مرصد الشمال.. “الدولة الاسلامية” فشلت في اغراء المغاربة للالتحاق بصفوفها

26

الرباط ـ “رأي اليوم” ـ نبيل بكاني:

7-7-2015

سجل تقرير صدر حديثا، انخفاضا ملحوضا في أعداد المغاربة الملتحقين بتنظيم “الدولة الاسلامية” المنحدرين من منطقة الشمال المغربي، من مدن تطوان، المضيق، الفنيدق، ومرتيل، خلال الستة اشهر من سنة 2015، وربط التقرير هذا الانخفاض بمجموعة من العوامل من ضمنها المقاربة الأمنية الاستباقية التي ينهجها المغرب، في الآونة الأخيرة، ضد الخلايا الموالية لتنظيم “الدولة الاسلامية”.

 وكشف التقرير الذي أعده “مرصد الشمال لحقوق الانسان، حول “هجرة المقاتلين المغاربة المنحدرين من شمال المغرب إلى سوريا والعراق” والذي توصلت “رأي اليوم” بنسخة منه، أن المعدل الشهري للمهاجرين هو 3 أشخاص، وهو ما يعني تسجيل انخفاض كبير مقارنة بالمعدل الذي كان قد تم تسجيله منذ اندلاع الثورة السورية وإطلاق نداء النفير العام والذي تراوح حسب تقديرات المرصد بـحوالي 30 و 35 شخصا في الشهر.

ولاحظ التقرير أن 62 بالمائة من المقاتلين الملتحقين بتنظيم “الدولة الاسلامية” هم من الفئة العمرية المتراوحة بين 18 و 25 سنة وهي من فئة الشباب، مقابل 18 بالمائة هم أطفال، فيما الـ 4 بالمائة المتبقية هي من الفئة المتراوحة بين 26 و 35 سنة.

 وأرجع مرصد الشمال سبب هذا الانخفاض الى مجموعة من العوامل متظافرة كاقتناع الشباب أن جرائم الإرهاب كالقتل والذبح في حق المسلمين أو غيرهم “لا تمت بصلة إلى تعاليم الإسلام”، فضلا عن المجهودات الامنية المبذولة في المجال “المقاربة الأمنية المغربية الاستباقية القائمة على رصد الخلايا الإرهابية وتفكيكها”، وكذا “تبني العديد من الشباب لوجهة نظر ترى أن طبيعة الصراع الذي تعرفه كل من سوريا والعراق شأنا داخليا حول السلطة من جهة، وصراع القوى الدولية حول النفوذ بالمنطقة من جهة أخرى”.

وسجل التقرير “هيمنة نسبة الذكور من الملتحقين بجبهات القتال بسوريا والعراق بنسبة 62 % مقابل 38 % من الإناث من بينهم طفلتان”، مشيرا الى ان أسرة من تطوان وأخرى من مدينة مرتيل “تتكونان من زوجان وطفلة التحقتا خلال هذه السنة بسوريا عن طريق تركيا”.

واوضح المصدر ذاته ان التنظيم يركز “على توجيه خطاب عاطفي الى النساء باعتبارهن عائقا في هجرة الأزواج والأبناء”، مشيرا الى ان التنظيم “أفرد لها + بحث + خاص تحت عنوان: دور النساء في جهاد الأعداء”، وجاء في هذا “البحث” ان “سبب مخاطبتنا للمرأة بأنها إذا اقتنعت بأمر كانت أعظم حافز بأدائه، وإذا عارضت أمرا كان من أعظم الموانع له، لا سيما إذا كانت تلك المرأة أما أو جدة يجب برها وطلب رضاها”.

وبحسب التقرير فقد “عملت بعض المنتسبات لهذا التنظيم في بلاد سوريا والعراق على إنشاء المئات من الحسابات الفايسبوكية تحت أسماء مستعارة ( أم هبة، أم خالد، المشتاقة للجنة… ) تدعو فيها بعض الشباب للالتحاق بأرض الشام”.

وأبرز التقرير من خلال المعطيات السابقة ان تنظيم الدولة الاسلامية “يواصل استقطاب الشباب”، مشيرا الى ان هذا الامر “يجد له مبررا في أدبياتهم وخصوصا كتاب إدارة التوحش: أخطر مرحلة ستمر منها الأمة”، والذي ذكر فيه مؤلفه ان “شباب الأمة على ما فيهم من معاص أقرب للفطرة، وخبرات العقود السابقة أثبتت لنا ذلك”.

وأشار التقرير إلى أن 37 بالمائة من الملتحقين بتنظيم “الدولة الاسلامية” خلال الفترة الأخيرة، هم من ذوي المستوى الدراسي العالي، ثلاثة منهم حاصلون على شهادات الماجستير في تخصصات تقنية، والثلاثة المتبقون يتابعون دراستهم في شعب علمية، و25 بالمائة منهم ذوو تعليم ثانوي، والنسبة نفسها ذوو تعليم ابتدائي، فيما 13 بالمائة من دون أي مستوى تعليمي.

واستنتج التقرير أن “الجماعات المتطرفة تستهدف أيضا شباب ذوو المستوى التعليمي المرتفع″، ما يفسر “حاجة تلك الجماعات لعدد كبير من العناصر ذات الخبرة الإدارية خاصة في الفترات الأولى لمرحلة التوحش (…)” مشيرا الى انها (الجماعات المتطرفة) تعتبر “حاجتها إلى شباب قصد دمجهم في الوظائف والمهام بالمناطق التي يسيطرون عليها من المشاكل والعوائق المؤرقة التي توجهها ويجب التعامل معها”.

ويُرجع المفكر العربي، محمد عابد الجابري ذلك إلى ” التعليم السائد في الوطن العربي اليوم هو إما تعليم تقاني يصنع عقولا قانونية دغمائية، وإما تعليم ميثولوجي تلقيني يصنع عقولا راكدة أسطورية، والقاسم المشترك بين هذين النوعين هو غياب السؤال النقدي، سؤال: لماذا وكيف ؟”. مضيفا ” إن العقل التقاني عقل فارغ من الأمور النظرية التي هي ميدان لتعدد الأسئلة والأجوبة، ولذلك تجده مستعدا لتلقي (العقائد) الجاهزة بمثل السهولة والعادة التي يتلقى بها القوانين العلمية، فليس غريبا إذا أن تكون المعاهد والكليات العلمية من أهم الساحات التي يستقطب فيها التطرف الأنصار والشياع… والنتيجة هي أنه لا طالب العلوم والتقانة يمتلك لغة الانفتاح على التراث والثقافة الوطنية، ولا طالب الآداب والحقوق يمتلك لغة الانفتاح على ثقافات العصر، فيبقى كل منهما مأسورا، إما في العلم التقاني، وإما في عالم العقل الأسطوري”.

وأضاف التقرير ان “ذلك لا ينفي استمرار تدفق الشباب من المستوى التعليمي المتدني على تنظيم الدولة الاسلامية  باعتباره يتفاعل مع الأحداث بفطرته أفضل بمراحل من قادة الجماعات الإسلامية الذين سلموا دينهم لأحبار ورهبان السوء”؛  مما يسهل عملية شحن المنتسبين بالافكار المتطرفة.

ولاحظ التقرير أن 25 بالمائة من مغاربة الشمال الذين استقطبهم التنظيم يشتغلون بمهن هامشية ( مساعد تاجر، بائع فطائر،وجباص…)، مقابل 19 بالمائة لا زالوا يتابعون دراستهم، وهي “نفس النسبة ممن يشتغلون ضمن مؤسسات كأطر عالية ويتلقون أجور مرتفعة أحدهم بالمحكمة الابتدائية والأخر مدير شركة للمعلوميات والثالث مستخدم بشركة بالمنطقة الصناعية.فيما نسبة 12 % تتعلق بطفلتان”، بينما جميع الإناث هن ربات بيوت.

وبين المصدر “استمرار هيمنة أصحاب المهن الهامشية اللذين يتم استقطابهم دون أن يلغي ذلك استقطاب اصحاب مهن عالية”.

وأظهر “أن 57 بالمائة من فئات اجتماعية هشة ومن ذوي المستوى التعليمي والوعي الثقافي والسياسي المحدود ويقطنون بأحياء شعبية ( كويلما بتطوان، الاغراس بمرتيل، الباريو المرجة بالفنيدق، حي الباريو بتطوان) . و 31 بالمائة من الفئات الاجتماعية العليا، فيما 12 بالمائة ينتمون إلى فئات اجتماعية متوسطة”.

وتوصل التقرير الى أن الدافع وراء انضمام الفئة الهشة إلى الجماعات المقاتلة راجع بالاساس إلى أسباب دنيوية أفردها في “المستوى المعيشي ومزاولتهم لمهن هامشية وسكنهم بأحياء شعبية تفتقر إلى شروط الحياة الكريمة”، مشيرا الى “ضرورة استحضار غياب آفاق العمل بالمنطقة التي تبقى في غالبيتها موسمية مرتبطة بالصيف مثلا أو بقطاعات البناء”.

وعلق المرصد على الدافع وراء انضمام هؤلاء الى هذه التنظيمات، بانه بالاساس هو الرغبة في “تحقيق الذات والمغامرة والبحث عن الرفاهية والاستقرار النفسي والاجتماعي”، موضحا انه “من المعروف أن هذه الفئة كانت على مدى عقود تعتبر الهجرة إلى الفردوس الأوروبي فرصة لتحقيق ذلك، لكن مع الأزمة الاقتصادية التي ضربت أوروبا أضحت الدولة الاسلامية الملاذ الآمن الذي يوفر كل الإغراءات والجوانب المادية ( السكن، راتب شهري، تعويضات، نساء…).

مصادر القيادة للمقاتلين المغاربة بالدولة الاسلامية:

وضعت القيادات العليا لتنظيم الدولة الاسلامية جملة من المعايير على اساسها يتم ترقي الملتحقين الجدد بصفوفه، وتوزعت مصادر الزعامة والقيادة بين صنفين بحسب ما اورده المرصد، بحيث ان بروز الصنف الأول يتم “من خلال ما أبان عنه من رباطة +الجأش+، وقوة المواجهة والدفاع في المعارك العسكرية، وهو ما أهله لاحتلال مكانة بارزة في القيادة العسكرية للتنظيم، لعل أهمهم أبو عبد العزيز المحدالي ( 25 سنة ) المعروف بالأمير أبو أسامة المغربي، ابن مدينة الفنيدق الذي عين أميرا عسكريا ( قتل في مارس من السنة الماضية )، وتم رثاؤه من طرف تنظيم الدولة (مؤسسة الفرقان للإنتاج الاعلامي ). والأمير أبو البراء المغربي، وينحدر أيضا من مدينة الفنيدق، وهو الاسم الحركي الذي يرجح أن يكون قد منح لعبد الرحمان العافية، والمنحدر ايضا من مدينة الفنيدق”، موضحا حرص أعضاء التنظيم على التكتم عن كل ما له علاقة بـ “شخصيته والأدوار الموكولة إليه داخل تنظيم الدولة الاسلامية”. فيما الصنف الثاني “والذي برز كوجه إعلامي من خلال توظيفه المتميز لوسائل الإعلام المختلفة وعلى رأسها المواقع الإخبارية الالكترونية أهله ذلك في كسب نقاط قوة كثيرة مكنته من التقرب لقيادة تنظيم أبو بكر البغدادي، والترقي السريع في الرتب العسكرية والإعلامية. ولعل أهمهم اشرف اجويد، المنحدر من المضيق، المعروف حركيا بأشرف الأندلسي القرشي الحسيني الذي ألحق بالهيئة الإعلامية التي تتكلف بنشر ايديولوجية التنظيم وينشط بشكل مكثف على الموقع الالكتروني التابع لالدولة الاسلامية المنبر الإعلامي الجهادي وشبكات التواصل الاجتماعي ( تويتر )”. فيما ابن مدينة الفنيدق، محمد حمدوش، المعروف لدى وسائل الاعلام بـ قاطع الرؤوس “الذي مكنته التهديدات الإرهابية المتعددة لكل من المغرب واسبانيا على شبكة اليوتوب ومواقع التواصل الاجتماعي من بروزه على اثر تسريب صورة له رفقة رؤوس مقطعة وهو على متن شاحنة”، وكانت وسائل اعلام قد تحدثت في العام الماضي، عن التحاق محمد حمدوش بتنظيم الدولة الاسلامية، عن طريق إسبانية مغربية تدعى آسية أحمد محمد، ترعرعت بمدينة سبتة المحتلة، والتي سبق ان اهداها حزاما ناسفا كمهر زواج. “حيث تم ترقيته إلى رتبة امير، حيث يترأس كتيبة متكونة من حوالي 300 مقاتل بولاية حلب بعدما كان مجرد مقاتل عادي داخل التنظيم”.

وأضاف انه ومن اجل مزيد من كسب النقط لاجل الترقي فان “الخرجات الاعلامية والتهديدات المتكررة للمغرب باستهدافه واستهداف قياداته ورموزه من طرف المقاتلين السالفين الذكر أصبحت النمط المفضل للعديد من أتباع هذا التنظيم اللذين يحتلون رتب ومناصب متدنية، حيث يبحث العديد منهم عن اي وسيلة إعلام لإطلاق التهديدات والوعيد”.

ونبه التقرير الى كون الترقي السريع (…) هو الأمر الذي يجب الانتباه إليه والى خطورته.

النتائج:

خلصت النتائج التي اوردها التقرير الى جملة من النقاط يمكن تلخيصها في تراجع اعداد الملتحقين بجبهات القتال في كل من سوريا والعراق بشكل كبير، استمرار هيمنة فئة الشباب على مجمل من يتم استقطابهم، تصاعد الفئات ذات المستوى التعليمي المرتفع بشكل ملحوض أساسا من الذين كانوا يتابعون تكوينا في الشعب العلمية والتقنية والمنتسبين إلى الطبقة الاجتماعية العليا.

وفيما ترتبط مجموعة من الدوافع بعوامل دنيوية تتجلى في”تحقيق الذات، الإغراءات المادية لتنظيم الدولة الاسلامية، البحث عن الرفاهية نتيجة البطالة وامتهان وظائف هامشية والسكن بأحياء شعبية كأسباب رئيسية بالنسبة للفئة الأولى المنحدرة من طبقات اجتماعية متدنية باعتباره رد فعل على الوضعية الاجتماعية والاقتصادية…”، فبالمقابل تبرز “العوامل الإيديولوجية والخطاب الديني المشحون بالعاطفة وتبني مفهوم الجهاد وسحر الخلافة وتقمص أسطوري لنماذج ووضعيات من التاريخ بالنسبة للفئة الثانية ذات المستوى التعليمي والمعيشي المرتفع″.

ويرى مرصد الشمال لحقوق الإنسان أن “المخاطر التي أصبحت تحيط بالمغرب لا تتمثل في الخلايا الإرهابية فقط والتي يشهد المجتمع الدولي للمغرب بنجاعته إلى حد الآن في رصدها وتفكيكها، بل الخطر الأكبر يتمثل في ما يسمى + بالذئاب المنفردة+  وهو ما أكدته الضربات الإرهابية التي تعرضت لها كل من تونس والكويت وفرنسا مؤخرا.