الدولة والإسلاميون جدليات الاحتواءوالإقصاء: ما قبل الربيع العربي وما بعده

محمد ابو رمان

 

تتنوع خارطة الإسلاميين في الأردن، بين تيارات واتجاهات متعددة ومتباينة في علاقتها مع الدولة من جهة، وفي أيديولوجياتها ومواقفها من العملية السياسية من جهةٍ أخرى. وإذا تجاوزنا مؤقتاً جماعة الإخوان المسلمين، وحزب جبهة العمل الإسلامي، الذي يمثل امتداداً لها في الحياة الحزبية، فإنّ التيار السلفي هو الأكثر انتشاراً وحضوراً وتنافساً مع الإخوان.

لكن السلفيين ليسوا كالإخوان فهم ليسوا جماعة منظّمة هيراركية، وليسوا طرفاً واحداً، وهنا نميّز بين ثلاثة اتجاهات من السلفيين؛ الأول هو التقليدي القريب من الدولة والمتماهي مع سياساتها، وفي الوقت نفسه يرفض الدخول إلى العمل السياسي والحزبي، ويطلق على أنصاره تلاميذ ناصر الدين الألباني. أمّا التيار الثاني فهو الراديكالي الجهادي، الذي يؤمن بالعمل المسلّح ويرفض الدخول إلى العملية السياسية، ويكفّر الدولة، بينما الثالث وما يزال ضعيف نسبياً وهو ما يطلق عليه "السلفي الحركي"، الذي يزاوج بين العقيدة السلفية والأفكار الإخوانية، ويتمثل بجمعية الكتاب والسنّة، لكنه لا يشارك في العملية السياسية، وليس لديه تمثيل سياسي.

تبقى جماعة الإخوان المسلمين وحزبها جبهة العمل الإسلامي بمثابة التيار الإسلامي العريض الرئيس في اللعبة السياسية وفي المجتمع المدني، الذي يحظى بقواعد اجتماعية عريضة في النقابات والاتحادات المهنية والجامعات، ويشارك عادةً بالانتخابات النيابية.

ولعلّ أحد أبرز الموضوعات التي تُطرح عندما يتم الحديث عن استراتيجيات وسياسات الاحتواء والإدماج والإقصاء في الأردن، هو موضوع العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين، التي تأسست مع استقلال المملكة في العام 1946، وحزبها جبهة العمل الإسلامي (الذي تأسس مع عودة الحياة الحزبية في العام 1992).

وعادةً ما كان يضرب بالأردن المثل بوصفه نموذجاً إيجابياً على إمكانية التعايش بين الأنظمة العربية الرسمية والحركات الإسلامية السياسية، وعلى القدرة على إدماجهم في اللعبة السياسية، وتجنب سيناريوهات الإقصاء من قبل الحكومات والاستراتيجيات والخيارات الراديكالية من قبل تلك الحركات. وبالرغم من أن هذا النموذج اهتز وتراجع وانتقل من مرحلة التحالف غير الرسمي بين الطرفين، خلال العقود الماضية، إلى مرحلة الاختلاف والتناقض، ثم "الأزمة المفتوحة المستدامة" منذ قرابة 20 عاماً، إلاّ أنّ هنالك تعميمات وكلاماً فضفاضاً يستدعيان التدقيق وإعادة النظر والتفكير أكثر، كي نبني فهماً دقيقاً لشروط العلاقة بين النظام الأردني والحركات الإسلامية، والديناميكيات المؤثرة عليها، ما يساعدنا على بناء توصيف دقيق، وفهم أعمق، وقدرة أفضل على التنبؤ.

في هذه الورقة المكثّفة لن نعود إلى المنهج التاريخي والوصفي، كما درجت الدراسات السياسية وتعارفت عليه الأبحاث العلمية، إنما سنقفز مباشرةً إلى التحليل والنتائج، مع الإشارة إلى الأحداث والتطورات التاريخية بما يعزز هذه الأفكار، والمخرجات.[1]

 

1- من التحالف إلى الأزمة.. كيف نفهم التحولات؟

يذهب أغلب الباحثين والمراقبين السياسيين إلى القول بأنّ العلاقة بين الدولة والجماعة – جماعة الإخوان المسلمين- انتقلت عبر مراحل رئيسة، يمكن اختزالها بثلاث:

المرحلة الأولى مرحلة التعايش، وربما التحالف غير المعلن، منذ الخمسينيات إلى منتصف التسعينيات، وكانت تتمثل بلقاء مصالح الطرفين في مواجهة أطراف أخرى وخصوم مشتركين، سواء في داخل الأردن أو خارجه، مثل الشيوعيين والقوميين (فترة الخمسينيات والستينيات)، والفصائل الفلسطينية فترة السبعينيات، والأنظمة القومية المعادية حينها، السوريون والعراقيون والمصريون.

المرحلة الثانية هي مرحلة الفجوة وبروز الخلاف بين الطرفين، وتبدأ وفقاً لهذا التحقيب السياسي والبحثي، منذ العام 1992 وحتى العام 2000 تقريباً، وتتمثل في انتهاء مرحلة التحالف، واستدارة الدولة ضد الجماعة، عبر سلسلة قوانين وتشريعات وسياسات تهدف إلى تحجيمهم في المجتمع وإضعاف قوتهم.

أما المرحلة الثالثة، وقد جاءت مع حكم الملك عبدالله الثاني، وتتمثل فيما يمكن أن نطلق عليه مصطلح "الأزمة المفتوحة المستدامة"، وذلك يعني أنّ هنالك شكوك دائمة بين الطرفين، وعدم اتفاق على قواعد اللعبة، وجهل من قبل كل طرف بنوايا الطرف الآخر، وضعف قنوات الاتصال وإعادة ترسيم العلاقة، ودخولها في مراحل جديدة متتالية من الحظر القانوني للجماعة الأم، إلى مصادرة أموالها، والتضييق عليها بدرجة كبيرة، وتشجيع عمليات الانشقاق والانفصال بصورة كبيرة.

مع ذلك وبالرغم من أن هنالك منطقاً واضحاً يحكم هذا التسلسل التاريخي في العلاقات، بصورة عامة، إلاّ أنّه قد لا يكون دقيقاً تماماً من ناحية التفصيل التاريخي، وفيه قدر من التعميم والاختزال ما قد يوحي أنّ هنالك قواعد مستقرة حكمت العلاقة  بين الطرفين في مرحلة معينة، ثم تبدّلت وتغيّرت في مراحل أخرى، والصحيح أنّ هنالك شروط وعوامل مستمر هي التي تفسّر صعود العلاقة وهبوطها، وصحيح أيضاً أنّ هذه المراحل من الصعود والهبوط والانفتاح والأزمات كانت مستمرة منذ منتصف الخمسينيات، أي بدء النشاط السياسي للجماعة قبل سبعة عقود، لكنّ عوامل الاستقرار كانت أكثر حينها من عوامل الأزمة.

على سبيل المثال، توصف انتخابات العام 1989 بأنّها اللحظة الذهبية في تاريخ العلاقة بين الدولة والجماعة، ثم دخول الجماعة ومشاركتها في الوزارة، بعد الحياة النيابية، وهذا التوصيف صحيح ظاهرياً، لكن في العمق، فإنّ ما أوصل إليه ليس نضجاً سياسياً من قبل الطرفين بأهمية العلاقة والإيمان بقواعد اللعبة الديمقراطية، بل هي الظروف والعوامل السياسية الداخلية والخارجية، والتي تمثلت في هبة نيسان 1989، وبعدها حرب الخليج 1990، لكن قبل ذلك منذ العام 1985-1989 شهدت العلاقة أزمة كبيرة بين الطرفين، غير مسبوقة، قبل أن تؤدي التطورات الداخلية والخارجية إلى دفعهما للالتقاء. وربما المثال الآخر هو في العام 2003، عندما كان الطرفان في أوجه الأزمة منذ العام 1997، لكن رغبة الملك بانتخابات جديدة في عهده ومشاركة الإسلاميين قاد إلى مشاركتهم في العام 2003، وهكذا فهنالك ظروف وعوامل آنية تفسر الصعود والهبوط في العلاقة بين الطرفين.

والمفارقة في الأمر أنّ النظام تحمّل الجماعة وتحالف معها بينما كان هنالك اتجاه عريض فاعل من تياراتها يكفّر النظام ويراه نظاماً جاهلياً، ولا يقبل بشرعيته علناً، بينما اليوم الجماعة محظورة قانونياً وهي تشارك، وتعلن القبول بالنظام واللعبة الديمقراطية وتقدّم تنازلات عديدة، فالمسألة ليس لها علاقة مباشرة بأيديولوجيا الجماعة ولا بضمانات الديمقراطية، بل مرتبطة بظروف سياسية وأمنية.

 

2- ما هي العوامل التي تحكم سياسات الإدماج والإقصاء؟

يمكن تصنيف العوامل والديناميكيات المؤثرة على العلاقة بين الدولة والجماعة إلى مستويين، الأول الذي يحكم إدارة السياسة الداخلية بأسرها، وعلاقة الدولة بالقوى السياسية كافة، سواء إسلاميين أو غيرهم، والثاني هو الذي يحكم علاقة النظام بالإسلاميين حصرياً

 

أولاً العوامل التي تحكم إطار العملية السياسية

 

 

 

 

هنالك عوامل رئيسة متداخلة ومتشابكة تؤثر على الإطار العام لرسم السياسات الداخلية الأردنية، بما يتجاوز العلاقة بين الدولة والجماعة بصورة جزئية، ويحكم علاقة الدولة بالقوى السياسية كافّة، في مقدمة هذه العوامل الظروف الدولية والإقليمية فهي متغير مهم في تحديد سياسات الدولة الداخلية، سواء بالانفتاح أو الانغلاق على قوى معينة، سواء كانت إسلامية أو غيرها، فعلى النقيض من التعريف العلمي للسياسة الخارجية بوصفها فيض السياسة الداخلية إلى الخارج، ومحصلة للنقاشات والجدالات الداخلية في تعريف المصالح الوطنية، فإنّ السياسة الداخلية الأردنية هي فيض السياسة الخارجية إلى الداخل، بصورة عامة، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي.

أمّا العامل الثاني وهو رئيس فهو موقع الأردن الجيو استراتيجي، بالقرب من إسرائيل وفلسطين والدول العربية الأخرى، ما يجعل العامل الأمني مهم دوماً، والعامل الخارجي متوافر في المعادلة الداخلية، ويحدّد ويحجّم مستوى العملية الديمقراطية، فيضعها في إطار لا يتناقض مع رؤية الملك والنظام للتحالفات الدولية والإقليمية، ولا يؤثر على علاقة الأردن بالقوى الإقليمية والدولية.

العامل الثالث المكمّل للعوامل السابقة يتمثل في التركيبة الاجتماعية- السياسية الخاصة بالأردن، فتشكّل الأردن جغرافياً وسياسياً، وتكوّن نظامه السياسي بنيوياً وتاريخياً خضع إلى عملية ذات خصوصية مقارنةً بتجارب أخرى، ويلخص إبراهيم عز الدين أحد السياسيين الأردنيين البارزين العوامل الرئيسة التي قامت بدور مهم في هذا التكوين والتطوّر بـ: بريطانيا، الملكية، حزب الاستقلال السوري، العشائر الأردنية، بمعنى أن التركيبة السياسية مختلفة بدرجة معينة عن العوامل التقليدية في بناء الأنظمة والدول، فالملكية ركن رئيس، العلاقة مع القوى العظمي والبنية العشائرية كانت عوامل مهمة وما تزال فاعلة وحيوية في بنية السياسات الأردنية.

 

ثانياً- عوامل تحكم علاقة النظام بجماعة الإخوان المسلمين- جبهة العمل الإسلامي تحديداً

المستوى الآخر من العوامل هي التي يمكن ملاحظتها من خلال تحليل تطور العلاقة بين الدولة والجماعة، خلال الحقب السابقة والتطورات التي حدثت عليها، وإن كان دور هذه العوامل – إن جاز التعبير- تكتيكياً، أكثر منه استراتيجياً، أو هي عوامل تعتبر بمرتبة ثانية بعد العوامل السابقة، وأبرز هذه العوامل:

 

 

يمكن ملاحظة العامل الشخصي بوضوح تجاه الحركة الإسلامية، سواء على صعيد الملك نفسه، سياسات الملك عبدالله، الحسين، ثم عبدالله الثاني، لعبت التوجهات الشخصية للملك دوراً مهماً، وكذلك في موقع مدير المخابرات العامة، أو الأشخاص الذين يحيطون بالملك، مثل رئيس الديوان أو رئيس الوزراء أو مدير مكتبه.

مثال: تغير مواقف مدير المخابرات العامة الشخصية أثرت تكتيكياً على السياسات، الانفتاح والانقباض تاجه الإخوان المسلمين..

وكذلك الأمر يؤثر موضوع التركيبة الديمغرافية على هذه السياسات، فالتيار المحافظ داخل الدولة، بخاصة الأجهزة الرسمية، التي تدير العلاقة اليومية مع الجماعة، هو ذات بنية شرق أردنية، محافظ سياسياً، لذلك يتم النظر للإخوان في أحيان متعددة، من منظور ديمغرافي- سياسي، وكأنّ الجماعة تمثل الأردنيين من أصول فلسطينية، وإلى العلاقة معها بوصفها لعبة شبه صفرية The zero sum game، وفي أحيان أخرى يكون الأمر عكسياً أي محاولة إدماج الأردنيين من أصل فلسطيني وزيادة مشاركتهم من خلال مشاركة الجماعة في الانتخابات، ما يعطيها قدراً أفضل من الشرعية السياسية خارجياً ودولياً، وهي الاعتبارات نفسها التي تحكم المتغير الثالث بمعنى الأزمة الداخلية.

 

3- الإسلاميون والدولة فيما بعد الربيع العربي

لو عملنا على إسقاط العوامل والديناميكيات السابقة على تطوّر العلاقة بين الدولة وجماعة الإخوان المسلمين في مرحلة الربيع العربي 2011، وما بعده، سنجد أنّها دفعت في أغلبها نحو تأزيم الأمور وانتقال العلاقة نحو مرحلة أكثر توتراً ورمادية وضبابية..

فعلى صعيد العوامل الدولية والإقليمية، فإنّ تحالفات الأردن مع الإمارات والسعودية ومصر، محور الدول المحافظة العربية، جعلته على موقع عدائي إقليمياً من المحور الآخر التركي- القطري (وإن كانت حدّة هذا الموقف تراجعت مع بروز الخلافات الأردنية- السعودية حول التعامل مع الملفات الإقليمية)، هذا وذاك تزاوج مع إدارة الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، التي جاءت باستراتيجية تجديد "الصفقة التاريخية"، والعودة إلى المدرسة الواقعية في التعامل مع الأنظمة العربية، مع حضور ملحوظ لتيار اليمين الأميركي في الإدارة الذي يقف في خندق معادٍ للإسلاميين عموماً.

وعلى صعيد الموقع الجيو استراتيجي فإنّ ما يحدث في العراق وسورية والمنطقة وبروز تنظيم داعش في الجوار، والتحولات التي تحدث في الموقف السعودي، كل ذلك دفع إلى إعلاء الشأن الأمني على الإصلاحي، واعطاء مبررات لتراجع ملف التحول الديمقراطي، وغياب إي إسناد خارجي معنوي أو رمزي لمطالب الإسلاميين والمعارضة عموماً بتعزيز مساحة الحريات والديمقراطية.

والحال كذلك بالنسبة للتركيبة السياسية والاجتماعية، فإنّ عوامل القلق والأزمة الهوياتية أصبحت أكثر وضوحاً، مع ارتفاع صوت الحراك الذي يصطلح عليه بـ"يمين اليمين"، ممن يأخذون موقفاً معارضاً للدولة من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى بوصفهم أقرب في البنية الاجتماعية إلى الأردنيين من أصول فلسطينية، وهو ما تزامن مع عمليات انشقاق وخروج جديدة للتيار المعتدل من الجماعة، الذي يتشكّل عموده الفقري من الأردنيين من أصول شرق أردنية.

على صعيد العوامل التكتيكية في العلاقة بين الدولة والجماعة، فإنّ موقف نخبة القرار تجذّر في الاتجاه السلبي من الجماعة، بدايةً من الملك الذي رأى بمطالب الجماعة في مرحلة الربيع العربي أقرب إلى "الانقلاب الناعم"، إلى تبخّر النخبة التي كانت تدفع نحو الانفتاح على الجماعة في مراكز القرار بصورة ملحوظة، مما عزّز فجوة الثقة بينه وبين الإسلاميين، وخلق لديه إحساس عميق بأنّ الجماعة يمكن أن تنقلب على نظام الحكم في الفترة التي تتمكّن من ذلك، وأنّها مرتبطة بأجندة تتجاوز المصالح الوطنية الأردنية.

أمّا على صعيد الأزمة الداخلية فهنالك شعور من قبل الدولة بالقدرة على إنتاج معادلة سياسية تتضمن تحجيم القوى الإسلامية، التي كانت تمثّل الطرف الأقوى في المعارضة، واستثمار المخاوف من الربيع العربي ومما يحدث في سورية من أجل تعزيز الجوانب الأمنية على حساب المطالب الديمقراطية، والحصول على مزيد من المكاسب في تحجيم مصادر التجنيد والقوة لدى الإسلاميين، والتحالف مع "نخبة يسارية" تم إدماجها بصورة مباشرة أو غير مباشرة ضمن الماكينة الرسمية، لتعزيز خطاب الدولة في مواجهة الجماعة.

 

ماذا نتج عن ذلك؟

جملة من النتائج السلبية على علاقة الدولة بالجماعة نجمت عن العوامل السابقة، فعلى صعيد الوجود القانوني للمرّة الأولى يتم مصادرة وجودها القانوني والإقرار بتأسيس جمعية جديدة تحمل اسم جماعة الإخوان المسلمين ومصادرة ممتلكات وأموال الجماعة الأم، واعتبارها بمثابة المحظورة، كما هي حال الجماعة في مصر، في عهد حسني مبارك، وهذا يحصل للمرة الأولى في الأردن.

في الوقت نفسه أدت الأزمة التنظيمية المتدحرجة وغير المسبوقة إلى عمليات انشقاق وخروج وتشكيل أحزاب سياسية جديدة، بصورة غير مسبوقة، من جماعة الإخوان المسلمين، وهي عمليات حظيت بتشجيع أو على الأقل حماس من قبل الدولة، ففي البداية تم الإعلان عن تأسيس حزب المؤتمر الوطني زمزم، فقامت جماعة الإخوان بفصل المنضمين إليه ومؤسسيه من قيادات الجماعة، ثم تأسس حزب الشراكة والإنقاذ، ويضم أيضاً أعداداً كبيرة من قيادات الجماعة وشبابها.

الملاحظ في عمليات الانشقاق وتأسيس الكيانات الجديدة أنّها جميعاً تمت في أوساط ما يعرف بالتيار المعتدل والإصلاحي في الجماعة، ومن أبناء الشرق أردنيين، مما أحدث خللاً كبيراً في تركيبة الجماعة سواء على صعيد تبخّر وتلاشي التيار المعتدل التقليدي في أوساط الجماعة، وثانياً على صعيد تراجع كبير وحادّ في عدد المنضمين إليها من الشرق أردنيين، ما يجعل المكون الأردني- الفلسطيني هو الطاغي تماماً عليها، وهويتها تتكاد تتماهى مع تمثيله السياسي داخل النظام، أي كأنّ الجماعة أصبحت مقتصرة على تمثيل الأردنيين من أصول فلسطينية.

 

 

السؤال إلى أي مدى يمكن أن تصل مرحلة الأزمة المفتوحة؟

الجواب مرتبط بالعوامل السابقة جميعاً، الظروف الخارجية، المعادلة الداخلية، نخبة القرار، الموقع الجيو استراتيجي، التركيبة الاجتماعية والسياسية..الخ.

تفاعل هذه العوامل معاً، ضمن لحظة تاريخية معينة هو الذي يحدد ويرسم تطوّرات العلاقة، وقد ينقلها من النقيض إلى النقيض في مرحلة معينة، وفي الوقت نفسه هنالك عامل آخر مهم لدرجة كبيرة يتمثل بطبيعة استجابة الجماعة، أيديولوجياً وسياسياً لتلك التحديات، ومن الواضح في الفترة الأخيرة أنّ الجماعة تعرّضت لتغييرات عديدة، ذكرناها سابقاً، وهي ما تزال تعيش في مرحلة مخاض فكري وتنظيمي وسياسي، في مرحلة ما بعد الربيع العربي، وبالرغم من مشاركتها في الانتخابات النيابية والبلدية والمركزية الأخيرات بعد انقطاع طويل إلاّ أنّ هنالك سيولة في قواعد اللعبة مع النظام السياسي وعدم وضوح في أفق ذلك، مع تأكيد النظام بعدم العودة إلى المرحلة السابقة، أي التحالف التقليدي مع الجماعة.

على الصعيد التنظيمي بدأت الجماعة ومعها حزب جبهة العمل الإسلامي بإحداث تغييرات عديدة، من بينها إعادة كتابة النظام الأساسي لكليهما، بما يدخل تحسينات وتطويرات تتعلق بتمثيل النساء والشباب، والاستقلال الكامل بالنسبة للجماعة عن جماعة الإخوان المسلمين في مصر، ودخلت جبهة العمل الإسلامي الانتخابات الأخيرة ضمن تحالف أكبر أطلق عليه "التحالف الوطني للإصلاح"، وتخلّت عن شعارها التقليدي في الانتخابات وهو "الإسلام هو الحل".

حالياً تعكف كل من الجماعة والحزب على دراسة السيناريوهات المطروحة للتعامل مع إشكالية وضع جماعة الإخوان المسلمين القانوني، والعلاقة المتداخلة بين الحزب والجماعة، من أجل تحديد وتقييم السيناريو الأفضل، مع وجود توجه بتحديد دور الجماعة في الشؤون الدعوية والوعظية بينما يتفرغ الحزب للشأن السياسي والعمل العام.

[1]  نعتمد بهذه الورقة بصورة رئيسة على كتاب "الحل الإسلامي في الأردن: الإسلاميون والدولة ورهانات الديمقراطية والأمن"، لكل من محمد أبو رمان وحسن أبو هنية، مؤسسة فريدريش أيبرت في عمان، ومركز الدراسات الاستراتيجية في الجامعة الأردنية، ط2، 2013.