الدولة والشباب من الأزمة إلى الحل

محمد ابو رمان

 

محمد أبو رمان

دعوني أعترف بأمانة شديدة أمامكم بأنّ مثل هذه المحاضرة بهذا التوقيت، وبالعنوان المطروح، في المناخات الحالية بمثابة مهمة مرهقة ومعقّدة، بخاصة مع انتشار حالة من الإحباط وخيبة الأمل لدى جيل الشباب من إمكانية إيجاد حلول أو تطبيقها والوصول إلى تغيير المسارات الراهنة إلى آفاق جديدة مختلفة!

لا أريد في هذه المحاضرة أن أغرق في التفصيلات الجانبية، ولا أن أضع بين أيديكم برامج وزارة الشباب وماذا فعلنا خلال الفترة الماضية لمواجهة الأزمة الكبيرة، لكن أريد أن نشتبك معاً في تحديد وتعريف الوضع الراهن وإشكالياته وتشابكاته وتعقيداته، لأضعكم – بدايةً- معنا في إطار المنظور الذي نفكّر عبره بملف الشباب المعقد المتشابك الواسع، لأنّ التوصيف الصحيح والتعريف الدقيق للعلّة والمشكلة يساعد تماماً على إدراك الحل ومضامينه المطلوبة، وغني عن القول بأنّ العلاج الخاطيء قد يفاقم المشكلة ويزيد من صعوبة الحل المطلوب.

 

-1-

التحول في ملف الشباب.. وطنيّاً

في هذا السياق يمكن بسهولة ملاحظة أنّ خطاب الدولة شهد تحوّلاً كبيراً تجاه الشباب، وانتقل من مرحلة يرتبط فيها الشباب فقط بالرياضة ووقت الفراغ، إلى مرحلة يرتبط فيها الملف بالأخطار التي تواجه الشباب مثل التطرف والإرهاب والمخدرات ودعوى انخفاض منسوب الشعور بالهوية الوطنية لصالح الهويات الفرعية، وهكذا إلى أن أصبح هذا الملف – أي الشباب- بمثابة أولوية الدولة القصوى.

لا تجد خبراً أو تعليقاً يوميّاً إلاّ وفيه حديث عن الشباب، والجميع يتسابق على الدخول إلى هذا الملف، حتى وأن تمّ الزج باسم الشباب زجاً في بعض الأحيان، إلى درجة أنّ المراقب يصاب بالدهشة، وربما الصدمة، من حجم التخمة المفاجئة التي أصابت موضوع الشباب فنفخته إلى درجة كبيرة، وهو أمر له إيجابياته وسلبياته في الوقت نفسه، فمن إيجابياته أن موضوع الشباب لم يعد هامشياً أو مهمشاً، وهنالك قناعة راسخة لدى صانع القرار اليوم بأهمية ملف الشباب وضرورة التعامل معه بجدية وكأولوية، وهو ما قد يساعد على تحرير مساحة واسعة من التشريعات والسياسات لخدمة الشباب، كما سنتناول لاحقاً، لكن في الوقت نفسه من سلبياته أنّه يؤدي إلى فوضى كبيرة وتداخل بين عمل المؤسسات وتفريعات كبيرة من دون وجود رؤية متسقة تقوم على تشخيص دقيق وتوافق بين الدولة والمجتمع، وقبل ذلك إشراك الشباب حقّاً في تعريف وتحديد المشكلات واستراتيجية الخروج من الوضع الراهن والانتقال إلى المستقبل.

أخطر ما في هذا "التدافع" على ملف الشباب الممتزج بحالة الفوضى هو أن ينتهي المولد بلا أي نتائج ملموسة، وهنالك مؤشرات سابقة على ذلك، بمعنى أن تصرف أموال كثيرة وتعقد اجتماعات وتوضع استراتيجيات وتنشر خطابات ومقالات بحجم الجبال، ثم في نهاية اليوم يجد الشاب نفسه وحيداً يقارع الأزمة ويُسلّم إلى حالة الإحباط والشعور بعدم اليقين وغياب الأمان الشخصي والمجتمعي والسياسي.

ومن الأخطار المتعلقة بـالتدافع الراهن حجم التداخل والتقاطع الكبير بين المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، الدولية والوطنية، ما يجعل البرامج والأجندات متزاحمة ومتضاربة في أحيان، ما يمنع من إقامة جدول أعمال وطني استراتيجي مرحلي لملف الشباب، وربما أدى – وما يزال- هذا الواقع إلى أن تتسم برامج الشباب بـ"قصر النفس"، والهشاشة، ما ينتهي المطاف في أغلبها من دون وجود نتائج عميقة ملموسة!

هذه النتيجة متوقعة جداً إذا لم تنطلق الجهود والتصورات والأموال التي تنفق من منظور صلب توافقي دقيق في تعريف الأزمة الحالية، وتعريف ما هو المطلوب من الأطراف المختلفة، وتأطير المراحل وسبل الوصول إلى حلول أو إجابات على المشكلات، وهنا تحديداً – كما أزعم- تقع أهمية هذه المحاضرة.

-2-

تعريف الأزمة

التحول في ملف الشباب وانتقاله إلى مرتبة "الأولويات" على سلّم اهتمامات الدولة وخطابها الإعلامي – عموماً- ارتبط بالأعوام الماضية بأحداث وتطورات رئيسة: الربيع العربي ودور الشباب الجديد في إحداث تغييرات سياسية جوهرية، وما قامت به وسائل التواصل الاجتماعي في قلب المعادلات السياسية والأمنية والإعلامية التقليدية، فانهارت المقولات السطحية والساذجة المسبقة عن جيل الشباب اللامبالي والضعيف وغير المسيس، لنجد أنفسنا أمام جيل مختلف تماماً عن تلك الصورة النمطية، ثم جاء صعود داعش وقدرته على اختطاف عشرات الآلاف من الشباب العربي بسهولة ليؤكد على أنّ هنالك أزمة بنيوية في علاقة الشباب بأنظمتهم ودولهم، وأنّ التنظيم الإرهابي الصلب ذا الأيديولوجية المتشددة كان أكثر قدرة على استقطابهم من برامج حكوماتهم وخطاب دولهم، وأخيراً برزت الأزمات الاقتصادية وفي قلبها موضوع البطالة، وارتفاع معدلاتها إلى مرحلة غير مسبوقة، لتضع ملف الشباب تحت "الضوء الأحمر" أي الخطر للغاية، وربما هذه إحدى الإشكاليات الحقيقية في التعامل مع هذا الملف، بمعنى النظر إلى جيل الشباب بوصفه خطراً أو تهديداً أو تحدياً، لا من المنظور الإنساني المجتمعي الاقتصادي المطلوب بوصفهم – أيّ الشباب- الطاقة الكبيرة التي من المفترض أن يعوّل عليها موضوع القيادة والتنمية والإنجاز والتطور وإيجاد الحلول للمشكلات الكبيرة.

اليوم، أردنياً، في حال أردنا تعريف حجر الزاوية في النظر إلى ملف الشباب في خطاب الدولة الإعلامي، وبما يعكس منظور الدولة لملف الشباب سنجد أنّ كلمة "البطالة" هي المفتاح الرئيس، فهنالك قلق شديد مشروع وصحّي من المعدل غير المسبوق للبطالة في الأردن، وتحديداً لدى جيل الشباب، إذ تصل بين 15-24 عام إلى ما يقفز عن الـ40%، ونتحدث عن مئات الآلاف من الشابات والشباب ممن ينتظرون فرص عمل، مع وجود فجوة حقيقية بين كل من حالة سوق العمل حالياً وخريجي الجامعات، وتحول في دور الدولة من التوظيف إلى التشغيل، وهو الشعار الذي بدأت الحكومة السابق برفعه واستمرت عليه الحكومة الحالية؛ لكن من دون أن يتم تحويل الشعار إلى سياسات وبرامج عملية أو على الأقل التوافق على ماذا يترتب على هذا التحول البنيوي والجوهري في دور الدولة الاقتصادي والريعي.

وربما – هنا- تحديداً، بيت القصيد، وضرورة فك الاشتباك بين الأسباب والنتائج والديناميكيات والمظاهر في ملف الشباب وعلاقة الدولة معهم، فإذا كانت البطالة – اليوم- هي العنوان الأكبر في هواجس الدولة وأولوياتها في ملف الشباب، فإنّها – أي البطالة – بمثابة الجزء الظاهر من جبل الجليد، لأنّها مرتبطة هي أيضاً بتحولات كبيرة في جوهر العلاقة بين الدولة والمواطنين، لذلك حتى في موضوع البطالة فمن الضروري أن ندرك بأنّ هنالك جوانب اقتصادية ومجتمعية، وأيضاً سياسية، وبالتالي لكل جانب أبعاد مختلفة عن الآخر.

ثمّة جزء مهم في مشكلة البطالة مرتبط بما نسميه الفجوة العلمية والعملية، سواء على صعيد مخرجات المدارس والجامعات التي تتباين عن حاجة سوق العمل، ما يؤدي إلى "فائض" في العمالة الوافدة وفي الوقت نفسه معدل مرتفع في البطالة بين الشباب. وهنالك جزء آخر مرتبط بالتشريعات وبسوق العمل نفسها والبيئة المناسبة للشباب Eco System، في مدى توافر الظروف المناسبة تشريعياً ورقابياً ومالياً لإيجاد فرص لعمل الشباب والقطاع الخاص والاستثمار.

ما سبق يرتبط بسياسات اقتصادية وتعليمية ومهنية وتدريبية، وهي على درجة من الأهمية. في المقابل ثمّة بعد آخر لا يجوز إهماله أو تجاوزه وهو السياسي، فالبطالة مرتبطة بتوقف ماكينة الحكومة عن التوظيف، مما يعني ضرب أحد أبرز أعمدة مفهوم "الدولة الريعية"، التي تقوم على دور الدولة كمشغل رئيس، في المجتمع، وهنا ندخل إلى صميم علاقة الدولة بالمجتمع، التي ارتبطت بدورها بتطورات وأحداث تاريخية جعلت من توقعات شريحة اجتماعية واسعة من الدولة تأخذ بعداً "أبوياً"، فتنظر إلى الدولة بوصفها المشغل والراعي، أو "بيت أبي سفيان"، من دخلها فهو آمن، ومثّلت الدولة – بالنسبة لهذه الشريحة العريضة- في أغلب المحافظات ماكينة الارتقاء الاجتماعي والأمن الوظيفي والإنساني، وكان "القطاع العام" العمود الفقري للطبقة الوسطى، مما خلق توازنات اجتماعية- سياسية واقتصادية.

 

ما علاقة ذلك بالشباب؟!..

إنّه يقع في قلب فهم إشكالية العلاقة بين الدولة والشباب، التي قامت على تراكمات تاريخية وسياسية موضوعية، ولم تتأسس على قواعد دستورية وقانونية واضحة، فعندما بدأت الدولة تتراجع في قدرتها على الاستمرار في العلاقة الريعية، عملت على تعويض هذا الاختلال بإحداث اختلال أكبر وأخطر يتمثل في الزج بأعداد كبيرة من الشباب والمواطنين في مؤسسات حكومية وشبه حكومية، مثل الجامعات والبلديات والوزارات والمؤسسات الأخرى، عبر ديوان الخدمة المدني ومن خارجه، وهي النسبة الكبيرة، مما أرهق هذه المؤسسات وزاد من حجم النفقات الجارية، وعقّد عملية الإصلاح الإداري، وخلق مشكلة أخرى للدولة اقتصادياَ- سياسياً، فقد نُظر إلى النهج الترقيعي بوصفه حقوقاً مكتسبة وحلّاً معتاداً للتعامل مع مشكلة البطالة، فأصبحنا أمام بطالة حقيقية وبطالة مقنّعة وعلاقة غير واضحة بين الدولة والمجتمع، وتحديداً جيل الشباب الباحث الرئيس عن فرص العمل!

الخلاصة أنّ مشكلة البطالة مرتبطة بإشكالية الإدماج الاقتصادي للشباب في سوق العمل، لكنّها – في جزء منها- مرتبطة بإشكالية العلاقة بين الدولة والمواطن أو مفهوم المواطنة نفسه، الحقوق والواجبات والتوقعات، ماذا يتوقع المواطن/ الشاب من الحكومة والعكس صحيح.

هنا، تحديداً، تبدو أزمة البطالة – سياسياً- في المحافظات بدرجة أكبر، وذات طبيعة سياسية متزاوجة مع الاقتصادية، لماذا؟ لأنّ المعادلة التاريخية- الاقتصادية- السياسية بنيت على نمط علاقة التوظيف وليس التشغيل والقطاع الخاص، فهنالك محدودية في القطاع الخاص في أغلب المحافظات وعدم قدرة لديه على توليد فرص العمل، بينما رهان المواطنين – حتى في المحافظات- كان على مسارين: أما الدولة والاجهزة العسكرية والأمنية، وإما التعليم والشهادة، مع استبعاد التفكير بالتعليم المهني أو القطاع الخاص كمسارات استراتيجية وخيارات اقتصادية.

 

-3-

الشباب وعدم اليقين   

على وقع هذه المتوالية، نجد أنّه من الصعوبة بمكان فصل الجانب الاقتصادي عن السياسي، عن جوهر العلاقة بين الدولة والمواطن، وإذا كانت البطالة مدخلاً في سبب هذه الأزمة، فهي ليست الوحيدة، لأنّ هنالك أزمة كبيرة في الإدماج السياسي لجيل الشباب مرتبطة بالمسار الديمقراطي نفسه، وبسياسات الدولة التي تحولت خلال عقود ماضية إلى الاعتماد في عملية صنع القرار والمراكز القيادية على جيل الكبار في العمر، من دون النظر لأهمية إشراك الشباب، ومرتبطة ايضاً بعدم تجديد وتطوير قواعد اللعبة السياسية وأدواتها بما ينسجم مع التحولات الكبرى، سياسياً واقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً وثقافياً، ما نجم عنه فجوة سياسية وثقافية كبيرة لا تقل عن المشكلات الاقتصادية بحال من الأحوال!

الشباب – في الأغلب- اليوم لا يعرف الطريق إلى العمل السياسي الوطني، ولا يوجد توافق وإدراك متبادل بينه وبين مؤسسات الدولة لكيفية المشاركة السياسية الفاعلة ليصبح "فاعلاً" لا "مفعولاً به"، مؤثراً لا متأثراً فقط، يساهم في تعريف مشكلاته وأزماته ووضع رؤيته للحل.

لم يصل بعد الشباب – عموماً- إلى القناعة بأن "الحكومات" مؤمنة بأهمية إشراكه في عماية صنع القرار، ولا يزال هنالك موروث وثقافة وتراكمات وممارسات قائمة تُبقي لدى حاجز القلق كبيراً - لدى شريحة واسعة من الشباب- من الاندماج في العمل العام والسياسي تحديداً. وهنالك أيضاً إصرار على الفصل - لدى اتجاه رسمي- بين الإدماج الاقتصادي والسياسي للشباب فيرى هذا الاتجاه بأنّ المشكلة اقتصادية لا علاقة لها بالجانب السياسي عموماً. وما تزال – كذلك- الطريق غير سالكة بسهولة لعمل سياسي آمن لدى جيل الشباب يمكنهم من الانخراط في العمل العام.

على الطرق المقابل لم تطوّر القوى السياسية والأحزاب خطابها تجاه جيل الشباب، لأسباب موضوعية وذاتية، لا تدخل في نطاق البحث هنا، ويمكن بسهولة تشخيص الفجوة أيضاً بين الشباب والأحزاب والقوى السياسية، بألوانها المختلفة سياسياً وايديولوجياً، وإن كان هنالك نسبياً تفاوت بين الأحزاب وجيل الشباب، لكن حتى الأحزاب التي نجحت في إدماج أفضل للشباب في أطرها التنظيمية، وصعّدت قيادات منهم إلى الصفوف العليا وإلى عملية صنع القرار، لم تستطع إدماجهم بصورة سلسة في العمل السياسي العام، فكان أغلب هذا الجيل مرتبطاً بالعمل التنظيمي الحزبي بدرجة أكبر.

قبل الانتقال من مساحة التشخيص والتحليل إلى رسم طريق التعامل مع الأزمة من الضروري المرور هنا على النقاش المهم عن أولويات جيل الشباب؛ فبينما تصرّ قوى رسمية وشريحة عريضة من جيل الشباب على أنّ الأولويات اقتصادية بحتة، وتتمثل حالياً بدرجة أولى بمعضلة البطالة، وبأهمية توفير فرص عمل وبيئة مناسبة حاضنة لجيل الشباب للاندماج في الحياة الاقتصادية، فإنّ هنالك – في المقابل- اتجاه يرى بعدم إمكانية فصل الاندماج الاقتصادي عن الإدماج السياسي، وبأهمية تطوير قدرات الشباب السياسية واستدخالهم في عملية صنع القرار، وبتطوير ماكينات العمل السياسي التي تؤدي إلى إفراز قيادات شبابية واتجاهات وتيارات شبابية فاعلة في ترسيم التحديات الوطنية والتعامل معها، بخاصة أنّ مشكلة البطالة ليست اقتصادية صرفة، بل تمتد إلى بنية العلاقة بين الدولة والمجتمع والتوقعات المتبادلة والتحولات التي أدت إلى تبني الدولة شعارات مثل التشغيل بدلاً من التوظيف، والاعتماد على الذات، وهي وإن كانت عناوين اقتصادية لكنها مرتبطة عضوياً بمضمون سياسي واضح.

الأهم من ذلك هو أنّ غياب المشاركة السياسية الفاعلة لجيل الشباب عبر القنوات الحزبية أو السياسية القانونية والشرعية، وحالة الاستنكاف عن هذا المجال المهم لا تُسجل بوصفها مؤشراً على عدم رغبة جيل الشباب بالاندماج في العمل العام، أو اقتصاره على الجانب الاقتصادي، أو رضاه عن الوضع الحالي، بل ربما على النقيض من ذلك تماماً تعكس حالة من "الاغتراب السياسي" لدى الشباب، وحالة متراكمة من الإحباط والسخط وخيبة الأمل من إمكانية التغيير والتعديل والإصلاح عبر المسارات السياسية والحزبية القانونية المفتوحة، وهو مؤشر مقلق جداً، ودلالته أنّ الشريحة الكبيرة من الشباب أصبحت تعبر عن مطالبها بوسائل احتجاجية مباشرة، سواء على الوضع الاقتصادي أو مطالب الإصلاح السياسي، لأنّها لم تعد تؤمن بجدوى العمل المؤطر المؤسسي المنهجي.

 

-4-

معالم عبور الأزمة

إذا نظرنا مشكلة البطالة مع غياب الثقة بالحكومات، بالتزاوج مع التحولات المجتمعية والسياسية والاقتصادية، والداخلية والخارجية، يمكن بسهولة الوصول إلى أنّ هنالك حالة "عدم يقين" Uncertainty لدى الشباب العربي اليوم، والأردني أيضاً، وهي النتيجة التي تشير إليها دراسة مسحية متخصصة صدرت مؤخراً بالعربية بعنوان "مأزق الشباب العربي"، وربما ليس من باب المبالغة القول بأنّ عدم اليقين - المشتبكة بالإحباط وانتشار مشاعر الغضب من الأوضاع القائمة وعدم نجاعة السياسات الاقتصادية والتنموية العربية.. الخ- هي أخطر ما يواجه الشباب العربي اليوم، ويدفع به إما إلى حلم الهجرة، أو التطرف، أو الوقوع في فخّ المخدرات وغيرها من آفات محيطة بهم تمثل البيئة الحاضنة، بدلاً من أن تكون البيئة الحاضنة هي توفير مناخات الإبداع والإدماج والاندماج والعمل العام..

بالرغم من كل ما سبق وحتى لا ننجر في التحليل والتشخيص إلى اجترار الصورة النمطية المختزلة المشوّهة عن الشباب الأردني فمن المهم الإشارة إلى أنّنا لا نتعامل مع حزمة متجانسة منهم، بل هنالك اتجاهات وألوان ومسارات متباينة ومتضاربة، ففي مقابل حالة السخط أو اللا مبالاة، وفي مقابل الظواهر المرضية التي صعدت في الأعوام الماضية وأقلقت الجميع، هنالك جيل من الشباب الأردني مكافح في سبيل إيجاد الحلول وفي مواجهة المناخات السلبية، يعمل في مجال العمل التطوعي والخيري والعمل العام والوطني، ويحقق نجاحات مبهرة، وتتفتق طاقاته عن مسارات صاعدة في الابتكار والإبداع والعمل الريادي والتطوعي وفي الفنون والرياضة وفي الاقتصاد والسياسة، ويمكن بسهولة حالياً أن نستعرض مئات التجارب الشبابية الفاعلة والناجحة والمؤثرة في المحافظات، التي لو وجدت الأضواء الإعلامية لكانت نموذجاً ملهماً عظيماً ليس فقط للشباب الأردني، بل  الشباب العربي عموماً.

دعونا نعود الآن إلى مناقشة القضية الجوهري أي معالم الخروج من الأزمة والوصول إلى مسارات استراتيجية وبرامجية توافقية وطنية لعلاقة صحية بين الدولة والشباب الأردني، بمعنى أن تكون الأمور والمؤشرات والنقاشات واضحة وعلنية، وأن يكون الحوار وسط جيل الشباب أنفسهم ومع الآخرين حواراً عقلانياً واقعياً، يؤدي إلى نتائج ملموسة.

لذلك من الضروري التأكيد هنا، ليس من قبيل البلاغة الخطابية أو الكلام الفارغ أن نؤكّد على أنّ الحوار الحقيقي الواقعي العقلاني المباشر الجريء بين الشباب وبينهم وبين الأطر السياسية الرسمية وغير الرسمية هو خطوة جوهرية ومهمة جداً لتذويب جدار انعدام الثقة بينهم وبين الدولة، وفي سبيل تفكيك حالة الإحباط والسلبية وعدم اليقين التي تجتاح النسبة الكبيرة من الشباب اليوم.

لكن الحوار مشروط بقواعد وقيم وسياسات وليس مجرد كلمة، والمبدأ الأول بالحوار هو أهمية الإنصات لجيل الشباب إنصاتاً عميقاً، لنفهم كيف يقرؤون هم مشكلاتهم وكيف يعبرون عن همومهم وكيف يرون الطريق إلى المستقبل، وما هي رؤيتهم هم لدورهم ولطريقهم نحو الإدماج السياسي والاندماج الاقتصادي.

ومن واقع تجربة شخصية – وزيراً للشباب- ستتغير لدى صانع القرار والمجتمع المدني والمؤسسات الرسمية وغير الرسمية كثير من القناعات غير الصحيحة والخاطئة، وربما في أحيانٍ المقلوبة عن الشباب وثقافتهم ومواقفهم، وسوف نجد أنّنا احتكمنا إلى تعميمات وصورة نمطية مختزلة ظالمة، عن هذا الجيل الذي يتوافر اليوم على تقنيات وثقافات وإمكانات لم تكن متاحة سابقاً لنا، ولدى نسبة كبيرة منه رغبة حقيقية في الإنجاز والإبداع في مجالات متعددة، ولديها أيضاً توقعات عالية نحو مستقبلها، وهو ما قد يعزز من حالة الإحباط واليأس في حال لم تستطع الدولة أن توفر البيئة الحاضنة لإطلاق طاقات هذا الجيل، والمقصود بالبيئة الحاضنة ليس تحميل الدولة فوق طاقتها، ولا توفير الوظائف ولا الخطابات الرنانة بلا قيمة ولا نتائج، بل هي باختصار الـEco System، وتعني: إيجاد مساحات وفضاءات وسياسات صديقة للشباب وخدمات لوجستية تساعد الشباب على إطلاق طاقاتهم، ومناخات واضحة كبيرة من الحريات والتشريعات التي تهدف إلى تمكين الشباب وخدمتهم لا النقيض لذلك.

أحد الأمثلة المباشرة على "الأفكار المعلّبة" المسبقة عن جيل الشباب، بخاصة لدى المسؤولين هو ربطهم بثقافة العيب، بخاصة في المحافظات، والقول بأنّ جيل الشباب هناك لا يرضى اليوم بأقل من وظائف مكتبية ورسمية، بلا عمل حقيقي، وأنّه جيل كسول وغير منتج، وهكذا..، وفي الحقيقة ثقافة العيب قد تكون موجودة سابقاً نتيجة السياسات الرعوية الحكومية، لكنها تفككت اليوم في الواقع، وبقيت في أذهان المسؤولين، لأنّ من يشتبك مع الشباب في المحافظات والمناطق المختلفة يجد أنّهم تحللوا منها – أي ثقافة العيب- بسرعة قياسية لم تكن تخطر على بال أشد المتفائلين، فنجد هناك اليوم لدى هذا الجيل رغبة شديدة في العمل، خارج نطاق القطاع العام، لكن المشكلة الحقيقية في عدم توافر حتى مثل هذه الفرص أو البيئة التي تساعد الشباب على تخطي هذه المعضلة!

إذن الحل بالإنصات لجيل الشباب أولاً، وتدشين قنوات من الحوار في مختلف المجالات، وإبراز صوت الشباب في المجتمع، وإيجاد منصات لهم للتعبير عن أنفسهم، وتوفير المساحات الصديقة لهم والخدمات المطلوبة لتحقيق هذه الغاية، ثم العمل معهم على تنفيذ أحلامهم ضمن مسار توافقي ينسجم مع إمكانيات الدولة وقدراتها المالية والاقتصادية.

أجادل هنا بأنّ المطلوب اليوم هو بناء الأطر والماكينات والإمكانيات والديناميكيات (لا تقلقوا من الكلمات الكبيرة هذه، فالمقصود وجود إرادة سياسية فقط) لتصعيد قيادات شبابية تمثل جيل الشباب وتندمج في عمليات صنع القرار السياسي والاقتصادي، ليكونوا بالفعل هم ممثلو جيل الشباب اليوم في داخل مؤسسات الدولة، وليس المقصود هنا "كوتا شبابية" بل أن يطغى جيل الشباب اليوم على عمر الحكومات ومجالس النواب، ويتم تسليم قيادة الدفّة لهم مع بداية المئوية الثانية للدولة لهم.

هل نمتلك القدرة على هذه المجازفة السياسية، كما سيردّ بعض المسؤولين والسياسيين؟ أقول: لا توجد أصلاً هنالك أي مجازفة، وأوكد لكم من المعاينة الشخصية، ومن خلال خبرتي في وزارة الشباب، بأنّ لدينا قيادات شبابية فذة سياسياً واقتصادياً وثقافياً، لدينا عقول مدهشة، لكنها لم تأخذ الفرصة ولا المساحة المناسبة، ولم تتوافر على آليات وماكينات الصعود والبروز المطلوبة، لذلك نجد أغلبهم يبدعون في الخارج، بينما هم في الداخل محبطون موؤودون!

المطلوب لتجاوز أزمة الدولة والشباب أن يكون الشباب، ممن يمثلون هذا الجيل على أوسع نطاق ديمغرافي وجغرافي هم في قمرة القيادة اليوم، مستعنين بالضرورة بخبرة الجيل الأكبر، لكن أن يخاطبوا هم أقرانهم وأن يواجهوا هم التحديات وأن يعكسوا مصالح ومطالب وهواجس أبناء وطنهم في مختلف المحافظات، عندها سيبدعون في رسم السياسات ووضع الخطط وتحديد معالم الطريق المطلوبة نحو المستقبل.

في وزارة الشباب ننطلق من هذا الفهم لمهمتنا تجاه الشباب الأردني، ولأزمة الدولة والشباب، ولأهمية الانطلاق من منظور الفرصة السكانية وإطلاق الطاقات الشبابية لا أن نكون محكومين بالهواجس والتحديات وحالة القلق، ولست هنا بصدد استعراض الاستراتيجية الوطنية للشباب، ولا السياسات والبرامج والمشروعات التي نسير عليها ضمن هذا المنظور، لكن أقول بإيجاز أننا نعمل اليوم على تحقيق هدف تمكين جيل الشباب عبر توفير البيئة الحاضنة والمساحات والعمل على تعديل التشريعات وبناء السياسات التي يشعر معها جيل الشباب بأنّنا نساعدهم على الانطلاق والعمل والتغيير، وليس العكس.

نستمع، نحاور، ننصت كثيراً، ونطور سياساتنا بناءً على ذلك، والحديث عن المعهد السياسي لإعداد القيادات الشبابية بشقيه: البرلمان والحكومة وكذلك الأكاديميات السياسية الشبابية، ويضاف إليه شبكة القيادات الشبابية في المحافظات، وإعادة تعريف دور مراكز الشباب ودور وزارة الشباب وهويتها وأدوارها كل ذلك يخدم المنظور الذي قدمته هنا، في هذه المحاضرة..

بالتوازي مع ذلك نعمل مع خبراء وشركاء في المؤسسات الرسمية وغير الرسمية- المجتمع المدني على تطوير هذا الفهم لملف الشباب، ونعمل أيضاً حالياً على ما أطلقنا عليه مبدئياً ميثاق الشباب الأردني، الذي يهدف إلى وضع تصور للأفكار والقيم والثقافة المشتركة لدى جيل الشباب الأردني، وسيتم إطلاقه في نهاية العام مع تقديم الشبكات القيادية الشبابية في المحافظات، لندخل العام 2020 وأمامنا هدف واضح وصريح وهو أن يكون لدينا جيل قيادي شبابي قادر على الوصول إلى مراكز صنع القرار، وماكينات وآليات مؤسسية تساعدهم على تحقيق هذا الهدف، وأن نجد مساحات شبابية واسعة في مختلف محافظات ومناطق المملكة بما يقدم خدمات متنوعة ومتعددة لجيل الشباب وينسجم مع طاقاتهم ومواهبهم وأولوياتهم.