أيها السادة.. "قواعد اللعبة تغيرت"

فضّ المعلمون أمس اعتصامهم التاريخي بصورة سلمية، مع الاستمرار في الإضراب المفتوح، مع الأمل أن يكون مجلس الوزراء قد وصل في اجتماعه أمس إلى موقف يعيد الأمور إلى سياق التوافقات لا التصعيد، الذي لن يستفيد منه أحد.
حل الأزمة يتطلب، ابتداءً، العودة إلى الاتفاق الذي وصل إليه المعلمون مع النواب. لسنا أمام هيبة الدولة ولا مكاسرة سياسية، فهي قضية عادلة تتطلب حلولاً سياسية مرنة، يُراعى فيها الجمع بين الجوانب السياسية والاقتصادية والمهنية.
الرسالة الأكثر أهمية في اعتصام أمس تتمثّل في حجم الحضور الكبير من المعلّمين؛ إذ تقدّر أوساط متعددة أنّه من أكبر الاعتصامات خلال الأعوام الأخيرة، ما يعني أنّنا أمام معطى جديد تتجاوز فيه اللعبة السياسية حدود العلاقة بين الدولة والمعارضة التقليدية. النتيجة نفسها تتمثّل في فشل الأدوات التقليدية التي تملكها الدولة، إذ لم تجد نفعاً في الحدّ من أهمية إضراب المعلمين ومداه. باختصار، "قواعد اللعبة" تغيّرت. وتلك نتيجة طبيعية جداً لتغيّر نمط العلاقة بين الدولة والمجتمع، وتحديداً القاعدة الاجتماعية للنظام، التي أصبحت تعاني اقتصادياً ولا تجد آفاقاً واسعة لحل أزماتها، وتفتقر إلى فعالية القطاع الخاص ويغيب الاستثمار، ولا تتمتع بخدمات ولا تنمية، ما يجعل من العلاقة معها مرتبكة تماماً!
اليوم، ليس المرض سياسياً يمكن علاجه بالإصلاح السياسي فحسب، مع أهمية ذلك بوصفه شرطاً للنجاح. فنحن أمام معضلة حقيقية في الجانب الاقتصادي، جانب منها مرتبط بالأزمة المالية العالمية وحالة الركود، وجانب آخر بالخلل الكبير في البرنامج الاقتصادي المطبّق منذ عشرة أعوام، والجانب الثالث في الفساد وغياب الحكم الرشيد والشفافية، والتخبط في التعامل مع أولويات التنمية و"الفرص الاقتصادية" التي جاءت خلال الأعوام الماضية. يمكن إدراك خطورة الأزمة الاقتصادية في التباين بين مطالب الحراك وأولوياته. ففي حين نجد أنّ أولويات عمان والزرقاء وإربد (أو المواطنين من أصول فلسطينية) هي المواطنة والإصلاح السياسي، فإنّ أولويات المحافظات هي العدالة الاجتماعية وهوية الدولة، مع الإشارة إلى توصيف مهم جدلي لعدنان أبو عودة بقوله "إنّ جوهر أزمة الهوية هو الشق الاقتصادي"، بالطبع مع عدم إنكار الجانب السياسي في شقيه الداخلي والخارجي.
ما العمل.. كيف تواجه الدولة هذا التحدّي الجديد.. حتى لا نبقى ندور في حلقة التوصيف والتفكيك، وننتقل إلى الخطوات العملية كما يدعو الأستاذ والوزير السابق أمين محمود؟
أولاً؛ ضرورة أن يصل مطبخ القرار إلى قناعة أساسية بأنّنا بحاجة إلى تجديد العقد الاجتماعي، وتحديد طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، والسيناريو الذي نريد أن نصل إليه مستقبلاً، حتى تكون الأمور واضحة للجميع، وتنتهي حالة الضبابية التي تثير الهواجس والقلق وتدخل من خلالها الخطابات المتطرفة.
ثانياً؛ في الجانب السياسي، الإسراع في الأجندة الزمنية، لملء الفراغ، والتحضير لانتخابات تعيد تشكيل الطبقة السياسية، وتؤهل البرلمان من جديد ليكون مركز الثقة الشعبية، وفي ذلك لا بد من الحرص على مشاركة القوى التقليدية جميعاً، وفي مقدمتها الإخوان المسلمون.
ثالثاً؛ في الجانب الاقتصادي، ملاحظة فجوة التنمية بين عمان والمحافظات المختلفة، وتوضيح أولويات الدولة في تخليق التنمية الحقيقية والتعليم وتحسين المدخلات لتشجيع القطاع الخاص والاستثمار، وبث ثقافة جديدة تعزز من قيمة العمل والإنتاجية.
هنالك مسارات أخرى موازية لذلك. لكن المهم أن تكون رسالة الدولة واضحة محدّدة للجميع، فتعدد اللغات جعل من أجندة الدولة غامضة حتى لدى العاملين فيها. آن الأوان لطي صفحة وفتح أخرى جديدة والنظر إلى المستقبل، لكن بروح عقلانية منفتحة، وليست مأزومة متوترة!