في استذكار المفكر الكبير مراد هوفمان

محمد ابو رمان

توفي أيوم الاثنين 13/1/2020 المفكر المسلم والديبلوماسي الألماني السابق، د. مراد هوفمان، الذي قدّم مساهمات مهمة في الفكر الإسلامي والحضاري المعاصر، عبر العديد من الكتب والمداخلات والأفكار، وقد كنت كتبت مقالاً  في الغد عن كتابه خواء الذات، قبل قرابة تسعة أعوام، أعيد نشره في هذا المجال

 قراءة في كتاب "خواء الذات والعقول المستعمرة" لمراد هوفمان

د. محمد أبو رمان – الغد الأردنية 25/9/2009

 

ثمة فكر إسلامي مستنير، يمثل مساهمة فكرية وحضارية ومعرفية، عبر مفكرين معاصرين (بالإضافة إلى محمد إقبال وأبو الحسن الندوي والمودودي المعروفين في الأوساط الإسلامية العربية). لكنه لا يحظى بالاهتمام الذي يستحقه في الإعلام والثقافة العربية.

من تلك الأسماء المعتبرة، المفكر النمساوي المسلم، محمد أسد (1900-1992)، وروائعه (الطريق إلى مكة، الإسلام على مفترق طرق..)، مروراً بعلي عزت بيخوفتش (توفي 2007) (وروائعه: الإسلام بين الشرق والغرب، هروبي إلى الحرية..)، وصولاً إلى مراد هوفمان، ومهاتير محمد، ومحمد خاتمي، وغيرهم من مفكرين يمتلكون قدراً كبيراً من المعرفة والفلسفة والقدرة على صوغ خطاب إنساني حضاري إسلامي.

وتتميز المساهمات الإسلامية- غير العربية بمنح أبعاد جديدة وغنية للمقاربة الفكرية والحضارية الإسلامية، ذلك أنّها لا تنبع من البيئة العربية حصرياً، وربما تتوافر على خبرة حضارية وثقافية أخرى يشكل امتزاجها بالفكرة الإسلامية تخصيباً للخطاب وتطويراً له وتوسيعاً لآفاقه وقدراته.

في هذا السياق يمكن قراءة كتاب هوفمان بعنوان "خواء الذات: العقول المستعمرة" (دار الشروق الدولية، القاهرة، 2002)، فهو يحمل مهمة تقديم الخطاب الحضاري الإسلامي في سياق نقدي للتجربة الغربية الحديثة، التي امتلكت سطوة كبيرة على الثقافة العالمية وعلى العقل العربي المسلم تحديداً، من دون القدرة على تفكيك ثغرات هذه التجربة من زاوية، وتمايزها البنيوي عن التجربة الإسلامية من زاوية ثانية، وبناء الخطاب الإنساني الإسلامي المعاصر، من زاوية ثالثة.

ويأخذ هوفمان جزءًا من العنوان من عبارة للدكتورة نادية مصطفى – أستاذة العلوم السياسية في جامعة القاهرة – إذ تقول: "عملية الاختراق المسماة بالعولمة، لا تتعلق باختراق حدود جغرافية، ولكن بالسيطرة على العقول".

ما يريد هوفمان قوله في هذا الكتاب: أن الحداثة الغربية مليئة بالثغرات والتناقضات، وقد وصلت إلى أزمة حقيقية اليوم أنتجت ما يسمى بمدرسة "ما بعد الحداثة".

"أجوبة الحداثة" الوجودية المضلّلة

يتتبع هوفمان المادية العلمية التي صبغت البحث العلمي في شتى حقول المعرفة الإنسانية في مدرسة الحداثة؛ ليصل إلى نتيجة أن العلم لم يصل إلى إرواء غليل الإنسان في القضايا الكبرى التي تشكل دومًا مصدر اهتمامه ومحور تفكيره: الوجود والعدم، الله والكون، غائية الحياة..، بل صار العلم اليوم أكثر استعدادًا لتقبل فكرة صياغة أسئلة لا يستطيع الإنسان الإجابة عنها؛ لأنها تقع خارج قدرة المعارف الإنسانية.

وساهمت أزمة الحداثة الغربية في ظهور مدرسة "ما بعد الحداثة"، التي تعبر عن ذروة التخبط في العلم الحديث، وتعيد نبش المطلقات الفلسفية والمعرفية التي انطلقت منها الخبرة العلمية المعاصرة، التي بنيت على فرضية التناقض مع الدين، وفرضية أن العقل البشري قادر على الوصول إلى المعرفة المطلقة بمفرده دون أية وصاية خارجية.

هناك تطور دائم في العلوم، والنظريات العلمية تنقد بعضها، وما يثبته العلم اليوم ينفيه غدًا، كما أن هناك فرضيات أساسية شكلت نموذجًا سائدًا في حقول علمية شتى ثبت اليوم عدم صحتها، الأمر الذي يصل ببول فييرانبد إلى القول - في كتابه ترجمتي -:"لقد وصلت إلى الاقتناع أن الأمر كله ليس إلاّ فوضى مجنونة"، وأصبح علماء الأنسنة أقرب إلى الشعراء منهم إلى العلماء إذ يقولون:"لماذا نتباحث اليوم فيما سوف يتغير غدًا على أي الأحوال؟!".

 هذا القلق والاضطراب في عدم القدرة على الوصول إلى الحقيقة، من خلال مناهج البحث الحداثية، أنتج محاولات عديدة للخروج من هذا النفق، وبات عدد كبير من العلماء يشعر بالحاجة إلى الحكمة الشرقية وفلسفة الروح لإنقاذ العلم من متاهته المعاصرة، الأمر الذي حدث فعلاً مع فريتوف كابرا – أحد أفراد مدرسة ما بعد الحداثة – الذي قام في كتابه بالدمج بين الفيزياء والتصوف الشرقي، وكما في التصوف يتوقع كابرا أن ترفع فيزياء العصر الحديث – ما بعد الحداثة - كل المتناقضات، وتصل إلى نقطة يندمج فيها الملاحِظ والملاحَظ في وحدة واحدة: وحدة صوفية تتجاوز الفيزياء الحديثة.

في أمراض "إنسان الحداثة".. اجتماعياً وأخلاقياً

يناقش هوفمان أخطار وآفات الحداثة على الخبرة الغربية الحديثة والمعاصرة في شتى مجالات الحياة..

1- العلم والأخلاق: حاول العديد من المفكرين والعلماء وضع أساس جديد للأخلاق بدلاً؛ إلاّ أنهم فشلوا في ذلك فشلاً ذريعًا، وأدى العلم إلى مشكلة أخلاقية حقيقية في الغرب؛ إذ لم يتظاهر العلم فقط بوجود برنامج دون مبرمج، لكنه تصرف وكأن العلم وحده هو المعول عليه. وأصبح الغرب وفقا لفاسلاف هافيل أول حضارة ملحدة في التاريخ، أي تنكر دور الدين ابتداءً.

 2- العلم والحضارة: الميراث من العلم، والعلم الزائف في القرن التاسع عشر والقرن العشرين بدأ يثمر مجتمعًا لا إداريًا، نفعيًا، استهلاكيًا، موغلاً في الفردية، وليبراليًا، بما يعني حضارة تنشد المتعة حتى النخاع.

3- اللذة كأسلوب للحياة: كان جينو – المفكر الفرنسي المسلم – ذا إدراك عظيم عندما حدد أن المفهوم الجوهري للحركة الإنسانية الذي صيغ خلال فترة النهضة الأوروبية، يلخص مقدمًا البرنامج الذي ستأتي به الحضارة المعاصرة، كل شيء سوف يختزل إلى المستوى البشري، وإلى المقاييس البشرية، لذلك كان من الممكن التنبؤ أن الحضارة المعاصرة سوف تصل في النهاية إلى الغوص مرحلة تلو الأخرى، إلى مستوى أدنى الرغبات البشرية.

4- دين ما بعد الحداثة: أقام الغرب بنيانه الاجتماعي المعاصر بعيدًا عن الدين، وعلى الرغم من حضور الدين في المناسبات العامة، فهو لا يعدو أن يكون فلكلورًا أو تقليدًا عاريًا عن القوة.

لكن المشكلة هي أن الدين الذي خرج من الباب الأمامي في المجتمعات الغربية عاد من الباب الخلفي من خلال الإقبال الشديد للشباب ولفئات من المجتمع على أديان جديدة وغريبة؛ كجماعات العهد الجديد التي تتعبد داخل الأهرامات، والانبعاثيين الذين يعيدون عبادة إخناتون للشمس، وبالتساوي في مكان الصدارة إلى الآن أديان عبادة القمر، العلموية والتنجيم، والملائكة، والشيطان.

هذه الموجة الجديدة من التدين تستمد قوتها من الحنين إلى التوحد العضوي، والبحث عن المعنى، الغائبين بشدة في الحياة المعاصرة.

5- ثورة القيم: اعتبر الغربيون أن الخروج على الدين وعلى قيم العصور الوسطى التقليدية ثورة في القيم، واستبدلوها بالقيم الرأسمالية العملية. لكن طبقًا لتحليل عالم الاجتماع دانييل بيل في كتابه "التناقضات الثقافية للرأسمالية"؛ فإن المشكلة في العالم الغربي تكمن في أن نجاحه الاقتصادي يدفع إلى تدمير القيم الجوهرية التي قام عليها.

وداخل المسار الجديد للعلم والقيم العملية النفعية أصبح الناس غير معتادين على حقائق الحياة كالحوادث والمصائب الشخصية والمرض والكهولة والموت، إلى حد أنهم أصبحوا غير قادرين على التواؤم مع هذه الحوادث من غير مساعدة مستشاري الأحزان.

6- السلام الخيالي: لم يقدم عونًا لإحلال مدرسة ما بعد الحداثة محل الحداثة مثلما فعلت لا عقلانية الحروب المتواصلة داخل ما يفترض أنه العالم المستنير، وقد تنبأ بذلك تولستوي في رواية الحرب والسلام أن الحياة مستحيلة في اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه يستطيع أن يقودها ويمارسها وفقا لتوجيهات العقل الخالص.

ولم يعد المجتمع الغربي ينعم بالسلام حتى على المستوى الداخلي، فقد وصل مستوى العنف في المدارس الأميركية الثانوية حدًا مرعبًا، وهذا لا يمثل سوى قمة جبل الجليد الغاطس؛ إذ يتغذى العنف كل يوم من كمية العنف غير المعقولة التي تشاهد يوميًا في التلفاز، وقد وصلت إلى ألعاب الكمبيوتر بشكل كبير.

7- حافز الربح: أعادت الفلسفة الرأسمالية السائدة في الغرب إنتاج جملة المفاهيم الحاكمة في الحياة الاجتماعية والسياسية والثقافية في الغرب، وتعدلت كثيرًا من المفاهيم لتلائم هذه الفلسفة، فالخير هو النافع والفعال في الحصول على أقصى درجات السعادة عن طريق إنتاج أقصى كمية من البضائع لأكبر عدد من الناس.

في الواقع، النفعية هي التي قادت إلى الغلو الذي أنجب الماركسية، وأدت كذلك إلى تفاوت كبير في دخول الأفراد والدول.

ويصل ريتشارد فولك إلى القول: لم يعد الغرب حيزًا جغرافيًا، بل ظاهرة كونية، تدار العولمة بمؤسسات لا تحصى، بالغة الضخامة، ومتعددة الجنسيات، ووصل الأمر إلى الحد الذي تدار به السياسة برأس المال، الأمر الذي يهدد الديمقراطية الاجتماعية بصورتها المعروفة في ألمانيا والدول الاسكندنافية.

8- الإعلام والتسلية (المعلومات تسلية): الإنسان الغربي يعاني اليوم من الكم الهائل من المخترعات والأجهزة التي تحرمه من الهدوء والاسترخاء والتأمل أو التفكير بعمق، أو الصلاة بخشوع. في الواقع يجب على الدوام إثارة غرائز الإنسان المعاصر، حتى عطلاته ينبغي تحويلها إلى مغامرات يشرف عليها محترفون بالتسلية.

وعلى الرغم من وجود برامج تلفازية ذات مستوى رفيع، وأيضًا مجلات إلاّ أن العملة الرديئة تطرد الجيدة من السوق، والمنتجات الإعلامية الهابطة تستحوذ على النصيب الأوفر من المشاهدين، وكل هذا يعمل بشكل كبير على إفقار روحي للمجتمع وتنمية النرجسية والبعد عن العلاقات الاجتماعية.

في نفس الوقت تجاوزت وسائل الإعلام المعاصر كل الحواجز الموضوعة لحماية الدول ذات الأيدلوجية المغلقة من تأثيرات الأنباء والثقافات الأخرى، وهنا ينبغي على الدول الإسلامية أيضًا تغيير استراتيجيتها لحماية تراثها الإسلامي من خلال تحصين الناس بالعلم النافع لمواجهة الأفكار الضارة، وليس من خلال عزلهم المادي عن التعرض لها.

9- التعليم كأيدلوجيا: تلعب العلمانية دورًا حاسمًا في المعالم العامة للتعليم الغربي، من خلال إبعاد الدين عن المناهج الدراسية وعن صياغة أخلاق الطلاب، ويدرّس الإلحاد بشكل سافر في المدارس من خلال نظريات الحداثة أسستها الحركة اللادينية.

10- الثورة الجنسية: ضمن كثير من الثورات التي مرت بالإنسان الغربي في العقدين الماضيين؛ فإن أكثرها ثراءً وأطولها بقاءً هي على الأرجح الثورة الجنسية، وبدا الجنس للوهلة الأولى كأنه البديل الأقوى للدين مكتملاً بأنبيائه الذين يبشرون بالحرية الجنسية.

الآن فإن العادة السرية، والجنس ما قبل الزواج، تبادل الزوجات، الجنس في الشرج، والجنس المثلي، ومشاهدة العري، والدعارة؛ أصبحت كلها مقبولة، وتتكرر كموضوعات رئيسة من خلال تبادل الحديث، كما تجتذب الإعلام، الجنس مع الأطفال هو الوحيد الذي ما يزال محرمًا. ووصل الأمر إلى السماح لمحترفات البغاء بتكوين نقابات ببعض الدول على أنهن"عاملات جنس"، وفي ألمانيا منذ عام 2001؛ فإن الأزواج الشواذ يحصلون على التسجيل المدني.

11- انحطاط الأسرة: الضحية المباشرة للثورة الجنسية، والتي هي الأكثر استحقاقًا للأسى هي الأسرة، انهيار الأسرة الناتج عن الثورة الجنسية هو عنوان الشؤم على قرب انهيار الحضارة الغربية. 

ويعرض التلفاز كل ليلة كم هي عالية درجة الجمال في الرجال الآخرين والنساء الأخريات، ويحض الزوجات داخل بيوتهم على الدخول في منافسة مع جميلات التلفاز، وهي منافسة صعبة جدًا، ولا يمكنهم ببساطة الفوز بها، فعندما يصبح الجنس بضاعة تعرض في السوق، فسوف تتحلل الأسرة، وذلك ما يحدث بمعدلات مخيفة، وأرقام الطلاق تتصاعد في كل مكان، والأسوأ من ذلك المزيد والمزيد من الشباب يقررون عدم الزواج مطلقًا منذ البداية.

12- العدوان على الحياة والإدمان البنيوي: ومن آفات الحداثة إباحة الإجهاض وقتل الجنين غير المرغوب فيه، ومن آثارها الإدمان والكحول والمخدرات، والإدمان ليس مرتبطًا بالمخدرات والخمر، وإنما يصل إلى الإدمان على التكنولوجيا والاستهلاك وشراء الحديث، بما يذكرنا بكتاب هربرت ماركوز المتميز"الإنسان ذو البعد الواحد".

يقول هوفمان: "يطغى ضجيج الإدمان على صوت الضمير الذي قد يذكر الإنسان المعاصر بمصيره الحق، وهو معرفة الله، والدخول تحت عباءة الخضوع له. تعطي أنواع الإدمان معنى زائفًا للحياة، وتبدو على هيئة حلول، بينما هي في الحقيقة تمثل المشكلة الجوهرية.. إنها تحرم الإنسان من الصمت الوجودي والتركيز الذي يحتاج إليه من أجل إقامة الروابط السامية".