التحولات السياسية والمجتمعية والثقافية في 3 ملاحظات

محمد ابو رمان

 

 

مدخل رئيسي لفهم الربيع العربي

 

      بما أنّ مدة المداخلة قصيرة ومحدود سأكتفي برؤوس أقلام رئيسة، ولعلّنا ندخل في إطار التفصيل والتفسير بصورة أعمق إن تم تحويل وقائع وأوراق هذا المؤتمر إلى كتاب تحليلي متخصص في إعادة دراسة وتحليل والتفكير في مرحلة الربيع العربي وما بعدها.

 

       الملاحظة الأولى- البعد عن القراءة التسطيحية والتعميم

      ربما ما سبق يقودني إلى الملاحظة الأولى المتعلّقة بهذا المؤتمر نفسه وأهدافه وجلساته، فالمهم اليوم - وبعد مرور قرابة تسعة أعوام (إرهاصات وديناميكيات الحراك بدأت في العام 2010، وربما قبل ذلك مع بزوغ الأزمة المالية العالمية التي ساهمت في تأجيج الأوضاع عبر الطبقة الوسطى منذ العام 2009) – أن نبتعد عن القراءة السطحية التبسيطية الاختزالية للربيع العربي، وهي قراءة للآسف تغوّلت خلال الفترة الماضية لدى اتجاهات فكرية وسياسية على حساب القراءة المعرفية التاريخية الموضوعية للتطورات.

فأصبحنا أمام اتجاهات وأفكار مؤدلجة تحاكم الربيع العربي إمّا سلباً أو إيجاباً.

     سلباً من خلال شيطنة الربيع العربي والاحتجاجات والثورات الشعبية؛ إما بوصفها مؤامرة دولية وخارجية، أو بتحميلها نتائج الفوضى والحروب الداخلية والازمات العاصفة التي مرّت بها أغلب الدول التي خاضت هذه التجربة، وتحميلها أيضاً مسؤولية انهيار النظام الإقليمي العربي وصعود القوى الإقليمية المجاورة بصورة ملموسة، التي أصبحت هي الفاعل الأكبر في تقرير مصير منطقة الشرق الأوسط، مثل إيران وتركيا وإسرائيل. وحتى التسطيح الإيجابي غير مقبول وفيه سوء فهم وعدم تقدير لطبيعة المرحلة، فالربيع العربي ليس وصفة سحرية ستؤدي إلى الانتقال دفعة واحدة بمجتمعاتنا إلى العصر الديمقراطي والحريات والتنمية الاقتصادية، فنحذف مئات القرون من العمل الجاد لدى دول العالم الأخرى في مجال الثورات العلمية والصناعية والاقتصادية، وهذا – التسطيح- مضر أيضاُ في عدم إدراك الشعوب والمجتمعات لطبيعة المرحلة الانتقالية الراهنة، التي تعني أنّنا أمام تحديات أكثر صعوبة وتعقيداً وخطورة من مرحلة الأنظمة الاستبدادية، في تلك المرحلة كان المطلوب فعل سلبي (بالمعنى العام) أي تحطيم القوى الاستبدادية والدكتاتورية وهدم الجدران النفسية والثقافية التي تحول دون مواجهة ديناميكيات الأنظمة البوليسية والشمولية أما اليوم فالمسألة تتطلب فعلاً إيجابياً بنائياً مركّباً، لديه ديناميكيات وشروط ومراحل أكثر تعقيداً وصعوبة.

        المطلوب – إذن- أن ننخرط كقوى اجتماعية وسياسية ومثففين ومفكرين ومحللين وباحثين وأكاديمين في عملية التحليل الموضوعوي والتفكير والدراسة للمتغيرات والتحولات العميقة التي حدثت – وما تزال- في عالمنا العربي، وأدت إلى التحول نحو الانتفاضات وتحطيم الجدران التاريخية التي كانت تشكل سوراً أصلب وأكبر من سور برلين وسور الصين، لأنّها تقع في داخل الموروث الثقافي والنفسي والمجتمعي، وحتى التراث الديني، لتتجاوز الشعوب كل هذه الحواجر وتكسرها، ما الذي حدث أولاً؟ ثم لماذا وقعنا في كثير من الحالات في الفوضى والحروب الداخلية؟ ما هي الديناميكيات والأمور التي أدت إلى ذلك؟ وما هو دور القوى الدولية والإقليمية في هذه التحولات بصورة عامة؟

        لن نستطيع أن نقدّم وصفة عميقة دقيقة وخارطة للمراحل القادمة، عربياً ومحلياً، من دون القراءة العلمية الموضوعية ومن دون نقاشات معمّقة بعيداً عن الأفكار المسبقة التي تصادر على إمكانية ذلك،

     

          الملاحظة الثانية- النظام القديم انهار والجديد ما يزال يتشكّل

         ثمّة تحولات بنيوية وجوهرية حدثت في البيئتين الداخلية والخارجية، كان لها دور جوهري ومهم وفاعل في  الانتقال إلى "حقبة الاحتجاجات العربية"، هذه التحولات تؤكّد على أنّ الربيع العربي لم يكن مرحلة عابرة، أو غمامة صيف، بعدها يمكن أن نرمم المعادلات القديمة، فالأخيرة قد انتهت وتفككت، وكانت غير صالحة للاستمرار، منذ أن انتهت الحرب الباردة، وتراجعت قواعدها، ودخل العالم بأسره في موجة الديمقراطية الثالثة مخلفاً العالم العربي، أدى ذلك إلى اهتزازات عميقة في شرعية الأنظمة العربية قدرتها على التكيّف، سواء تحدثنا عن المعسكر السوفيتي أو حتى المحافظ (الغربي)، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر لتؤكّد عل أنّ المجتمعات العربية لم تعد كما كانت والدول العربية لم تعد قادرة على الحفاظ على مبررات شرعيتها، إلى أن بدأت تقارير التنمية الإنسانية منذ العام 2002 تظهر لتفضح حجم الفجوة الكبيرة بيننا وبين العالم الأخر في التنمية الاقتصادية والمعرفة، ثم احتلال العراق وانهيار البنى التقليدية للأمن الإقليمي، وهكذا كانت تتداعى القوانين والقواعد التي تأسست عليها الشرعية الواقعية أو المفبركة للنظام العربي داخ لياً وإقليمياً.

       جاءت الأزمة العالمية لتقضي على ما تبقى من ديناميكيات لدى الأنظمة العربية، بخاصة فيما يتعلق بالطبقة الوسطى المهنية المثقفة، التي تضررت اقتصادياً بصورة كبيرة من تداعيات هذه الأزمة.

        خلال العقد الأول من القرن الجديد 2000-2010، كانت الصفقتان التاريخيتان اللتان حكمتا الحياة السياسية العربية تتفككان؛

        الصفقة الأولى وهي الصفقة التاريخية بين الولايات المتحدة الأميركية والنظام الرسمي العربي المحافظ، وقد بدأت بالاهتزاز والتفكك منذ نهاية الحرب الباردة إلى أن جاءت أحداث سبتمبر فقضت عليها نسبياً، وهي صفقة القبول بالأنظمة السلطوية الأتوقرراطية مقابل الصمت عن ملف الديمقراطية وحقوق الإنسان، فجاءت مبادرة كولن باول للشراكة الاوسطية 2005، والمراجعة الأميركية لما حدث في 11 سبتمبر، ثم التحول من الحفاظ على الوضع القائم إلى نظريات جديدة مثل "الفوضى الفعّالة"، أو "إحداث التغييرات الجوهرية"، وتوسيع الديمقراطية، كل ذلك أنهى عملياً الصفقة التاريخية التي شكّلت رافعة للأنظمة السلطوية خلال العقود الماضية، بخاصة في النصف الثاني من القرن العشرين.

       بالطبع جاء الرئيس الأميركي، دونالد ترامب محاولاً إعادة تصميم هذه الصفقة ويعمل حالياً بمقتضياتها، لكن أحداث الجزائر والسودان ولبنان والعراق وغيرها تؤكّد بأنّه يعمل وفق وصفة طبية غير صالحة للتعاطي مع الحالة الراهنة.

         أمّا الصفقة الثانية فهي الصفقة السلطوية داخل الحياة السياسية العربية، وتتمثل في مقايضة الوظائف والميزات الاقتصادية بالولاء وعدم التدخل في السياسة، وهي صفقة تضررت كثيراً مع الأزمة المالية، التي أضرت بقوة في قدرة الطبقات الوسطى العربية على الصمود، لكنّها تضررت أكثر بتفكك العلاقة الريعية التي حكمت علاقة هذه الأنظمة بشرائح اجتماعية واسعة كانت تنظر إلى علاقتها بالدولة من منظور أبوي، بمعنى أن الدولة توفر الوظائف العامة، التي كانت بدورها تشكّل رافعة اجتماعية وسياسية واقتصادية، وكانت الوظائف الرسمية أقرب إلى "بيت أبي سفيان" من دخله كان آمناً، فتراجعت قدرة الدولة على التوظيف أولاً، وثانياً قوة الوظيفة العامة والحكومية كرافعة اقتصادية ومجتمعية، وبدلاً من ذلك بدأ القطاع الخاص يمثل رافعة اقتصادية، بينما الشرائح الاجتماعية التي شكلت مخازن القوى البشرية لأغلب الأنظمة العربية أصبحت تعاني من البطالة والحرمان النسبي والشعور بالفقر وانقلاب المعادلة رأساً على عقب عما كانت عليه الأمور سابقاً.

      في الخلاصة الأسس والشروط والديناميكيات التي كانت تشكّل النظام العربي في شقيه الداخلي والإقليمي خلال النصف الثاني من القرن العشرين أخذت بالتفكك والتراجع والانهيار، ولم يعد ممكناً الحفاظ عليها حتى وإن لم تكن نتائج الربيع العربي الأولية مرضية، فهذا لا يعني أنّه بالإمكان العودة إلى الوراء واستعادة ما كان.

 

       الملاحظة الثالثة- المجتمعات وتحطيم الجدران الثقافية والنفسية القديمة

        يتزاوج مع المتغيرات السابقة ما حدث على صعيد مجتمعي وثقافي، وهو عامل لعب دوراً كبيراً في إحداث التغييرات البنيوية في المجتمعات والثقافة العربية، وأدى إلى إعادة إنتاج مفهوم القوى السياسية والمجتمعية، وأعني هنا ثورة الأنفوميديا، السوشال ميديا واليوتيوب والفضاء الالكتروني، وهذه العوامل لم تقصي فقط على الديناميكيات التقليدية لدى الدولة القطرية العربية في حفظ الأمن ومحاربة المعارضة ومنع الاحتجاجات والقدرة على التجسس والاختراق، بل كسرت كل النظريات الإعلامية ونظريات الاتصال السياسي وفككت مفهوم التنظيمات السرية التقليدية، وقلبت المعادلات فأصبح الإنسان البسيط ( على حد تعبير آصف بيات) أكثر قدرة من السياسي الحزبي القديم على تغيير الواقع، ولم يعد الشباب اليوم يعرفون الجدران النفسية القديمة والتقليدية، كل ذلك بدأ بالتفكك رغم كل محاولات الممانعة من قبل الأنظمة العربية لمواجهة هذه الحالة.

      جيل الشبابا الجديد اليوم في العالم العربي هو العمود الفقري للاحتجاجات في العام 2011 والموجة الجديدة الحالية والراهنة، وهو جيل لا يهدأ، وفيه نسبة كبيرة من المعولمين، يعاني من أزمات البطالة والإقصاء السياسي ويشعر بأنّ التغيير حتمي، لذلك يخترع استراتيجيات وتكتكيات جديدة، ولديه خطاب جديد يركّز على المعادلات الداخلية بصورة أساسية وفاعلة.

     صحيح أنّ حركات الشباب والجامعات والطلاب ليست أمراً جديداً على العالم العربي، لكنّ الجديد هو أنّ الديمقراطية والحرية والحريات والقضايا الداخلية من التنمية والفساد والإحباط أصبحت جوهر المناظرة بدلاً من الخطابات الأيديولوجية التقليدية، والجديد أيضاً أنّ مستوى تدخل جيل الشباب والمواطنين العاديين أصبح هائلاً في تصميم المشهد السياسي العام، الذي لم يعد حكراً على سياسيين تقليديين أو معارضات منظمة أو حكومات.

     أصبحنا ليوم أمام سياسات الشارع وشارع السياسات، وأمام مفاهيم جديدة مثل العواصف الالكترونية وجيل لديه أدوات وقدرات غير تقليدية في مواجهة السلطات، ومساحات من الحرية فرضتها المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتقنية التي لم تعد الأنظمة السلطوية العربية بخطاباتها وديناميكياتها وثقافتها صالحة للتعامل معها.