من مواطنة مصرية إلى المشير طنطاوى رائعة جديدة للآسواني


علاء الأسوانى   

كل التفاصيل الصغيرة مازالت تذكرها

كيف تلقت نبأ الحمل وكيف بدا لها ابنها عند الولادة صغيراً للغاية كأنه لعبة.. مازالت تذكر فرحتها به: حروفه الأولى وضحكاته وأنامله الصغيرة جداً لدرجة تبعث على العطف. خطواته المتعثرة وسقوطه المتكرر.

انزعاجها من نوبات الإسهال وارتفاع الحرارة.. كيف كان يبكى كل صباح وهى تغسل وجهه وتسرح شعره بعناية ثم تلبسه المريلة وتوصله إلى المدرسة قبل أن تذهب إلى عملها.. شقاوته فى المرحلة الابتدائية وميله للتمرد فى الإعدادية بعد أن اخشوشن صوته وظهرت عليه أعراض البلوغ.

معركة الثانوية العامة التى خاضتها معه باستماتة.. اقترضت من أقاربها لتسدد ثمن الدروس الخصوصية. مازالت تذكر فرحتها بمجموعه المرتفع وتلك الورقة الصفراء من مكتب التنسيق المكتوب فيها أنه مقبول فى كلية الهندسة جامعة القاهرة..

تتذكر زهوها وهى تتابعه من خلف شيش النافذة وهو ذاهب إلى الكلية حاملا المسطرة الكبيرة فى يده، كانت تقرأ المعوذتين لئلا يحسده أحد وتحس بأن الله راض عنها.. بعد ولد وبنت جاء هذا الولد «غلطة» كما تهمس بحرج أحياناً لصديقاتها، لكنه أحب الأبناء وأجملهم. الولد والبنت كبرا وتزوجا وتوفى زوجها منذ عامين لكن ابنها معها دائماً كأنما يعيد إليها شبابها ويجدد فرحها..

 فى يوم الجمعة لم توقظه، تعمدت أن تتركه نائماً حتى لا ينزل إلى الشارع. كانت خائفة عليه وفى نفس الوقت غير قادرة على منعه. استيقظ متأخراً فقفز من الفراش وعاتبها لأنها تركته نائماً. كذبت عليه وقالت إنها نسيت.. اغتسل بسرعة وارتدى ثيابه.. كم يبدو كل هذا غريباً الآن.. لماذا كان يتعجل النزول ولماذا اعترضت طريقه وصاحت فى وجهه:

- رايح فين.. الصلاة خلصت.

لم يغضب لكنه ابتسم وتألقت عيناه واحتضنها بقوة.. كيف استجابت له ونسيت مخاوفها، ولماذا تعلقت به وغمرته بالقبلات حتى دفعها برفق وقَبّل يدها ثم استدار وانصرف.. مازالت تسمع صوت الباب يُغلَق وترى نفسها وهى تدخل إلى المطبخ، وقفت تعد له الأكلة التى يحبها. كانت تغرق قطع الدجاج فى الخلطة ثم البقسماط وبعد ذلك تلقيها فى الزيت الساخن، كانت تفعل ذلك بانفعال يشبه المرح وتتخيله وهو يلتهم قطع الفراخ بينما هى ترقبه برضا.

 خُيّل إليها أن صوتاً ما ينبعث من الخارج وتذكرت أنها تركت تليفونها المحمول فى الصالة، أخرجت الدجاج من الزيت وأغلقت النار ثم جففت يديها بسرعة وهرعت لترد.. كان الرقم غريباً وقال صوت شاب إنه صديق ابنها، وأكد لها أنه بخير لكنه تعبان وهو فى مستشفى قصر العينى، آخر ما تذكره هو شكل القماش المنقوش للمقعد الذى كانت تحدق فيه..

كيف ارتدت ثيابها واستوقفت سيارة أجرة وماذا قال لها السائق عن حسنى مبارك وكيف ردت عليه.. كل هذه التفاصيل انطمست فى ذهنها واختلطت كأنها وشيش غير مفهوم.. لن تنسى أبداً وجه موظف الاستقبال فى المستشفى.. أخبرته باسم ابنها الثلاثى ثم استطردت:

ــ أنا والدته. زميله اتصل وقال لى إنه تعبان ومحجوز عندكم.

استغرق الموظف وقتاً. أطال النظر فى الدفتر ثم رفع رأسه ببطء وقال:

ــ ابنك استشهد.. البقية فى حياتك.

لم تصرخ. تطلعت إلى الموظف وكأنها لا تفهم.. لم تصدق.. كانت متأكدة أن هناك خطأ ما.. لا يمكن أن يكون هذا ما حدث.. «استشهد». ما معنى هذه الكلمة. لقد خرج من البيت وسوف يرجع وهى قد أعدت له قطع الدجاج بالطريقة التى يحبها. إنهم مخطئون بلاشك.. قصر العينى مثل كل المستشفيات العامة. منتهى الإهمال. صاحت هذه المرة بصوت عال:

ــ من فضلك تأكد من الاسم.

تطلع إليها الموظف بحزن ثم أدار نحوها الدفتر.. كان اسم ابنها مسجلا فى صفحة كتب عليها بخط كبير متعجل «قائمة المتوفين».. عندئذ فقط صرخت.. ظلت تصرخ وتلطم وجهها حتى اجتمع حولها العاملون وأهالى المرضى.. سيدات لا تعرفهن رُحن يواسينها ويحتضنّها وهن يبكين.. بعد دقائق كانت فى مشرحة المستشفى.

همس العامل معزياً ثم سار وهى تتبعه حتى توقف وفتح باب الثلاجة وجر بيديه مستطيلاً خشبياً كان ابنها راقداً عليه.. رفع العامل الغطاء عن وجهه. بدا لها كأنه نائم، تماماً كما رأته آخر مرة. نفس الطقم الذى اشتراه فى العيد، البنطلون الجينز والقميص الأبيض والبلوفر الكحلى.. كان وجهه هادئاً وكأنه على وشك الابتسام. الفرق الوحيد هو ذلك الثقب. ثقب أسود غريب كأنه مرسوم بعناية فى منتصف المنطقة بين الحاجبين..

عرفت بعد ذلك الحكاية.. كان ابنها فى المظاهرة وبدأ الرصاص الحى ينهمر على المتظاهرين.. سقط متظاهرون حول ابنها فكان يهرع إليهم ليسعفهم.. قام بجر أول مصاب إلى سيارة خاصة لتنقله إلى المستشفى ثم اعتدل واقفا وتوجه لحمل مصاب آخر. عندئذ بات وجهه فى مجال عدسة القناص تماماً. صوّب القناص إلى نقطة بين الحاجبين وضغط الزناد فانطلقت رصاصة اخترقت الجمجمة وانتهى كل شىء.

 سقط ابنها. مات. رصاصة واحدة تساوى حياة بأكملها. ضغطة على الزناد تنتهى عندها الذكريات والأحلام، يستوى بعدها الحزن والفرح والتاريخ والمستقبل. الذى قتل ابنها ليس من جيش الأعداء وإنما هو مواطن مصرى تدرب طويلا حتى يقتل المصريين بدقة واحتراف.. وجه ابنها المثقوب بالرصاص هو الحقيقة وكل ما عدا ذلك غبار يتطاير أمام عينيها..

 شهادة الوفاة وتصريح الدفن، التغسيل والجنازة والدفن وسرادق العزاء والأدوية المهدئة التى تتجرعها كل ليلة.. حفلات التكريم لأمهات الشهداء وكل هؤلاء المتحدثين المتأنقين الذين يقولون كلاماً رناناً.. شهادات التقدير والقطع الزجاجية المنقوش عليها اسم ابنها وفوقه «شهيد الثورة».. كل هذه الأحداث مجرد أصداء، ظلال.

 الحقيقة الوحيدة أن ابنها لم يعد موجوداً. لن يعود فى المساء ويصفر وهو يفتح باب الشقة بمفتاحه، لن يجلس مرة أخرى إلى مكتبه ليستذكر دروسه، لن ينام فى فراشه ولن توقظه بعد ذلك ليذهب إلى الجامعة.

 لن تسمع صوته ولن تراه مرة أخرى. بالليل، تستلقى فى فراشها وتتساءل: ألم يكن ممكناً أن يعيش؟

هل كان من المستحيل أن ينجو..؟! ألم يكن ممكناً أن يتخلف عن المظاهرة لأى سبب أو يذهب إلى المظاهرة ولا يلفت نظر القناص أو ربما يتحرك بعيداً فجأة فتخطئه الرصاصة؟!.

 لماذا اختاره القناص ليقتله؟ ..

هل كان نظام الكون سيتغير لو عاش معها ابنها لعدة سنوات أخرى.. أو حتى لعام واحد.. أو حتى بضعة شهور.. هل يمكن لها أن تراه مرة واحدة فقط.. أن تتحدث إليه قليلا وتضع يدها على رأسه وتحتضنه وتقبله ثم يسترده الموت من جديد؟..

كانت تستغفر الله على هذه الأفكار.. على مدى خمسة شهور كاملة فعلت كل ما يمكن حتى تأخذ حق ابنها. قدمت بلاغات ووكلت محامين.

ذهبت وجاءت إلى مكاتب كثيرة وكتبت بلاغات جديدة. أجابت عن كل الأسئلة واستدعت شهوداً أكدوا جميعا نفس التفاصيل.. بل إنها كانت تحضر محاكمات الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين فى المناطق البعيدة عنها. كانت تحس بأنها ربما تجد بينهم القناص الذى قتل ابنها.

بعد خمسة شهور كاملة لا يمكن أن تتقبل فكرة أن قاتل ابنها حر، طليق، يمارس حياته بطريقة طبيعية، يأكل ويشرب وينام ويضحك ويعيش مع أسرته.

تتمنى أم الشهيد لو استطاعت أن تقابل المشير طنطاوى، رئيس المجلس العسكرى، وتتعهد بأنها لن تضيع وقت سيادته.. سوف تسأله فقط:

ــ يا سيادة المشير.. أين القناصة الذين قتلوا أولادنا؟

إنهم معروفون لوزارة الداخلية فلماذا لم يقبض أحد عليهم ولم يحاكمهم أحد؟ لم يحاكم قناص واحد. هل هذا عدل يا سيادة المشير؟!

 ابنى والحمد لله شهيد وبإذن الله فى الجنة، لكن قاتله يجب أن يُحاكَم.. إن القانون المصرى يعاقب على سرقة الدجاج وتسميم المواشى فهل تكون حياة ابنى أقل من حياة الحيوانات؟

يا سيادة المشير كيف يحاكم الضباط بتهمة قتل المتظاهرين ويتم الإبقاء عليهم فى مناصبهم؟ لماذا لا يتم إيقافهم عن العمل حتى لا يستغلوا مناصبهم ويؤثروا على الشهود وسير المحاكمات؟

ما معنى أن تفرج محكمة جنايات الإسكندرية عن الضباط المتهمين بقتل المتظاهرين حتى موعد الجلسة القادمة بعد أربعة شهور؟

 ماذا نتوقع من قيادات الداخلية المتهمين بقتل المتظاهرين وهم طلقاء ويشغلون مناصبهم القيادية؟

 ماذا سيهمهم أكثر: الحفاظ على الأمن أم الإفلات من الإدانة بأى طريقة؟!

 لماذا يحاكم حبيب العادلى، وزير الداخلية الأسبق القاتل، أمام قاضٍ طالب كثيرون بالتحقيق معه فى شبهات أثيرت حول علاقته بمباحث أمن الدولة؟

 لماذا يصنع رجال الأمن سياجاً حول حبيب العادلى حتى لا يراه أحد فى قفص الاتهام؟

وإذا كان ولاؤهم له كاملا لم يزل فكيف نتوقع منهم أن يقضوا على الانفلات الأمنى؟!

لماذا يصر وزير الداخلية منصور عيسوى على تبرئة الضباط المتهمين بالقتل، ويؤكد أنهم كانوا فى حالة دفاع شرعى عن النفس؟ هل يليق أن يستبق السيد الوزير نتيجة المحاكمة ويصادر عليها؟ ثم هل بدأ المتظاهرون بمهاجمة الأقسام أم أن الضباط هم الذين بدأوا بقتل المتظاهرين لتفريقهم؟!

هل كان القناصة فى حالة دفاع عن النفس؟! هل كانت سيارات الشرطة التى دهست المتظاهرين فى حالة دفاع عن النفس؟!

لماذا أصبح كل من يطالب بالقصاص العادل للشهداء متهماً بالإساءة للشرطة؟!

هناك رجال شرطة كثيرون شرفاء، لكن الضباط القتلة يجب أن يحاكموا ويلقوا عقابهم العادل.. لقد قدمت مصر فى هذه الثورة أنبل أبنائها فداء للحرية. لقد ماتوا حتى نعيش من بعدهم بكرامة، أليس من أبسط حقوقهم علينا أن نقتص من قاتليهم؟!

أمهات الشهداء والمصريون جميعاً ينتظرون الإجابة من سيادة المشير.

الديمقراطية هى الحل.