الساخطون قادمون.. مشهد الاضرابات والاعتصامات يجتاح المملكة

على الرغم من التراجع الملحوظ في صوت الحراك الشعبي المطالب بالإصلاح السياسي، فإنّ الصوت الاحتجاجي، الذي يحمل مطالب اقتصادية ومظالم اجتماعية بدأ ينتشر كالنار في الهشيم، ليتسيّد المشهد العام في الأيام القليلة الماضية، ويهدد بإغراق البلاد بإضرابات كبرى في قطاعات حيوية. 

قبل أيام قليلة جرت احتكاكات بين قوات الدرك ومواطنين في محافظة الطفيلة يطالبون بفرص عمل، شهدت استخدام قنابل الغاز المسيل للدموع، وهو ما استجابت الحكومة له، وبدأت مفاوضات لتحقيق مطالب المحتجين بتأمين فرص عمل لهم.

في الأثناء، ما تزال المفاوضات جارية بين الحكومة والمعلمين المحتجّين على نتائج إعادة الهيكلة، وقد نفّذوا في الفترة الماضية إضراباً محدوداً، لكنه مؤثر، خلال تصحيح أوراق الثانوية العامة، ويهددون اليوم بإضراب عام في 6 الشهر الحالي، مع بداية الفصل الدراسي الجديد، مما قد يشلّ العملية التعليمية بأسرها.

في السياق نفسه، بنفّذ مئات السائقين في وزارة الزراعة إضراباً عن العمل احتجاجاً أيضاً على نتائج إعادة هيكلة القطاع العام، إذ لم تؤدّ وفقاً لنشطائهم إلى تعديلات ملموسة على أوضاعهم الاقتصادية.

الاحتجاجات امتدت لتصل إلى تجار الكرك، ومعهم تجار من المملكة. لكن هذه المرّة ضد قانون المالكين والمستأجرين، مهددين بإضراب عام في 5 الشهر الحالي، أيضاً، وهدّدوا بأنّهم لن يقبلوا برفع الأجور، وأشار عدد منهم إلاّ أنّ القانون سيضر كثيراً بالتجار الصغار وفي المناطق البعيدة. 

بالطبع، هذه أمثلة معينة محدودة، على نماذج من الإضرابات والاحتجاجات التي اجتاحت المملكة خلال الأشهر القليلة الماضية، وشملت قرابة 15 قطاعاً، وتقدّرها بيانات أولية بـ800 فعالية خلال العام 2011، بينما ارتفعت نسبتها أكثر من ثلاثة أضعاف فقط خلال الشهر الأول من عام 2012، مقارنة بالشهر الأول من العام الماضي. 

ليست بالضرورة أغلب هذه الاحتجاجات والاعتصامات محقّة أو عادلة، وإذا كان كثير منها يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها الشريحة العامة الواسعة من المجتمع، فإنّ بعض هذه المطالب محاولة للاستفادة من "المناخ السياسي" الحالي والضغط على الحكومة لتحقيق مكاسب اقتصادية، ولدى البعض شخصية.

انفجار الاحتجاجات والإضرابات وعودة الزخم إلى المطالب الاقتصادية والتظلمات الاجتماعية بمثاية إشارة صارخة إلى أنّنا أمام تنامي الشعور بعدم كفاية القوانين  وغياب العدالة الاجتماعية، وبجدوى الاحتجاجات والإضرابات بوصفها الطريق المثلى للضغط على الحكومة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والعمّالية والمهنية.

النتيجة السابقة تؤكّدها نتائج استطلاع الرأي الأخير، الذي أجراه مركز الدراسات الاستراتيجية عن حالة الديمقراطية في الأردن، إذ أشارت نسبة 33% أنّ المظاهرات والمسيرات والاحتجاجات السلمية هي الطريقة المناسبة لتغيير السياسات الحكومية، فيما أشار 10% إلى الحوار مع الحكومة، و7% اللجوء إلى وسائل الإعلام، ولم يمانع 4% استخدام العنف في تحقيق المطالب!

هي نتائج تعكس مزاجاً اجتماعياً محبطاً ومتوتراً، فالاحتجاجات العمالية وإن كانت ظاهرة عالمية، إلاّ أنّ ارتفاع منسوبها إلى درجة كبيرة في ظل أجواء سياسية مشحونة واقتصادية سيئة، سيكون مؤشّراً مقلقاً وداعياً إلى الاهتمام، بخاصة إذا قارنّا ذلك بالنسبة الكبيرة من الاحتجاجات العمالية والمطلبية التي اجتاحت مصر قبل الثورة. 

بالنتيجة؛ نحن أمام معادلة انتهت صلاحيتها، ومعادلة جديد تضع حدوداً فاصلة بين الوسائل المشروعة ومطالب العدالة الاجتماعية المبررة من جهة والاستقواء على الدولة من جهة أخرى، ذلك يتم عبر بناء رسالة واضحة من الدولة بخصوص البرنامج الاقتصادي وقوانين العمل وأبعادها الاجتماعية، ودعوة إلى شراكة القطاعات المختلفة بالإعداد للمرحلة الجديدة.