بين غول وأردوغان

محمد أبو رمان

  

    محمد أبو رمان

    لعلّ أبرز سمة يمكن التقاطها عن قرب للرئيس التركي السابق، عبدالله غول، بالرغم من ديبلوماسيته الواضحة (في إجاباته على أسئلتنا في صحيفة "الغد") هي مصداقيته وإيمانه الحقيقي بما يقول، بخاصة التمسك بالمسار الديمقراطي التعددي وبفك شيفرة العلاقة بين الإسلام والعلمانية، بصورة سلسلة جلية من غير تعقيد ولا تحايل!

     تجنّب عبدالله غول تظهير خلافاته مع الرئيس التركي الحالي، رجب طيب أروغان، زعيم حزب العدالة والتنمية، ورفيقه في تأسيس تجربة الحزب، التي نقلت "الحركة الإسلامية" التركية إلى مرحلة "ما بعد الإسلام السياسي"، وأخرجتها من الحلقة المفرغة التي كانت تدور فيها.

     مع ذلك فيمكنك التقاط نقاط الاختلاف بين الرجلين بين سطور أجوبة غول، بقوله إنّه يتمنى عودة حزب العدالة إلى المسار الذي بدأ فيه، أو عن تفسيره لابتعاده الراهن عن الشأن السياسي، عبر نقده لفكرة التمسك بالسلطة عبر "تدوير المواقع"، واختلافه مع جزء من السياسات التركية تجاه المنطقة مع تمسكه بحق الشعوب بالديمقراطية ورفض الأساليب السلطوية والدموية في مواجهتها.

    قيمة عبدالله غول تتجاوز أنّه كان رئيساً لتركيا لمدة سبعة أعوام، ووزيراً للخارجية ورئيساً للوزراء، ومفكراً اقتصادياً كان له دورٌ بارز في نقل تركيا من دول العالم المتخبطة بين المافيات والفساد السياسي إلى دولة متقدمة اقتصادياً على مستوى العالم في فترة وجيزة، وقيمته كقيادي إسلامي ساهم في هيكلة شعارات العدالة والتنمية (مع أردوغان وأوغلو وآخرين) لتكون مستبطنة بصورة معمقة للديمقراطية والحداثة والانتقال من الأيديولوجي الشعاراتي العاطفي إلى السياسي الوطني الواقعي.

      عندما سألناه عن تجربة العدالة والتنمية وتقييمه لتجارب الإسلاميين في المنطقة العربية نقل الحديث إلى فضاءٍ آخر قد يبدو بعيداً عن مرمى السؤال، لكنه – في الحقيقة- يقع في صميمه، إذ قال "عندما يكون هناك حزب سياسي معين، فهذا الحزب عندما يستلم السلطة قد تكون له نجاحات كبيرة وقد تكون له إخفاقات معينة، وفي السياسة، فان الحزب عادة وحتى يدافع عن اخفاقاته يصورها كأنها نجاحات ولكن يجب عدم تجيير الموضوع للدين الإسلامي بشكلٍ عام. هناك تموجات في السياسة وفي مسيرة الأحزاب، قد تكون هناك نجاحات معينة، ايضا تكون هناك تجارب سيئة او اخفاقات معينة.

    " عندما نرى ان الدين الاسلامي السمح يدعو الى خدمة المجتمع بتعاليم الله سبحانه وتعالى والرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم)، ولكل الأعراق والاجناس بشكل جيد وصحيح، ولكن السياسة تختلف؛ وعندما تكون هناك اخفاقات للسياسة تُجيَر لمسألة التوجه الاسلامي، فسيكون ذلك خاطئا جدا".

       ويضيف " عندما نتحدث عن حزب إسلامي مثلا في بلد مثل تركيا، يعتنق فيه 99 % من الشعب الدين الاسلامي، فهل يعني ذلك أن نسبة أصوات هذا الحزب هي بهذه النسبة؟ هذا غير صحيح. إذا يجب أن نبادر لمرحلة وعمل نخدم به الشعب بجميع طوائفه وأطيافه، بحيث تقيم الحركة او الحزب بشكل ينال عليه التقدير".

    في ثنايا جواب غول معالم فكر سياسي إسلامي جديد بالكلية مختلف تماماً عن "الجراحة التجميلة" التي تحاول الحركات الإسلامية المشرقية القيام بها، فهو ينتقل بصورة بنيوية إلى أفكار جديدة تتنقد مفهوم "الأحزاب الإسلامية" في الأصل، وتجعل التركيز على الجانب البرامجي، وعندما يتحدث عن الديمقراطية والعلمانية والإسلام يرى أنّ هنالك معايير تتمثل بالحوكمة والحكم الجيد والشفافية هي التي تميّز بين الأحزاب والقوى المتنافسة.

    سحر النجاحات السياسية والاقتصادية للتجربة التركية والخطابات الشعبية للرئيس أردوغان من المفترض ألا تلفتنا عن رؤية الأسس الفكرية الصلبة التي شكّلت "نقطة التحول" الحقيقية في هذه التجربة، كما ألمح إليها غول.