاقة والموارد التي نحتاجها لتحقيق أهدافنا”.

**  **  **

 

4- انتظار القيامة الجماهيرية والاعتماد على الحلول الفردية

تسيطر على مشهد النشاط التغييري اليوم فكرتان غير واقعيتين لكيفية تحقيق التغييرات المنشودة، الأولى هي أن هنالك ثورة جماهيرية كبيرة ستأتي يومًا لتحل مشاكلنا، والثانية أن التغيرات الكبرى سوف يتم تحقيقها عبر الخيارات الفردية البديلة التي نأخذها كأفراد اليوم.

المبدأ الذي يجمع بين الفكرتين هو “الانتظار”، فهناك “الرهان على الأعمال الفردية بانتظار حدث غامض في المستقبل”، فيخلصنا هذا الحدث من أزماتنا المعضلة.

وهنا تأتي مقولة غاندي كشعار معبِّر عن هذه الأفكار والتي يقول فيها: كن أنت التغيير الذي تريد أن تراه في العالم، وبحسب مؤيدي هذا الطرح، فلتحقيق الثورة الكبرى، يجب أن يقوم المزيد من الناس باتخاذ نفس الخيارات البديلة في حياتهم الشخصي؛ مثل القيام بالزواج المدني بدل الزواج التقليدي، التسامح تجاه الطوائف الأخرى بدل التشدد الديني، شراء المنتجات المحلية بدل المنتجات الأجنبية، أو بالنسبة للحركات النسوية، فعلى النساء أن يغيرن أسلوب تفكيرهن، ونمط حياتهن وطريقة تعاطيهن مع أنفسهن والآخرين، حتى يحدث التغيير المنشود.

مشكلة هذه الاستراتيجية أنها “بالكاد تلامس أسطح الأمور، ولا تستطيع حل مشاكل بنيوية منهجية نابعة من مؤسسات لا تستمد قوتها، ولا سلطتها من الخيارات الفردية لمجموعة محدودة من الناس”.

“صحيح أنه من المهم أن نعيش حياة مسؤولة وواعية ومنسجمة مع قناعاتنا، لكن التغييرات في أسلوب العيش الفردي لا تعني أننا نظمنا مقاومتنا، ولا تستطيع تحقيق تحولات استراتيجية فعلية؛ لأن المواجهة هي مع مؤسسات لا مع أفراد، ولا يمكن مواجهة المؤسسات سوى بمؤسسات بديلة “.

 

**  **  **

 

4- غياب المقاربات المنهجية الكبرى في الحركة التغييرية

 كنتيجة لطبيعة الثقافة السياسية المشتتة السائدة لدى حركات التغيير الألفية، فإن هذه الحركات تعاني من خلل وهو غياب المقاربات المنهجية، ونعني بهذا الغياب أن هناك مقاربات اتجاه مشاكل الواقع لا تحيط بهذه المشاكل من جميع جوانبها بحيث تفهم سياقها السياسي والاجتماعي والثقافي، وتغفل عن البنية التي تتشكل من علاقات القوى التي تؤثر في المشكلة، وتعرِّف عن كيفية نشأتها. وبالتالي فإن هذه الحركات ” تعالج جانبًا واحدًا من المشكلة، وتفتقر للتفكير المنهجي بالمشكلة ككل”.

هذا الخلل يؤثر في الثقافة السياسية، ويغذي مشاكل أخرى تعطل حركة التغيير، ويذكر الباحث مجموعة من المشاكل وهي:

  • التبسيط والتعميم الأيديولوجي، إما بتبسيط المشاكل وردها لأصل واحد، أو تبسيط الحلول التي تجعل الواقع يبدو أفضل. التبسيط هو أن نختار عدسة فكرية واحدة فنقرأ العالم من خلالها، فهناك عدسة “صراع الطبقات”، وهناك عدسة “الحكم الفاسد”، أو عدسة “التغيير الفردي” وغيرها.
  • الصراعات السياسية في زمننا الحالي تتميز بالتشتت المتصاعد للقضايا، مع غياب للقضايا المركزية، وبدل من استعادة القضايا المركزية وعودة التفكير فيها، تختار الحركات التغييرية اليوم مجالات ضيقة جدًا لقضاياها، مثلما نراه من قيام حملات ومنظمات قضيتها الأساسية هي تغيير سطر واحد في قانون وطني، أو إطلاق سراح سجين سياسي معين.

إن غياب الرؤية الشاملة يكرس وجود النظام المهيمن، ففي ظل تجزئة القضايا، ستتشكل آلاف المنظمات التي تحارب أطراف النظام من دون أن يكون لديها القدرة على رؤية، أو محاربة النظام المهيمن نفسه.

  • كامتداد لمشكلتي التبسيط والتجزئة، فإن الفصل بين أبعاد الواقع يعد من مسببات غياب الرؤية المنهجية، وهو ما نراه من فصل الأبعاد السياسية والاجتماعية، والاقتصادية والثقافية عن بعضها البعض، وإغفال كيفية تأثير هذه الأبعاد في بعضها لبعض؛ بحيث ينتج عنها الواقع المركب.

**  **  **

 

4- مركزية اللاعنف

على عكس تيارات اليسار المتطرف التي تبنت في الماضي فكرة “العنف الثوري”، والتي غذَّت هذا الشكل من النضال الذي ظهر لدى كثير من التيارات والمنظمات؛ تأتي حركات الألفية لتتبنى منهجًا مغايرًا هو منهج اللاعنف، ففي حين تعاطت التيارات اليسارية السابقة مع العنف لا كتكتيك وإنما كأيديولوجيا، وهدف في ذاته؛ تعاملت حركات الألفية مع اللاعنف كهدف أيضًا، وغفلت عن أبعاده التكتيكية.

تدور استراتيجية اللاعنف -كما عرضها جين شارب- حول التعطيل الاستراتيجي للسلطة بشكل يمنعها من ممارسة سلطتها، من خلال مجموعة من التكتيكات كالإضرابات والاعتصامات، بحيث تعمل هذه التكتيكات على تعبئة وتحريك أكبر قدر من الناس، فإن استجابت السلطات بعنف، سينضم المزيد من الناس للاحتجاج، وإن استجابت بإيجابية من دون عنف فسينضم كذلك المزيد من الناس، وفي الحالتين، تفترض الاستراتيجية أن السلطات ستستجيب لمطالب الشعب، وأن الجماهير ستربح قضيتها بأقل خسائر ممكنة مقارنة باسترايجيات العنف.

بحسب الباحث، فإن استراتيجية اللاعنف تحوي مجموعة من الثغرات، أولها أنه في حالة استجابة السلطات بعنف، فهناك حد لقدرة الاحتجاج الشعبي على استيعاب القمع، خاصة إذا كان قمعًا عنيفًا جدًا، ومستمر لفترة طويلة.

ثاني هذه الثغرات أن تبني اللاعنف كهدف في ذاته لا كتكتيك سيخلق شرخًا داخل حركة التغيير بين الحركات السلمية، والحركات الأكثر راديكالية.

ولعل الحركات التي استطاعت الجمع بين الحركات العنفية، والحركات اللاعنفية؛ هي التي تمكنت من تحقيق النجاح من حركتها، كما حصل مع حركة الحقوق المدنية للسود في الولايات المتحدة.

يخلص الباحث إلى نتيجة هامة بخصوص مركزية اللاعنف فيقول: “بدل أن يكون اللاعنف أداة استراتيجية تُستعمل بذكاء من قِبل حركات الألفية، تحول اللاعنف إلى عقيدة تساهم في نزع مخالب حركات التغيير، وتحويلها إلى نمور من ورق لا حول لها ولا قوة”.

ويدعو في المقابل إلى التفكير في رؤية أبعد من ثنائية العنف واللاعنف، بحيث تستوعب السياق الذي يجعل لإحدى الاستراتجيتين قوة وتأثير أكبر، من خلال الأخذ بمجموعة من العوامل بعين الاعتبار مثل قدرة الحركة أو القضية على تعبئة وتحريك عدد كبير من الناس، المكاسبة السياسية والاقتصادية التي هي على المحك بالنسبة للطرفين، طبيعة السلطة الحاكمة، وكيفية تعاملها مع المطالب الشعبية السابقة، وضع الإعلام ودرجة حريته واستقلاله، والنتائج المحتملة لكل من الاستراتيجيتين.

**  **  **

أسئلة لا مفر منها:

على الفاعلين السياسيين اليوم التفكير بجدية في استراتيجيات وأنماط من الحركة تتجاوز فيها أخطاء المرحلة السابقة، وسأحاول أن أضع بعض الأسئلة التي قد تساهم في حلحلة بعض مواضع الإشكال التي تعطل حركة الفاعلين السياسيين:

– كانت الأيديولوجيا شبحًا يريد الشباب الثائر أن يفر منه، فسلك من أجل ذلك بطريقة لا تنظيمية بحيث يغاير في طريقته طريقة الأيديولوجيا، والأحزاب السياسية القائمة، لكن يبدو أن هناك نقطة أبعد عليه التفكير بها.

 والسؤال هنا هو: كيف يمكن أن نفكر بأساليب حركية شبه منظمة بحيث لا تسقط في سيولة الشبكية، وتتخطى عصبية، وتصلب الأيديولوجيا.

– كشفت طبيعة الثورات السلمية مدى بطش وهشاشة شرعية الأنظمة السياسية القائمة، وعندما لجأت بعض الدول العربية القمعية إلى العنف الفج والحل العسكري، لم تستطع القوى الثورية المدنية أن تحسم خياراتها العملية، مما جعل التيار الجهادي يستحوذ على خط الحل العملي الثوري العنفي.

والسؤال هنا: كيف يمكن أن تضع القوى الثورية المدنية العنف كخيار استراتيجي وتكتيكي، مع الحفاظ على أخلاقيته، ومن دون الانجراف فيه كما يحصل مع التيارات الجهادية؟